تعتبر سوريا من أعرق حواضر العالم العربي والإسلامي التي لا تزال تزخر بالمباني والعمائر العربية والإسلامية من مختلف عصور الحضارات المتعاقبة.
ومن هذه العمائر الحمامات العامة التي تفنن الشاميون في جعلها آية فنية تتجسد في جنباتها روائع الفن الإسلامي الخلاق ويذكر أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عندما بنى مسجد دمشق الأموي توجه إلى أهل دمشق بقوله (تفخرون كل الناس بأربع خصال. تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحمّامّاتكم).
وحمص مثل غيرها من المدن الشامية امتازت بوفرة الحمامات فيها التي كان بعضها قائماً إلى ما قبل تهديم أسواق حمص القديمة التي تقع هذه الحمّامات ضمنها من قبل قوات النظام وتحويل بعضها إلى أكوام من الركام.

وقد شُّيد في حمص خلال العهود المملوكية والأيوبية والعثمانية عدد من الحمّامات وفق الطراز الكلاسيكي للحمامات الشرقية التي تتألف من البراني (المدخل) والوسطاني (القسم الأوسط) والجواني (القسم الداخلي) ومن يدخل أيا من تلك الحمامات التي هي قيد الاستخدام لابد أن يلاحظ تتالي الأقسام الثلاثة وتدرج الحرارة فيها من الباردة فالمعتدلة فالحارة ويروي أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) "إن غلاماً اسمه حنين كان في الكوفة يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه زار حمص -أواخر العصر الأموي - وقال يصف زيارته هذه: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئاً فسألت عن الفتيان، وأين يجتمعون فقيل لي عليك بالحمّامات فجئت إلى واحد منها فدخلته فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت (كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، طبعة كتاب التحرير، القاهرة، تهذيب ابن واصل الحموي ط1 1963) وقد عرفت مدينة حمص خلال العقود الماضية أكثر من 22 حمّاماً أهمها:
الحمّام الصغير:
يقع في سوق الصاغة ويرجع تاريخ بنائه إلى العهد الأيوبي وتزدان عمارته بالمقرنصات المروحية، وقد ظل يستخدم كحمّام حتى ما قبل فترة قصيرة وينخفض مستوى أرضه عن أرض الشارع بمقدار 3 أمتار ومازالت العناصر الإنشائية لهذا الحمّام في حالة جيدة.
حمّام العصياتي:
يقع في حي باب الدريب شارع العصياتي ويعتبر من أهم وأجمل الحمّامات الأثرية في حمص وقد شيد في العصر المملوكي، وجدد بناء مدخله عام 1225 هجرية كما تشير اللوحة الرخامية المثبتة فوق مدخله، ويتألف البراني فيه من قاعة واحدة حملت فيها أربعة أركان وهي مزدانة بالمقرنصات المروحية وهي (عنصر معماري زخرفي مميز للعمارة القائمة على المضلع و الدائرة).
كما تزدان قاعات الجواني في حمّام العصياتي بالمقرنصات الركنية وتضاء قاعاته بالقمريات الزجاجية. ولم يبق من الحمامات المستثمرة سوى الحمام العثماني وحمام الباشا.
الحمام العثماني:
شيد عام 1325 هجرية ويقع بجوار الأسواق التجارية الأثرية القديمة (سوق الصاغة – سوق المنسوجات – سوق البازرباشي) ويمتاز هذا الحمام بالذوق المعماري والوساعة والدقة في البناء والتناظر والغنى بالرخام المنزل والأقواس الحجرية وبعض التزيينات الجدارية، ويتألف الحمام العثماني من فسحة واسعة اصطفت من حولها المصاطب، وتوسطتها بحيرة جميلة رخامية الجنبات يغدق منها الماء المتناوب..

وقد أُطّرت المصاطب بدرابزين خشبية ثبتت على جدران المصاطب وإلى جانب باب الحمام والمدخل الرئيسي من اليمين توضعت طاولة المعلم لاستقبال الزبائن ووضع الأمانات والودائع عنده وقد توقف هذا الحمام عقوداً طويلة عن العمل حتى تم ترميمه وإصلاحه وتجهيزه بغرف خاصة للمساج والساونا والبخار منذ سنوات تحت إشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف.
وهناك حمام السراج الذي تعرّض في الشهر السادس من العام 2013 الماضي إلى القصف بالطيران الحربي مما أدى إلى ضرر كبيرفي واجهته الرئيسية وفي قبابه.
تقاليد الحمّامات الشعبية في حمص:
كان حمام السوق ضرورة اجتماعية لكل الناس حيث لم تكن هناك حمّامات بيتية وكان البعض يتخذ من الحمام مكاناً أثيراً لسهرات دافئة خاصة في ليالي الشتاء حيث يرقصون ويغنون متخذين من أدوات الحمّام مثل (الطشت) أو (الجناطس) آلات موسيقية ومن الأهازيج والأغاني التي كان رواد الحمام يرددونها:
يا رايحة على الحمّام خديني معاك
لحمل لك البقجة وأمشي وراك
وإن كان أبوكي ما عطاني ياكي
لعمل عمايل ما عملها عنتر
وإذا كان ارتياد الرجال لحمام السوق يتسم بالعفوية وعدم الإعداد المسبق فالأمر مختلف لدى النساء، فقد كانت المرأة ترتاد حمام مصطحبة بناتها وأطفالها وزوجات أبنائها (الكنائن) أو قريباتها وجاراتها، ولا تنسى المرأة الذاهبة إلى الحمام أن تحضر معها أدوات الحمام حيث تتأبط (الطشت) أو(الجنطاس) واضعة فيه الترابة الحلبية والمشط والحناء والليفة والصابون وكيس التفريك كما تجلب معها المناشف والمآزر ومنها ما يسمى (منشفة صوان) و(منشفة قصب) و(منشفة خابية) وغيرها.

وكانت الحمامات أيام زمان تعمل منذ المساء وحتى ظهيرة اليوم التالي للرجال ومن فترة الظهيرة إلى العشاء للنساء وكانت تتولى إدارة الحمام بالنسبة للنساء إمرأة تدعى المعلمة تساعدها (الأيمة): وهي التي تغسل النساء و(الناطورة) التي تجلب المناشف وتخدم المستحمات وتنظف الحمام بعد خروجهن وكان الدخول إلى الحمام يتم لقاء أجر يقال له (وفا الحمام).
أما الرجال فكانوا يغتسلون خلال ساعة أوساعتين، فيما النساء لا يخرجن من الحمام إلا بانتهاء الفترة المخصصة لهن وهي تمتد حوالي ثمانية ساعات تفصلها فترة تسمى (السدة) حيث تسد صنابير المياه.
وتكون هذه الفترة مخصصة للاستراحة والغداء الذي غالباً ما يكون (مجدرة مع المخللات أو الزيت والزعتر والكبة حيلة) وكانت تعرف برصاص المغاربة تندراً بثقلها على المعدة وعسر هضمها، يضاف إلى ذلك الفواكه والمآكل الموسمية كالبطيخ والبرتقال والخس وغيرها. وكثيراً ما كان يحضر الرجال إلى الحمام والنساء مازلن يغتسلن الأمر الذي تضطر فيه (المعلمة) إلى الإسراع بإخراجهن، ومن العادات التي كانت تتم في الحمام أيام زمان أن المرأة إذا أرادت أن تخطب لابنها تذهب إلى الحمام لتشاهد الصبايا وهن عاريات لكي تختار منهن الممشوقة القوام والخالية من العيوب.
وكانت النساء يصطحبن أولادهن الصغار إلى الحمام ومن طرائف ذلك أن إحداهن قد تصطحب ولداً كبيراً الأمر الذي يثير غضب الأخريات في الحمام، فيطلبن من أمه إخراجه بالمعروف قائلات لها (خزات العين ليش ما جبتي أبوه كمان) فإذا لم تخرجه بالمعروف أقدمن على ضربه بالجناطيس (والجنطاس هو الوعاء الذي يستخدم في الحمام لصب الماء).
ومن المناسبات التي كانت تقام في الحمام تلبيسة العريس التي كانت تقام باحتفالية خاصة حيث يأتي أقارب العريس وأصدقاؤه الخلص ومعهم العريس في الوقت المخصص للرجال ليلاً فيغتسلون بين المزاح والتعليق والمداعبة ويمضون سهرتهم على هذا الشكل مرددين الأغاني الشعبية والأهازيج.
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية