أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معالم حمص ومشيداتها الأثرية: مدرسة الزهراوي.. درجَ على مقاعدها علماء ومفكرون وقادة

في مطلع القرن الماضي كانت مؤسسات التعليم في البلدان العربية والإسلامية كافة ثلاثاً، الكتاتيب وحلقات العلوم الشرعية ومدارس التعليم العام النظامية التي بدأت بالانتشار في أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك حلقات العلوم الشرعية التي تُقام في المساجد لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره.


ويعود تاريخ التعليم الرسمي في حمص إلى عام 1876 فبعد إعلان الدستور الأول للدولة العثمانية واجتماع أول مجلس نيابي عثماني أرسلت حمص أول بعثة علمية إلى مدارس الآستانة لتحصيل العلم، فعاد أفرادها مفعمين بالحماس لما لقوه في الديار الغربية من تقدم وازدهار على قلة ذلك بالنسبة لبلادهم فعقدوا النية على فتح مارس تغني التلاميذ مشقة الذهاب إلى البلدان الأجنبية وتغذي عقول طلابها بالعلوم والمعارف وتلقنهم مبادئ الوطنية وكان حظ مدينة حمص من هذه الناحية أكبر من غيرها فأسست المدرسة العلمية بمساعي المرحوم خالد الأتاسي والد هاشم بيك الأتاسي (رئيس سورية لثلاث فترات دستورية) سنة 1906 ثم مدرسة الإتحاد الوطني سنة 1908 بمساعي عبد الحميد الحراكي فأخذ الطلاب يفدون إليها ليس فقط من حمص بل ومن البلدان المجاورة والبعيدة من حماة ولبنان وحتى من فلسطين ومن ثم توحدت المدرستان سنة 1915 وفي سنة 1919 حولتا إلى مدرسة تجهيزية سميت مدرسة التجهيز الأولى ثم سميت في عام 1958 ثانوية عبد الحميد الزهراوي تيمناً باسم أحد أعلام النهضة الفكرية وأحد شهداء السادس من أيار عام 1916 وتُعد هذه المدرسة واحدة من أقدم المدارس الرسمية في سوريا، إن لم تكن أقدمها وقد ارتبطت بتاريخ مدينة حمص خلال أكثر من تسعة عقود ودرج على مقاعدها علماء ومفكرون وقادة وسياسيون ومشاهير من أبناء هذه المدينة تلقوا فيها كنوز العلم والمعرفة والفكر والثقافة.


و"كان الانتساب إليها يتم بعد اجتياز الطالب امتحاناً خاصاً يدخل بعده في الصف الذي يناسب سويته الثقافية" (كتاب حمص أم الحجارة السود، ساطع محلي، مطبعة دار المنار دمشق ط1 / 963 ) وكان أساتذة المدرسة في معظمهم من أبناء البلاد باستثناء مدرسي اللغات الأجنبية نذكر منهم الشيخ زاهد الأتاسي وعبد القادر الحراكي والشيخ عبد الكريم السباعي وعبد الرحمن سلام ( والد المطربة المعروفة نجاح سلام ) والشيخ نجم الدين صافي والشيخ عمر صافي والشيخ كلاليب والشيخ سعد زهور(من حماة) وعبد العزيز الحراكي وعبد الحميد الحراكي والشيخ محمد الياسين عبد السلام.


وقد خرّجت المدرسة في سنوات تأسيسها الأولى كثيراً من الشخصيات العلمية المرموقة كنجيب الأرمنازي (من حماة) ومجدي الشوا (من فلسطين) وعبد الرزاق الدندشي، وعانت مدرسة عبد الحميد الزهراوي ما عانت خلال الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث كانت حكومة الانتداب تضع العديد من العقبات لعرقلة التعليم والحفاظ على مستوى الجهل الذي كان يعانيه الشعب منذ أيام العثمانيين.


أرشيف نادر:
يتميز بناء المدرسة بهندسته الفريدة وتصميمه العمراني الرائع من الداخل والخارج ويتألف هذا البناء من ثلاثة طوابق تحتوي 34 قاعة مع غرف الإداريين والمدرسين والمخابر، وتمتاز قاعاتها بمساحاتها الواسعة وسقوفها العالية وأبوابها ونوافذها المصممة بطريقة صحية تساعد على دخول الضوء والهواء بشكل جيد كما صُممت جدرانها لتوفر مناخات أليفة في الصيف والشتاء بالإضافة إلى وجود مخابر نموذجية مدرجة ومكتبة زاخرة بمجموعة كبيرة من الكتب القديمة ومسرح مدرسي واسع وفي المدرسة متحف يحتوي على المواد العلمية والفيزيائية والكيميائية والخرائط ومواد التشريح وغيرها من المواد التي كانت تستخدم قديماً كوسائل تعليمية، كما يحتوي المتحف على أرشيف نادر وسجلات وقيود يعود تاريخها إلى عام 1919 أي منذ تأسيسها، ويتضمن هذا الأرشيف سجلات بأسماء وصور الطلاب الذين درسوا في المدرسة وصوراً نادرة لمراحل من تاريخها، ويذكر أن أعلاماً كثيرين تفخر بهم سوريا درجوا على مقاعد هذه المدرسة منذ تأسيسها ومنهم الأديب الراحل عبد المعين الملوحي، والأديب رفيق الفاخوري والشاعر والناقد الراحل أحمد الجندي والدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق سابقاً والنحوي الأستاذ محي الدين درويش والناقد السينمائي نادر الأتاسي، والشاعر عبد الباسط الصوفي، والدكتور فواز الأخرس، والشهيد محسن تركاوي، و"مصطفى طلاس" وزير الدفاع السابق، والفنان الراحل نبيل خزام، وعدد كبير من أعلام المحافظة وعدد من الأطباء والمهندسين اللامعين المنتشرين اليوم في أنحاء مختلفة من بقاع العالم.


من حمص إلى الاستانة:
الشهيد عبد الحميد الزهراوي الذي حملت المدرسة اسمه منذ عام 1958 هو أحد أعلام النهضة العلمية والفكرية في سوريا والوطن العربي. ولد في حمص سنة 1871 وتعلم فيها على أيدي علماء عصره ثم اجتهد في التحصيل على نفسه وأصبح المرجع الأول للمثقفين والأدباء في مدينته قام بعدة رحلات إلى الآستانة وأوربا ومصر أصدر في حمص جريدة المنبر السرية التي كان ينتقد فيها بجرأة متناهية أعمال الحكومة العثمانية وجورها وعسف حكامها سنة 1894 وكان يحررها ويطبعها ويوزعها بنفسه وضع تحت المراقبة زمناً طويلاً ثم نُفي إلى الآستانة، وأعيد إلى حمص للإقامة الجبرية فيها، فعكف على التأليف وكتب خلال هذه الفترة مؤلفات عدة منها "خديجة أم المؤمنين" رسالة في النحو "رسالة في المنطق" كتاب في الفقه وديوان شعر وغير ذلك وعندما أعلن الدستور العثماني، انتخب الزهراوي نائباً عن حمص في مجلس المبعوثان في الآستانة حيث لمع اسمه وأصدر هناك جريدة الحضارة ولكن وطنيته وتمسكه بقوميته العربية ودفاعه عنه أزعجت الاتحاديين فأوعزوا بعدم انتخابه ثانية.


ولما عُقد المؤتمر العربي في باريس للمطالبة بالحكم المركزي انتخب الشيخ الزهراوي بإجماع الآراء رئيساً للمؤتمر واهتمت الحكومة العثمانية للأمر وأرسلت إليه موفداً خاصاً لإقناعه بالعودة لتحقيق طلبات المؤتمرين، فعاد إلى الآستانة عام 1913، وعين عضواً في مجلس الأعيان، وما إن دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وعينت السفاح جمال باشا حاكماً عاماً على سوريا حتى أعلن هذا الأحكام العرفية فيها وبادر للانتقام من رجالات العرب الوطنيين ومفكريهم وكان في طليعتهم، بالطبع، الشيخ عبد الحميد الزهراوي الذي أصدرت المحكمة العرفية في عالية حكمها عليه بالإعدام شنقاً في ساحة المرجة بدمشق، وقد نُفذ فيه الحكم وفي رفاقه شهداء القومية العربية الأوائل يوم السبت المصادف 6 أيار سنة 1916 ودفن في مقبرة الشهداء بدمشق.

خالد عواد الأحمد
(273)    هل أعجبتك المقالة (276)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي