اتهم النظام السوري الخطاب الإعلامي الخارجي وولاته وآلاته، غربيّة كانت أو عربيّة، بالتواطؤ عليه في حمّى المؤامرة التي اجتاحت عواصم الربيع العربي وصولاً إليه بكونيّتها، مستهدفةً عروبته وممانعته وديمقراطيته كما يدعي. فاتّهم وكالات الأنباء بتزييف الحقائق، والفضائيات بقلب الصورة، والمحطات بتقديم الخبر الكاذب.
في سياق التطور الهائل لوسائل الاتصال، تبنّت الأنظمة العربية منابر إعلامية ضخمة ورعتها، وكرّست لها رأس مال بالغ السلطة والنفوذ، صانعة لذاتها منابر خطاب سياسي عصريّ موجّه، ولا يخفى على كل متابع أن معظم الأنظمة العربية والخليجية منها على وجه التحديد وبعد انطلاقة الحراك الشعبي وتعاظمه واتساعه إلى أن بلغ مرحلة الثورة ونقطة اللاعودة، كانت حتى تلك اللحظة لم تزل تمدُّ النظام السوري وتدعمه بالأموال من جهة وبالمواقف السياسية المواربة والأخلاقية الرخوة من جهة أخرى بطرق وأشكال عدّة وتحت مسميات واعتبارات مختلفة، فهل وظفت منابرها الإعلامية باتجاه، وتعاطت مع الواقع الحيوي بطريقة معاكسة؟!.
*توجهات
انطلاقاً من هذا الواقع أتى السؤال الذي توجهنا به للمعارض "جبر الشوفي" عضو الأمانة العامة لإعلان دمشق، على النحو التالي:
كان لإمبراطوريات الإعلام العربي دورٌ كبيرٌ في تغطيتها لأحداث ما سمّي بالربيع العربي. كيف ترى دورها في تغطيتها لأحداث الثورة السورية بشكل عام؟ هل ثمة اختلاف في الطريقة والهدف؟!.
فأجاب: "يمكننا أن نؤكد أن ثورات الربيع العربي تدين بنصيب كبير منها لوسائل الإعلام والاتصالات المتطورة، فهي لم تساهم فقط بنقل الخبر والخبرة والصورة المؤثرة والمحفزة للشباب العربي بدءاً من "بوعزيزي"، بل ساهمت في تحشيد رأي عام يتفاعل مع الصورة والخبر، وينتقل بفضله إلى الاهتمام بالشأن العام بشكل من الأشكال، أي أخرجت المجتمعات من حالة السلبية والخمول وهذا ينطبق على الجميع بما في ذلك سوريا، ولكن!!
هذه الصفة الإيجابية يجب ألا تنسينا دور الإعلام في صنع الرأي العام بهذا الشكل أو ذاك، وهنا مكمن الخطورة، فالإعلام سلاح فتاك يقف في المواجهة ويفعل أحياناً فعل السلاح، ومن هنا يصح وصف إعلام النظام السوري بالإعلام العنيف، لأنه يشارك في الدفع بالعنف والتزييف والتغطية على الجرائم وتسويق سياسات النظام ومكره، وهذا ينطبق على كل القنوات بلا استثناء.
ـإذاً ومن خلال هذه الرؤية هل أسهم الإعلام الخارجي بتوجيه خطاب الثورة الأيديولوجي، وهل أثر هذا على الحراك الميداني على الأرض؟.
يضيف الشوفي: "طبيعي أن يساهم الإعلام الخارجي بتوجيه خطاب الثورة والتأثير بمسارها، وهذا يتضح من نهج الجزيرة في تبنيها الكامل لخطاب الإخوان المسلمين في سوريا، فكانت تدعم المجلس الوطني ثم انتقلت إلى دعم الائتلاف، وعندما صارت اليد السعودية أقوى، اتجهت لتوجيه تشكيلات هنا وهناك لسحب ثقتها من الائتلاف ومن ثم الجيش الحر، وقد يجري عكس ذلك مع السعودية !!، بل إن دور دول الخليج تجلى منذ البداية في عمليات التسليح والدفع بالفئات الإسلامية ذات الخطاب الطائفي بدءاً من ظاهرة العرعور، وساهمت الأيادي المتعددة والأيديولوجيات المتباينة بتشتت الحراك الثوري العسكري حتى بات من الصعب إعادة توحيده حول رؤية وطنية جامعة، ومن هنا ارتفعت الرايات الساعية لتشكيل دول فوق قومية أو إمارات أو خلافة كما هي عند "داعش"، وهذه كانت من أكبر معوقات انتصار الثورة حتى الآن، بل ساعدت إعلام النظام في تخويف العالم من التطرف والإرهاب، وهذا ما نحصد نتائجه الآن حيث تحولنا إلى مقاتلة "داعش" لإبعاد خطرها بينما يستفيد النظام من كل ذلك".
في حين يرى الأستاذ (ناجي الجرف) رئيس تحرير مجلة "حنطة" والمدرب في مشروع المواطن الصحفي، وفي تعليقه على نفس السؤال: "إن المراقب لتغطية وكالات ومحطات الإعلام العربي للربيع السوري، سيلاحظ أن الخبر السوري كان يأتي في المرتبة الخامسة إلى العاشرة حسب أولوية الترتيب في النشرات الإخبارية، ولكن بعد تصعيد الموقف السياسي الخليجي السعودي والقطري بالتحديد ضد النظام السوري، تصدّر الخبر السوري الأولوية، من هنا يمكننا الإمساك بخيط السياسات الإعلامية لهذه الإمبراطوريات، بعد هذه المرحلة كان لتصعيد النظام السوري ووحشيته في سفك الدم محاولاً إيقاف التظاهرات السلمية التي عمّت القرى والمدن السورية أن فرضت الثورة السورية نفسها كخبر رئيسي في وسائل الإعلام، وهنا بدأت لعبة الإمبراطوريات بدعم التشكيلات الثورية التي تشكلت في الثورة كل حسب ما تقتضيه مصالحها، وبدأنا نسمع بمصطلح المدن المعتم عليها إعلامياً".
وذلك في إشارة ضمنية من الأستاذ (الجرف) إلى أن التعتيم الإعلامي الذي عانى منه النشاط السلمي في مناطق الأقليات كان من أسبابه المباشرة عدم تشكّل مجموعات مسلحة تدين بتبعيتها لأحد هذه الأنظمة وبالتالي لمنابرها الإعلامية.
*تركيز على المسار الدموي
ـ من المعروف، على الأقل في الداخل السوري، أن مكونات المجتمع السوري ككل كانت ولا زالت تشارك في أحداث الثورة بمختلف الأشكال. هل تعاطى الإعلام الخارجي سيّما العربي منه مع حراكها بشكل عادل وموضوعي؟.
يجيب "الشوفي":لقد ساهمت الفضائيات بتوجيه شباب سوري وعربي في اتجاهات أخلّت بمسار الثورة التي بدأت متمسكة بالثوابت الوطنية والديمقراطية، وهيجت الغرائز الطائفية والمذهبية والإثنية، وعملت على إعادة إحياء قيم العشيرة وعنجهيتها وجرفت في طريقها كل ما كان كامناً من قيم وعادات وسلوكيات مجتمع ما قبل الدولة، كان واضحاً أن الانتقال إلى السلاح، حوّل اهتمام الإعلام نحو مسار الصراع الدموي قبل كل شيء، وما لبث الحراك السلمي أن ضعف تأثيره وباعتبار أن الحراك الثوري عند ما يسمى بالأقليات ظل في حدود النخبة وضمن الوسائل السلمية، ثم ما يلبث أن تلاشى أو ضعف، لذا كان عدم التركيز عليه أمراً طبيعياً من جهة، ولكنه كان موجهاً أيضاً من بعض القنوات التي أرادت أن تصور أن الثورة سنيّة تحديداً في وجه نظام علوي، وهذا شكل صدمة معاكسة للطوائف غير السنية إذ لاذ قسم من ناشطيها خلف تخوفهم وحذرهم أو مالوا إلى العزلة والانزواء".
وفي سياق الفكرة نفسها أكدّ لنا "سلمان فرهود" عضو المجلس المحلي لمحافظة السويداء: "إن تعاطي الإعلام الخارجي مع الحراك الثوري لمناطق الأقليات لم يكن عادلاً، فلم تتم تغطية حراكها بشكل حقيقي، وقد أهمل قسم كبير منه بشكل مقصود كي يظهر للعالم على أنه حراك إسلامي سنّي، فلم يتم تغطية حراك مدينة السلمية مثلاً، وظهرت المدينة وكأنها لم تشارك بالثورة على الإطلاق، حتى حراك محافظة السويداء المعروفة بمكونها الاجتماعي الدرزي والذي لم يغب عن شوارع المدينة وساحاتها بأشكاله السلمية المختلفة، لم يتم التعاطي معه إعلامياً بشكل جاد. نعم لقد أسهم الإعلام الخارجي بتوجيه خطاب الثورة السورية و استطاع حرفه باتجاه (الخطاب الإسلامي) الذي رغب به، وقد أثر ذلك وبشكل كبير على الحراك الميداني عند كافة المكونات الأقلويّة، لأن قسماً كبيراً ممن كانوا بمرحلة الانتظار والترقب تراجعوا وامتنعوا عن المشاركة الحقيقية بالحراك على الأرض".
وقد أكد لنا أحد الناشطين الإعلاميين من محافظة السويداء، رافضاً إدراج اسمه لأسباب أمنية، مثبتاً هذه الفكرة بحيثياتها الدقيقة حيث قال: "كنّا نرفع مقاطع الفيديو وصور المظاهرات والاعتصامات التي ينفذها شباب المحافظة الثائر إلى شبكة الإنترنت، ثم نتفاجأ بعدم عرضها على وسائل الإعلام، وبسؤالنا عن السبب أفادنا المعنيون في إحدى الفضائيات الضخمة، أنهم غير مضطرين للبحث عن حراك محافظة السويداء على شبكة الإنترنت، وأنه يجب علينا أن نحمّل لهم المقاطع على رابط المحطة ذاتها، وعندما قمنا بذلك أغفلوا الموضوع مرة ثانية، وباستفسارنا عن الأسباب، ادعوا أن مقطع الفيديو يصور مظاهرة لم ترفع شعار إسقاط النظام، وأن الواقع الميداني في سوريا تجاوز شعارات مظاهراتكم المطروحة، وبعد خروج الشباب بمظاهرات نادت بإسقاط النظام لم يعرضوا جزءا كبيراً منها، وتذرّعوا بعدم طرح شعارات تؤيّد الجيش الحر، وهكذا كان من الواضح لنا أن جهة ما داخل هذه المنابر الإعلامية قد اتخذت قراراً بعدم اظهار حراك هذه المنطقة إلا ما ندر ومن منطلق ذر الرماد بالعيون.
في حين وجهنا هذا السؤال للأستاذ (الجرف) على اعتباره ابن مدينة السلمية حيث قال: تعاطى الإعلام العربي مع حراك مناطق الأقليات بشكل موضوعي ربما، لكن ليس بشكل عادل بالتأكيد، إن مراقب التغطية الإعلامية لتلك القنوات يلاحظ عدم التركيز على حراك مناطق الأقليات وذلك لعدة أسباب، منها قلة هذا الحراك من جهة على اعتباره حراكاً سلمياً، ولتوجهات القنوات الإعلامية التي تتبع لسياسات دولها من جهة أخرى.
وأضاف (الجرف) بعد سؤالنا له عن كيفية تلقي مدينة السلمية والمكون الإسماعيلي فيها تحديداً للربيع العربي الذي انطلق من تونس وانداح وصولاً إلى سوريا، فأجاب: "الربيع العربي بدأ بالتفتح انطلاقاً من طهران من الثورة الخضراء وهي التي أسست لتفتح الربيع في بقية الدول الشرق متوسطية، أما بالنسبة لمدينة السلمية أرى أن المدينة بالأساس تحمل طابعا متمرداً و بكافة مكوناتها، الإسماعيلي والسنّي والجعفري والعلوي والعشائري، لقد انتفضت المدينة بمكوناتها كلها، هذا التنوع ربما كان عصيّا على النظام في فهم انسجامه من جهة، وعصيّا على الإعلام أن يحلله من جهة أخرى.
ـ هل ثمة تقصير في الرسالة الإعلامية عند المكونات الأقلية جعلها وحراكها خارج المعادلة؟ أم ما كان لهذا الصوت أن يرتفع أصلاً أمام أصوات المنابر الإعلامية الداخلية ضخمة التمويل.
علق الأستاذ (الشوفي) متحفظاً على التسمية إذ قال:
"قد نجد تقصيراً ما في الرسالة الإعلامية عند هذه المسمّاة مكونات أقلية - أتحفظ على التسمية - ولكن الواقع في مكان آخر، إنه مسار الدم، وقد طغى على كل شيء، ومن الطبيعي أنه لا يمكن لإعلام بسيط الإمكانيات أن يواجه إمبراطوريات الإعلام الكبرى، وهنا يتكامل السببان ويضاف إليهما عدم وجود كوادر مدربة ومهنية كافية، وضعف التمويل وإمكانات تطوير تجربتها.
بينما أحال (فرهود) أسباب هذا التقصير إلى معطيات واقعية حيث قال: "نعم هناك تقصير بالجانب الإعلامي عند الأقليات هذا ما لا يمكن إنكاره، فقلة الأشخاص المحترفين في هذا المجال حتى وإن وجدوا إلا أنهم لا يمتلكون الأدوات اللازمة لذلك، مقارنة بالإمكانيات التي سخّرت للجانب الآخر، هذا ما وضعها في موقف الضعف، ومع أن أكثرية المكونات السورية ممثلة بالثورة إلا أن الجهات القادرة على صناعة الرسالة الإعلامية لم تقدم النموذج الحقيقي للأقليات كي تطمئن وتساعدها على الاندماج الحقيقي بالثورة، ولم تقدم لها الإمكانات اللازمة لفعل ذلك".
يعلق (ناجي الجرف) على هذا الموضوع بصفته مدربا في مشروع المواطن الصحفي إذ يقول: "هذه المعادلة متداخلة جداً .. وربما المنافسة الإعلامية على هذا الصعيد تجعل المكونات الأقلوية خاسرة أمامها بلا شك، إن كان من ناحية الكثافة أم من ناحية التمويل، دعني أقول إن الإعلام الخارجي أتى تأثيره الكبير مع ضعف إمكانيات المواطنين الصحفيين الذين أفرزتهم الثورة، في ظل تخوّف بعض الصحفيين الحرفيين من جهة، واصطفاف البعض الآخر خلف النظام من جهة أخرى. عموماً كان التعاطي الإعلامي مع حراك مدينة السلمية دون الوسط، مع أن المدينة كانت هي الباحة الخلفية لحماه وحمص وفتحت بيوتها لضيوفها الهاربين من استهداف النظام ، كما كانت المدينة هي الشريان الأهم لمد القرى والمدن الثائرة المحيطة بها بمختلف أشكال الدعم الإغاثي، وربما تبقى السلمية من المدن القليلة التي حافظت على سلميّتها، وعززت مفهوم المقاومة المدنية ولم تنجر إلى المقاومة المسلحة.
*صمام الأمان
ـ ما هو واقع النشاط الثوري في المدينة الآن؟
يضيف (الجرف): "ما زالت مدينة السلمية هي اليد التي تجفف دمعة أخواتها الثكالى، والتي تقدم ما استطاعت من خبزها لأولادهم، من جهة أخرى، إن العمل الثوري في السلمية اليوم يهدف إلى منع حدوث انفجار طائفي في المدينة، والانجرار إلى المربع الذي يحاول النظام سحب كل سوريا إليه، كما هناك العمل الإغاثي واللوجستي ما زال مستمراً لدعم المحيط، وربما تكون مدينة السلمية هي صمام الأمان الأخير في سوريا".
مما لا شك فيه أن الطريقة التي تعاطى بها النظام العربي عبر وسائله الإعلامية وامبراطوريات صنع الرأي العام خاصته، تقاطعت وبامتياز مع الهدف الأول الذي سعى إليه النظام السوري حثيثاً منذ بداية الانتفاضة الشعبية التي قامت ضده وعمّت كافة المدن والقرى السورية، لإظهار هذا الحراك على نحو مختلف عن حقيقته، ولإضفاء صفة الإسلام السنّي المتطرف على طبيعته، ولحرفه عن خطه الوطني ومساره المدني الذي بدأت الثورة به، هذا لأنه ومن حيث المبدأ يدرك النظام العربي أن سقوط نظام دمشق إنما يشكل بوابة العبور والمفتاح الذهبي لتساقطهم نظاماً تلو الاّخر، كل الدلائل تشير إلى أنّ الأنظمة العربية سيما أصحاب القرار منها وبعد وقوفهم على حقيقة أن النظام السوري ساقط لا محالة بفعل إصرار السوريين على ذلك من جهة، وبسبب المنهجيّة السيّئة التي اعتمدها النظام السوري في إدارته لأزمته وأزمتهم من جهة أخرى، جعلهم يقفزون مرغمين نحو ضرورة استغلال ثورة السوريين وتوجيهها بما يخدم مصالحهم عبر مختلف أشكال النفوذ الذي يتمتعون به ومنه النفوذ الإعلامي، وبالتالي سرقة سوريا الوسطية المدنية من سارقها الأول محققين المقولة الشهيرة "السارق من السارق كالوارث عن أبيه".
عادل رشيد مشاركة لــ"زمان الوصل" - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية