أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معالم حمص ومشيداتها الأثرية (الحلقة الأخيرة): "تدمر"... أبرز نقاط التجارة الدولية القديمة بين الشرق والغرب !

على بعد 240 كم من العاصمة السورية و180 كم من حمص تقع أطلال تدمر واحة النخيل وعروس الصحراء، تلك الحاضرة الرائعة التي تتوسط قلب البادية السورية وتشكل نقطة من أبرز نقاط التجارة الدولية القديمة بين الشرق والغرب على الطريق المتعارف على تسميته بطريق الحرير وكان موقع هذه المملكة منذ أقدم الأزمنة ملائماً جداً لقيام تجمعات بشرية مهمة، فقد دلت التحريات والتنقيبات التي أجريت على تجمع الناس حول هذه الواحة منذ العصر الحجري القديم (الباليولتيك)، ففي الملاجئ الصخرية المجاورة كجرف العجلة وثنية البيضاء وكهوف الدوارة ومنطقة الكوم، وجدت الكثير من البقايا العضوية والصناعية الحجرية" موستيرية و"لالفلوازية" كما يرجح علماء الآثار بأن العصر الحجري الحديث (النيولتيك) نحو الألف السابع قبل الميلاد قد شهد أول مساكن أقامها الإنسان في تلك المنطقة.

يرجع أقدم ذكر لتدمر إلى القرن العشرين قبل الميلاد مقترناً بذكر أحد التدمريين (وكانوا آنئذ من الآموريين أو إخوانهم الكنعانيين على الأرجح) في أحد الرُقم الآشورية القديمة المكتشفة في منطقة كبادوكيا في الأناضول (موقع كولبته كانيش) والنص يذكر(بوزرالتدمري) تدمريم "كما يقول الباحثان عدنان البني وخالد الأسعد في كتابهما _ تدمر اثرياً –تاريخياً –سياحياً) وذُكر التدمريون ومدينتهم تدمر بعد ذلك في رُقمين من مدينة ماري (تل حريري على الفرات) يعودان إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وذكرت تدمر كذلك في رقيم كشف منذ سنوات في مسكنة إيمار على الفرات في نص يعود إلى القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد وفيه أول طبعة ختم تدمري معروفة حتى الآن.

ونوهت بتدمر حوليات الملك الآشوري تفلات فلاصر الأول (القرن الحادي عشر قبل الميلاد)، وعلى أية حال يرد بعض العلماء اسم تدمر إلى زمن أقدم من هجرات شعوب الجزيرة العربية دون دليل كما حاول آخرون تقريبه من التمر مستندين إلى أن اسم Palmyra الذي عرفت به في المصادر الكلاسيكية قد يكون مشتقا من النخيل palm وهو شجر التمر وقد اشتق المتنبي اسم تدمر اشتقاقاً بديعياً من الدمار عندما قال:
"وليس بغير تدمر مستغاث........... وتدمر كاسمها لهم دمار"
وقال النابغة الذبياني فيها: 
"وخيس الجن أني قد أذنت لهم..... يبنون تدمر بالصفاح والعمد" 
مدينة تدمر الحديثة المتوضعة إلى الشرق من الأطلال لا تثير في نفس القادم شيئا خاصاً، فتلك العمارات الحديثة نصف المكتملة المنتشرة بصورة عشوائية في كل مكان توحي بحالة ازدياد السكان في تدمر ازديادا كبيرا وفي الوقت نفسه، فالبناء شبه الفوضوي فيها يؤكد غياب حس مديني لدى سكانها أبناء تدمر المعاصرين الذين ورثوا أعظم نموذج للعمارة الأصيلة في الشرق القديم هندسة وتنظيماً وأبهة وقوة ... إلا أن منظر الأوابد الأثرية الرائعة التي تقبل جبهة الشمس وتلتمع كألماسة ثمينة وسط هذه الصحراء المترامية الأطراف تخفف كثيراً من تلك الانطباعات الأولى، تلك الأوابد تشيع في نفس الزائر شلالاً من المناخات الأسطورية وتبدو أعمدتها وأقواسها ومدافنها وحجارتها الضخمة الملقاة على طول الشارع المستقيم وكأنها سيمفونية جميلة متناسقة قُدت مفاتيحها وحركاتها الإيقاعية ومدارجها وآلالاتها وعازفوها من الصخر الوردي، ففي الصحراء لا تملك إلا أن تتخيل، ألم يقل أحدهم (الخيال قبعة الصحراء).



وإذا أراد الزائر أن يستمتع بأجمل منظر طبيعي عليه أن يزور أطلال تدمرعند غروب الشمس ففي هذا الوقت تشتعل جميع ألوان المشهد الساحر الخلاب تحت أشعة الشمس الوردية التي تلملم خيوطها لتتوارى في الأفق البعيد وعليه أيضا أن لا يفوته طلوع الشمس على تلك الأطلال البهية الرائعة، ومن العُرف الساري أن يوقظ موظفو الفنادق المنتشرة بكثرة في تدمر الحديثة نزلاءهم مع بزوغ الفجر ليشاهدوا عرس النور يغمر ببطء وحنان ورعشة عواميد الرخام الممشوقة كالحور الساحرة.

تخطيط شطرنجي
يبدو تخطيط مدينة تدمر صورة طبق الأصل عن تخطيط المدن السورية في العصرين الهيلينستي والروماني ، وهذه الأسس تقوم على التخطيط الشطرنجي القديم أو تقسم المدينة إلى شارعين متقاطعين تتفرع عنهما شوارع فرعية متعامدة مع الشارعين الرئيسيين بزوايا قائمة ، وتتشكل بين الشوارع الفرعية جزر واسعة تستخدم لبناء أهم المباني الرسمية والمعابد وتتقاطع الشوارع الرئيسية مع الفرعية مشكلة ما يشبه رقعة الشطرنج، و"هذا الأسلوب في التخطيط يعود بجذوره إلى الحضارة البابلية إذ نتعرف من خلال الوصف الذي وضعه المؤرخ الإغريقي هيرودوت لمدينة بابل أن هذه المدينة كانت منظمة وفق هذا الأسلوب"، ومدينة تدمر تضم شارعاً رئيسيا يؤدي إلى المباني الهامة مثل المسرح والميدان العام (الآغورا) ومعبد بعل شمين ويحف بالشارع من جانبيه رواق محمول على أعمدة ذات تيجان كورنثية وخلفه تنتشر المحلات العامة على جانبي الشارع أما الرواق فيتظلل به الناس من حرارة الشمس وهطول المطر.

قبل الدخول إلى الشارع الطويل أو (المستقيم)، يمر الزائر من تحت قوس النصر الذي يتألف من مدخل رئيسي ومدخلين فرعيين والمداخل الثلاثة معقودة، ولكن أوسعها وأكثرها ارتفاعاً المدخل الأوسط الرئيسي، ويعلو قوس النصر تتويجة حجرية على شكل شبه منحرف استخدمها المعمار لتحقيق فكرته في المحافظة على استقامة الشارع الرئيسي بعد ربطه بمعبد بل الضخم، كما زين المعمار القوس بحليات زخرفية رائعة جعلت منه قطعة معمارية وفنية تتوج الشارع وتخلق الإحساس بجمال الشارع وروعته. ومن المنشآت الهامة في تدمر(معبد بل) الذي كان يسمى خطأ في المراجع القديمة باسم هيكل الشمس. شيد هذا المعبد فوق تل ركامي على أنقاض معبد آخر يعود للعهد الهيلينستي في جوف التل وتحت أنقاض المعبد الأقدم معالم أثرية تعود للألف الثاني قبل الميلاد كُشف بعضها على عمق ستة أمتار من السطح الحالي.



وكان هذا المعبد مكرَّسا للرب "بل" بصورة أساسية وكذلك للثالوث الذي يضم الرب "بل" ويرحبول "رب الشمس" وعجلبول"رب القمر" كما أنه كان يعتبر مقراً لمجمع الأرباب التدمريين، وهناك (معبد نبو) الذي يقع غربي قوس النصر في بداية الشارع الرئيسي، وقد بني هذا المعبد في القرن الأول الميلادي، ويتشابه بناؤه مع باقي المعابد في بلاد الشام (سوريا) فهو عبارة عن سور خارجي داخله باحة وفي وسطه حرم، السور الخارجي له شكل شبه منحرف غير منتظم، وفي صدر الحرم بقايا محراب لتمثال الإله الذي كان يعبد فيه، وبجانب هذه البقايا فتحة تدل على وجود درج يصعد عبره إلى السطح، كما هو الحال في معبد بل كما أن الجدران الخارجية للحرم كانت تزينها الشرافات المسننة. ومن المعابد التدمرية الأخرى معبد بعلشمين الذي يقع في الحي الشمالي لمدينة تدمر القديمة، ويعود بناؤه إلى القرن الثاني الميلادي فوق أنقاض معبد أقدم كما هو شأن معبد بل وتتألف أطلال المعبد من حرم "سيلا" وباحتين شمالية وجنوبية بهما أروقة وأمام الحرم عتبة تحمل ستة أعمدة وجبهة مثلثة.وهناك معابد أخرى اقل أهمية كمعبد اللات وعبد بلحمون ومناة وعبد أرصو.

توزيع شعاعي
من معالم تدمر القديمة الهامة المسرح الأثري الذي بني على أرض مستوية ومدرجات الجلوس فيه اتخذت شكلا نصف دائري متوزعة في 13 صفاً يفصل بينها ممرات متوزعة بشكل شعاعي والمقاعد موزعة بدقة متناهية بحيث يمكن للجالس من أية نقطة من نقاط المدرج رؤية ما يدور على منصة التمثيل بوضوح ودونما عائق، وأمام الأركسترا تقع منصة التمثيل المحددة بثلاثة أواويين ذات محاريب لرفع تماثيل آلهة الفنون ومجهزة بدرجين يؤديان إلى الصحن ودرجين إلى الخارج، إضافة لثلاثة أبواب عبر الأواويين ذات سقفيات مزخرفة بجبهات مثلثة، وبالقرب من المسرح وفي الجهة الغربية يوجد مجلس الشيوخ الذي كان يحكم تدمر بمراقبة ممثل عسكري لـ"روما"، وذلك حتى عهد الإمبراطور هارديان، والمجلس عبارة عن بناء مستطيل كان له مدخل جميل وباحة ذات أروقة مرفوعة على أعمدة لم تزل قواعدها ظاهرة إلى الآن وفي صدر البناء إيوان كالحنية كان له مدرج للجلوس بشكل نعل حصان.

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(244)    هل أعجبتك المقالة (297)

عماد الزهراوي

2014-04-28

الاستاذ خالد الاحمد ، عمل رائع و مميز لكم خالص الشكر و التقدير على هذا العمل..


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي