أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معالم حمص ومشيداتها الأثرية: الساعات القديمة.. كانت تضبط إيقاع المدينة فتحولت إلى وقت من دم !

ساعات المدن ظاهرة سياحية مميزة لا تكاد تخلو منها مدينة في العالم ولا تقتصر وظيفة هذه الساعات على الناحية الجمالية أو تزيين الساحات، فالكثير منها يضبط حركة المدن و"يدوزن" إيقاعها اليومي، وكلنا يعرف ساعة (بيغ بن) الشهيرة التي تستيقظ مدينة لندن على صدى رناتها القوية، ويوقَّت الناس ساعاتهم على حركات عقاربها الضخمة وفي مدينة حمص السورية وقبل أن تتحول إلى وقت من دم انتشر العديد من الساعات البرجية وغير البرجية التي تضفي على الأمكنة جماليات مميزة وأبرز هذه الساعات (الساعة القديمة) التي تقع في ساحة الشهداء أول طريق حماة وأقامها الفرنسيون لدى احتلالهم لسورية عام 1923 إلا أن أهالي حمص اعتبروا هذه الساعة رمزاً للاستعمار، فلم يوفروا مناسبة لتوجيه حجارتهم لها إلا واستغلوها. وهذه الساعة الفرنسية المصنوعة من النحاس الخالص استمرت بالعمل حتى توقفت عقارب الوقت في المدينة وتحولت إلى جرس يدق في عالم النسيان، ورغم عمليات التطوير الكثيرة التي شهدتها الساحة ظلت ساعة حمص القديمة رمزاً تراثياً للمدينة وتحولت في وقت من الأوقات إلى شاهد على تنفيذ أحكام الإعدام بحق المجرمين في الساحة المحيطة بها. 

وبقيت حمص على تمرّدها على ساعتها الفرنسية حتى يوليو 1951 حين زارت المغتربة السورية "كرجية حداد" حمص ضمن وفد سوري برئاسة الوزير المفوض في البرازيل آنذاك الشاعر المعروف عمر أبو ريشة، وخلال تلك الزيارة تبرعت هذه المغتربة بمبلغ 30 ألف ليرة سورية لبلدية حمص لإقامة ساعة كبيرة في ساحة جمال عبد الناصر وسط المدينة ورفعت المبلغ فيما بعد إلى 60 ألفاً لاستكمال المشروع، وتم تشييد الساعة سنة 1958 على نفقة المغتربة الحمصية كرجية حداد وحملت اسمها إلى الآن، وقد تعطلت الساعة ذات مرة فكتب أحدهم في جريدة حمص المهجرية يدعو المسؤولين لإصلاحها فقرأ الخبر ورَثَة كرجية حداد في البرازيل وقاموا بإرسال مبلغ عشرة آلاف دولار للبلدية لإصلاحها معتبرين أنفسهم مسؤولين عن الساعة التي تحمل اسم مورثتهم التي كانت قد توفيت آنذاك وقد تعهد السيد جورج مكوبجي بعد العام 1964 بتجديد الساعة وتمويل أعمال صيانتها الدورية. 


مفتاح الجمع:
يتميز بناء ساعة كرجية حداد بأنه نموذج فريد ليس له مثيل في العالم فهو أقرب إلى شكل المئذنة ذات الطراز المربع ولون حجارتها الأبلقية (المزيج من السوداء والبيضاء) وكان أهل حمص يشبهونها بـ "مفتاح الجمع" وهو مفتاح كان شائعاً آنذاك يستخدم لفك وتركيب عزقات الدراجات العادية، و تأخذ الساعة من الأعلى شكل القبة المربعة ذات الأقواس الأربعة، وكل قوس منها هو عبارة عن باب وفي منتصف الأقواس توجد أقراص الساعة وعددها أربعة كلها تعمل بتوقيت واحد التوقيت العربي فقط، ويبلغ طول العقرب بحدود 100سم وهي مضاءة بمصابيح مخفية خلف الأرقام تشع باتجاه الداخل ويلاحظ أن بناء الساعة من الحجر الكلسي الأبيض والرخام الأسود، وقد تآكل الرخام الأسود مع مرور الأيام وحاول المعنيون آنذاك تلميع الرخام فلم يفلحوا، فاضطروا إلى دهن الرخام الأسود والإبقاء على الحجر الأبيض بشكله الطبيعي، والساعة الأم ساعة ميكانيكية من النموذج الفرنسي تعمل على التيار الكهربائي موصولة بمحرك ربط مصنع محلياً قام بابتكاره الساعاتي عبد الله كيشي ووظيفة هذا المحرك ربط الساعة أوتوماتيكياً في حال انقطاع التيار الكهربائي، وفي الساعة جرس مكون من ثلاثة نواقيس تعمل بواسطة مطرقة موصولة بمحرك كهربائي يعزف أنغاماً موسيقية تُسمع إلى مسافة ستة كيلومترات تقريباً وللساعة رقاص"ميقاتية" من الخشب مثبت في نهايته قرص معدني.

طرفة حمصية:
تحولت ساعة "كرجية حداد" خلال ما يقرب من نصف قرن من تاريخها إلى جزء من هوية المدينة ودخلت في نسيجها الاجتماعي، ومما يذكر في هذا السياق أن الساعة تعطلت لمدة عشر سنوات منذ عام 1978 حتى عام 1988 مما أفقد حمص إيقاعها المعتاد وكان هذا التوقف بسبب عدم توفر ميكانيكيين وخبراء يقومون على إصلاح الساعة، ولكن ميزة أهل حمص في ابتداع النكت والطرافة قادتهم إلى ابتداع طرفة حقيقية قد تكون لغرابتها غير قابلة للتصديق، وتقول هذه الطرفة الواقعية التي لا يزال يذكرها كل من عاصرها إن وفداً سياحياً جاء لزيارة حمص وكان برنامج هذا الوفد يقتضي أن يمر بجانب ساعة "كرجية حداد" وقد أعيت الحيلة المشرفين على الساعة وعجزوا عن إصلاحها قبل مجيء الوفد فجيء بساعاتي وأُجلس داخل الساعة وظل يحرك عقاربها كل دقيقة لمدة تتجاوز نصف اليوم حتى مر الوفد فابتهجوا بالساعة دون أن يدروا ما خُبىء بداخلها.

وهكذا استطاع أهل حمص بذكائهم الفطري وروح النكتة لديهم أن يتحايلوا على الوقت والمواقف المحرجة بأسلوب طريف لا يخطر على بال. 

وبعد ذهاب الوفد السياحي بقيت الساعة معطلة حتى جاء الساعاتي (عبد الله كيشي) وهو من عائلة اشتُهرت بتصليح الساعات منذ أكثر من قرن، فتولى إصلاح الساعة وصيانتها معتمداً على خبرته وإمكاناته الذاتية وقد أصلح كيشي الساعة مبتكراً آليات وقطعاً لها بجهوده الفردية ومنها كما يقول "استبدال الإضاءة النيونية النافرة بإضاءة داخلية جميلة، وإضافة جهاز جرس أوتوماتيكي مبرمج بحيث تدق الساعة كل ربع ونصف ساعة وعلى رأس كل ساعة مثل ساعة "بيغ بن" الشهيرة في لندن وحتى هذا اليوم يعتبر هذا الابتكار من الأسرار المهنية الغامضة بالنسبة للخبراء والعاملين في مجال الساعات وهكذا منذ عام 1988 لم تتوقف ساعة حمص الجديدة عن العمل.


ومازالت حمص تستفيق على صوت رناتها العذبة وهي شامخة توزع نظراتها من علٍ تذكِّر من يمر بها بكرجية حداد تلك المغتربة السورية الفاضلة التي حلمت بأن تضبط إيقاع مدينتها من غربتها البعيدة. 
ساعة الأربعين:
من ساعات حمص القديمة ساعة الأربعين التي أهداها المغترب السوري (سليم نسطة) لكاتدرائية حمص في مطلع عام 1922لترشد المارة وأهالي المحلات المجاورة برؤيتها وسماع صوتها عن بعد، وقد وصلت الساعة إلى بيروت في 12تشرين الثاني عام 1921 وأعلم المطران "أثناسيوس عطا الله" بالأمر فطلب بواسطة (الموسيولا بادي) مستشار لواء حمص في ذلك الحين من المراجع الرسمية إعفاء الساعة المذكورة من الجمرك كما يقول المؤرخ الخوري (عيسى أسعد)، وبعد أن وصلت الساعة إلى حمص حصلت منافسات بين البعض بسببها، فأدى ذلك إلى تأجيل بناء القبة لها وعقد المفوض عدة جلسات لهذا السبب وتقرر في 10 تموز 1922 إبراز الفكرة إلى حيز الوجود وأخذ سيادته على عاتقه أمر الإنفاق عليها، فتم بناؤها في السنة التي توفي فيها وكانت آخر ما شيده من الأبنية، وقد نقش على صفحة القبة المتجهة إلى الغرب تاريخ بنائها من نظم الأستاذ يوسف أفندي شاهين بالنص التالي: 
أثناسيوس مطراننا ذو الفضل من 
في القلب هذا الشعب بث الغيرة
للساعة الكبرى سعى ببناية 
ورجال حمص أبرزوا ذي الهمة 
فسليم نسطا ابتاعها من ماله 
لمحبة الوطن العزيز بها أتى 
1923

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(499)    هل أعجبتك المقالة (611)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي