قلائل هم من يعرفون أن في مدينة حمص سداً يُعتبر من أقدم سدود العالم القديم التي مازالت قائمة حتى اليوم، وهو سد قطينة الذي يقع بالقرب من أنقاض تل قادش الذي شهد أشهر معركة في التاريخ القديم بين الفراعنة والحثيين.
وتذكر كتب التاريخ أن الإسكندر المقدوني بعد عودته من احتلال مصر عام 321 ق.م ولدى مروره بسوريا متبعاً الطريق الداخلي ما بين دمشق وحمص، شاهد عن كثب مواقع الصراع التي وقعت في قادش وأمر بترميم السد تكريماً لهذه المعركة التاريخية، وهذه الإشارة تؤكد أن بناء السد أقدم من ذلك بكثير، وربما يعود إلى الحثيين حيث كانت قادش وأميسا (حمص) و(قطنة) من حواضر المنطقة الرئيسية، وقد اُقيم السد في منطقة منخفضة يمر بها نهر العاصي القادم من منطقة الهرمل في جبال لبنان الشرقية متجهاً منها نحو حمص ليكمل مشوراه شمالاً باتجاه إنطاكية حيث ينحدر بعدها باتجاه البحر المتوسط.

ومنطقة حوض العاصي خصبة وقديمة جداً شهدت مظاهر سكنية منذ القدم، لذلك فمن المحتمل أن الإنسان قد بدأ منذ القدم يضع العوائق أمام السد ليرفع منسوب المياه ويستطيع إرواء ضفاف هذا النهر، وبما أن السدود من أخطر الأبنية الإنسانية لأنها تحتاج إلى ترميم مستمر ودائم، فمن هنا نجد بصمات كل العصور وكل الحضارات المتعاقبة في أبنية السدود وخاصة تلك التي استمرت حتى اليوم، وسد قطينة يعتبر من أندر الأمثلة الباقية في المنطقة على السدود القديمة من حيث البراعة الهندسية التي نُفذ بها، ومن حيث ضخامته حيث يبلغ طوله 85 متراً وارتفاعه 5 أمتار وعرضه نحو 11، 76 متراً، وعندما بُني السد الحديث أيام الاحتلال الفرنسي تُرك السد القديم خلفه قائماً بكامله، ووُجد في السد مجريان، مجرى كبير ينظم مرور نهر العاصي ومجرى صغير ينظم قناة ري تعتبر من أقدم أقنية الري الصناعية في العالم وتروي حوضاً زراعياً صغيراً يمتد لأكثر من عشرة كيلو مترات، وهكذا قام السد بمهمته قروناً طويلة ينظم مياه الري ويمسكها لئلا تغوض في الأرض وينشر من حوله الخير الذي عمَّ المنطقة فكثرت فيها الأشجار والثمار وامتدت على أطراف العاصي الحقول فكستها حلة خضراء.

ويذكر المؤرخ أبو الفداء في كتابه (المختصر في أخبار البشر-دار الفكر، بيروت 1956) أن (بحيرة قطينة منشأة اصطناعية وينُسب بناء السد إلى الاسكندر) وهو احتمال منطقي خصوصاً أن فترة حكم الاسكندر في الشرق وفي سوريا ومصر على وجه التحديد كانت فترة تأسيس وتجديد للعديد من المدن، وكان له الفضل في وضع وترسيخ العديد من القواعد الهندسية المعمارية، كما استعان بالعديد من المهندسين والفنيين من أهل البلاد الذين أسهموا في تنشيط حركة البناء وتجديدها، و"عند جغرافيي التلمود تُنسب البحيرة إلى القيصر ديوقليسان 284- 305 م الذي أمر بتوحيد مجاري عدة أنهر مع بعضها نجمت عنها هذه البحيرة، ولا يذكر المصدر أسماء هذه المجاري ويجب أن يكون قد حصل ذلك عندما قام القيصر بمحاربة الساسانيين ما بين (290 –292 م) لطردهم من سوريا التي هاجموها في ذلك الوقت، أما العالم فولور فقد أثبت من خلال دراسته لمجرى النهر أننا أمام مستنقع طبيعي وليس أمام بحيرة اصطناعية، وأيده في هذا الرأي أيضاً المؤرخ الفرنسي (سريغ) الذي قال إن الوظيفة الأساسية للسد هي رفع مستوى البحيرة المستنقعية، وينسب هذا المؤرخ السد إلى زمن كانت حمص تتمتع فيه بالغنى والقوة في ظل الإمبراطورية الرومانية إلا أنه لا يحدد الوقت الذي قصده كما جاء في دراسة بعنوان (مدينة حمص في العصر الروماني للباحث عبد الحميد عز الدين، مجلة دراسات تاريخي).

أما جغرافيو العصر القديم من أمثال (سترابون) و (بيلوس الأكبر) فلا يذكرون شيئاً عن ذلك ومن الصعب إيجاد دليل على زمن بناء السد واستناداً إلى البيانات التي يقدمها الجغرافي الشهير استرابون عن منابع نهر العاصي يمثل (رودسو) الرأي القائل بأن سد البحيرة يرجع إلى زمن بعيد جداً، وورد ذكر سد قطينة في مؤلفات الرحالة الأميركي (روبنسن) الذي زاره عام 1856 وقال فيه "لا تزال كتل الأحجار المنحوتة ببراعة منطبقة بإحكام، ولا يزال الملاط الذي يغطي المنحنيات كما هو وكأنه لم تمر فترة طويلة عليه، ولا يسع المرء إلا أن يعجب دون تحفظ إزاء اكتمال هذا العمل الجدير بنسبته إلى مهندس معاصر، وسد قطينة منفذ بطريقة معمارية لافتة للانتباه، فالمداميك فيه تتقدم وتتأخر بشكل سفينة في بعض الأحيان، وهذا الفن المعماري شبيه إلى حد كبير ببناء سور الصين العظيم، وثمة شبيه له في القصر الإمبراطوري في عاصمة اليابان القديمة "كيوتو"، ولكن البناء هناك يمتد نحوالأمام ليتراجع نحو الخلف، أما في سد قطينة فالأمر مختلف ويكاد يكون التقاء الشلال مع المداميك الجانبية تم بطريقة توحي ليس فقط بالأناقة البصرية ولكن بالحلول الهندسية التي لها دلالة في ما يتعلق بالانغماد والارتكاز، وإلا لما بقي السد طوال هذه السنين. وبعد مضي زهاء 2500 عام من تاريخ إنشائه لا يزال هذا السد الذي زامن إنشاء سد مأرب إحدى عجائب العالم القديم في الهندسة المعمارية وهو يقف شامخاً يصارع الزمن ويروي للأجيال قصة حضارة شعب على مر العصور.
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية