أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

العاصي المشاكس صبّ مياهه في التيبر !

إذا كان نهر العاصي اليوم هو شريان الحياة بالنسبة لمدينة حمص السورية، فإنه لم يكن بأقل أهمية في العصور القديمة، فعلى ضفافه كان "الحمصيون" يقيمون طقوسهم الدينية ويحتفلون بعيد "مايموماس" ومن هنا أُطلق على جزء من النهر اسم "الميماس" ومازال المكان الذي شهد ليالي أنس الشاعر المعروف "ديك الجن الحمصي" يُعرف إلى الآن بهذا الاسم.

وحول ذلك يقول المؤرخ الفرنسي "رينيه دوسو": كان الحمصيون في الزمن القديم يمارسون طقوسهم الدينية يومياً على ضفاف النهر، وعلى غرار عبادة الحجر جاءت عبادتهم للماء الذي كان مقدساً عند الحمصيين ويظهر أحد الصكوك المعدنية من عهد "القيصر انطونيوس بيوس" 138 –161 صورة امرأة هي على الغالب (إلهة المصير) لمدينة حمص ونهر العاصي يجري تحت قدميها، وهذا يشير بوضوح إلى الصفة المقدسة للنهر وإلى عبادة الحمصيين له كرمز للخصب (كتاب طبوغرافية سورية القديمة والحديثة المجلد الرابع، تأليف رينيه دوسو، باريس 1927).


مرسيا القتيل:
و" لفظ العاصي أو الاسم الذي اُطلق على هذا النهر . نُسجت حوله الأساطير منذ أيام اليونان والآشوريين. وتقول إحداها إن "أبولون" إله اليونان اختصم و"مرسيا" الذي تحدى "أبولون" بإتقانه النفخ في الشبابة وكبر على "أبولون" أن يفوقه "مرسيا" في الغناء، فتقدم منه وسلخ جلده على ضفة النهر فسُمي يومئذٍ باسم "مرسيا القتيل" وسُمي العاصي أيضاً "أورانتو" في حوليات الملوك الآشوريين من القرن التاسع قبل الميلاد وذلك في تأريخ آشور ناصر بال الثاني للحملة التي وصل فيها حتى البحر الأبيض المتوسط، إذ كتب قائلاً: "عبرت نهر أورانتو وأمضيت الليل عند ضفته "أما ابنه وخليفته" شلمناصر الثالث"، فقد كتب عندما جرّد حملته للقضاء على تحالف الملوك الآراميين في سوريا فقال "انطلقت من جبل أمانوس وعبرت أورانتو"، وبعد التغلب على ملك دمشق –يضيف: "دفعت فلول فرقة في نهر أورانتو وقد تفرقوا في كل اتجاه طلباً للنجاة بأرواحهم"، ويعتقد المؤرخ فريدريك ديليتس أن اسم أورانتو هو آري وذكر العاصي الشاعر الروماني جوفنال – توفي عام 104 م، فقال "إن نهر العاصي يصب مياهه في نهر التيبر "مشيراً بذلك إلى ما قدمه أهالي حمص من خدمات جليلة للإمبراطورية الرومانية في مجالات الحياة المختلفة خاصة في عهد الأباطرة السيفيريين الذين كانت أمهاتهم حمصيات", وعُرف نهر العاصي قديماً باسم "نهر التيفون" لشدة جريانه كما يقول استرابون وثمة أسطورة ترجع الاسم إلى التنين الأسطوري "تيفون" الذي ضربته صاعقة هائلة. وحاول الهرب من النار المنتقمة فحفر مجرى متعرجاً وهبط تحت الأرض. وكان أن تسبب في انبثاق نبع ماء أصبح نهراً أُطلق عليه التيفون ويقول ياقوت الحموي في القرن الثالث عشر: "وظل العوام يعتقدون لفترة طويلة من الزمن بعد ذلك أن الهزات التي غالباً ما كانت تصيب تلك المنطقة، إنما كانت ناشئة عن تشنجات التنين المهزوم والذي اُسيء دفنه، ويذهب "جان يانوسكي وجون دافيد إلى القول إن العرب سموه العاصي بمعنى التمرد ويضيفان: نعم النهر المتمرد ولكن على الجهل والكسل. فنهر الراين في فرنسا متمرد أيضاً، ولكننا عرفنا كيف نروضه ونجعله نهراً صالحاً للملاحة. أما نهر العاصي فكان عصياً على الترويض دائماً مشهوراً بعنف مجراه وغزارة مياهه وأسماكه المقدسة بعكس حالته الحزينة الحاضرة التي تذكرنا بحالة بردى. ولكن ما قصة التمرد والمشاكسة التي أعطت للنهر فرادته الطبيعية وتميزه عبر التاريخ. 


يقول ياقوت الحموي "وقيل إنما سُمي بالعاصي لأن أكثر الأنهار تتجه جنوباً وهو يأخذ جهة الشمال" وكانوا يسمونه للسبب ذاته النهر المقلوب (كتاب تاريخ حمص، الخوري عيسى أسعد الجزء الأول، إصدار المنشورات الجامعة. طرابلس، ط 1 / 1983).

فيما يعلل أبو الفداء تسميته بالعاصي بأن معظم الأنهار لا تحتاج إلى سقاية الأراضي منها لدواليب، بينما لا يرضى العاصي بتقديم مائه، فالمرء مضطر لأن يأخذه اقتداراً رغماً عنه بواسطة النواعير (المختصر في أخبار البشر، تأليف أبو الفداء، دار الفكر، بيروت 1956). وهذا الشيخ عبد الغني النابلسي وهو من رجال القرن الثاني عشر الهجري يقول: 
"عصى فلم يسق أرضاً من حدائقهم إلا بحيلة وسواس النواعير"
كما جاء في كتاب (الحقيقة والمجاز في رحلة الشام ومصر والحجاز، تأليف عبد الغني النابلسي) وفي روايات أخرى أن النهر ربما حمل في عهد الفرنجة اسم "الحديد"، وهو ما نجده في أكثر من موضع عند "غليوم الصوري"، ويقول فيه شاعر حمص ميخائيل بطرس:
"أمن السما العليا هبطت إلى الثرى............. أم من هضاب الدير ماؤك قد جرى" 
ويقول:
"فوق سهل من الزمرد تجري............. بلجين من مائك الثرثار 
تثلم الشمس ثغرك المتلالي.............. لثمات الغرام طول النهار" 


طواحين العاصي:
أول ما يواجه نهر العاصي لدى دخوله مدينة حمص قادماً من منابعه في بعلبك –الهرمل تل أثري هو النبي مند الذي يُعتقد أنه يضم أنقاض مملكة قادش القديمة التي شهدت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد المعركة الشهيرة بين المصريين والحثيين. وهي المعركة التي نقرأ وصفاً لها على جدران الأقصر في مصر. يمضي النهر بالقرب من أطلال هذه المملكة البائدة وهو يضحك لاهياً. إنه يدرك خلوده أمام ما هو عابر في الزمان والمكان، وإلى الشمال على مسافة قريبة من قادش يلتقي نهر العاصي ببحيرة قطينة التي يسميها الجغرافيون والمؤرخون "بحيرة قادش"، وهي بحيرة اصطناعية يعود تاريخها إلى الألف الثانية قبل الميلاد وبعد أن يدخل العاصي هذه البحيرة بقوة يخرج منها بعناد غريب، ويتابع طريقه شمالاً بعد تغلبه على عقبة البحيرة ويجري على منبسط بازلتي محاذياً مدينة حمص دون أن يعبر فيها، ثم يصل إلى الميماس وهو مكان للراحة والاستجمام وهو مشهور بجمال طبيعته وشجره وظلاله ويتذكر الشاعر الراحل محيي "الدين الدرويش ليالي الأنس على ضفاف العاصي فيقول:
ويا مربع الميماس أنت كعهدنا رفيف الحواشي ضاحك الوجه داخل 
تخايل فيك الحُسن معنى ومنظراً وتاهت على الأكوان منك خمائل" 
ويتغلغل العاصي بعد ذلك في وديان تنتهي به إلى مدينة الرستن حيث أُقيم عليه سد كبير دُعي بسد الرستن، ثم يتوجه بعده نحو الشمال الشرقي باتجاه المناطق الصحراوية التي كان يمكن أن يضيع فيه ولكن السلسلة الجبلية المسماة جبل العلا تقوم في طريقه لتقذف به نحو الغرب بحيث يأخذ طريقه حتى حماة. وخلال هذه المسيرة الطويلة تدير مياه نهر العاصي العديد من الطواحين الحجرية التي استفاد أبناء العاصي من طاقة المياه الحركية في تدويرها لطحن الحبوب دقيقاً والقمح المسلوق المجفف برغلاً، ويقارب عدد هذه الطواحين الثلاثين موزعة على مجراه ما بين دخوله أراضي المدينة وخروجه منها، وقد توقف اليوم القسم الأكبر من هذه الطواحين عن العمل فيما تهدم الباقي ومن هذه الطواحين "أم الرغيف"و"القصير"و"السخر" و"تل النبي مند" و"السدة" و"الجديدة" و"الميماس الكبيرة" و "السبعة الحصوية" و "العاشق".

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(419)    هل أعجبتك المقالة (382)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي