أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مجمع الباشا مصطفى الحسيني.. معلم أثري يعكس فنون العمارة الإسلامية

امتازت عمارة مدينة حمص السورية عبر العصور بالتقشف والتناسق والابتعاد ما أمكن عن الزخرف والعظمة والبذخ المادي الذي نجده في الكثير من مشيدات المدن الإسلامية في بلاد الشام، وكان التطور العمراني لهذه المدينة نتيجة طبيعية للتطور الفطري الذي فرضته احتياجات الناس والبيئة المحيطة وحصيلة حية للتفاعل بين الإنسان والمحيط. الإنسان بقيمه الأخلاقية وتطلعاته، والمحيط بمناخه ومواده، وكانت مدينة حمص القديمة التقليدية إطاراً جامعاً يحتوي كافة الانفعالات والمزايا الإنسانية والحياتية المثلى للسكان.

ومن أجمل النماذج التي وصلتنا للبيوت الحمصية التقليدية البناء الحجري الأبلق، وهو بناء رُصفت جدرانه بالأحجار المكعبة فوق بعضها البعض، أو من الأحجار الصغيرة التي تظهر للخارج بشكل مربعات بينما تكون في الداخل على شكل رؤوس توضع بينها قطع من الأحجار، ويُوضع بين الشقوق الطين والحجارة الصغيرة، ويتراوح عرض الجدار فيها بين 150 –200 سم. أما السقف فهو عبارة عن أحجار معقودة إلى بعضها البعض تدعمه ركائز حجرية تغور في الأرض ويُطلق على هذا النوع من البناء اسم (العقد)، وهو أمتن بناء عُرف في بلاد الشام، وتُبنى على هذه الصورة بعض القصور الفخمة والمخازن والخانات، ولهذا البناء ميزة أخرى بالإضافة إلى المتانة وهي حفظ حرارة الوسط الداخلي ومنعها من التأثر بحرارة الوسط الخارجي، ويتألف هذا النوع من الأبنية من عدة غرف متقابلة تحيط بصحن الدار الواسع، كما يحتوي على بعض الغرف الكبيرة التي يُطلق عليها اسم (القاعة) تُقام فيها الأفراح وتسكن هذا البيت عادة عدة عائلات تنتسب إلى جد واحد، وكل غرفة تحتلها عائلة، ويتوسط صحن الدار بحيرة مثمنة غالباً تتدفق منا المياه العذبة، وفي إحدى الزوايا يقوم مطبخ مشترك للعائلات. ومن أشهر البيوت الأثرية التي تعكس هذه السمات المعمارية مجمع الباشا مصطفى الحسيني الذي يضم مسجداً وقصراً أثرياً يضم الأقسام التقليدية للقصور العثمانية كالحرملك والسلاملك، إضافة إلى مقهى شعبي ومربض للخيل وجميع هذه الأقسام غير مرممة، ما عدا المسجد الذي يقع في الجهة الجنوبية من السيباط، ويتكون من صحن واسع مرصوف بالبلاط البازلتي ويقع رواق القبلة في الجهة الجنوبية وهو مكون من باكيتين مسقوفتين بأقبية متقاطعة تتقدمه مصطبة يبلغ ارتفاعها حوالي متر تقريباً، أما في الجهة الغربية فتوجد بعض الغرف المتهدمة، أما في الجهة الشرقية فيوجد جدار يفصل المسجد عن البيت المجاور، حيث تطل بعض واجهات غرفه العلوية على صحن الجامع، ويوجد في صحن المسجد وخصوصاً في الزاوية الجنوبية الشرقية وأمام رواق القبلة بعض قبور آل الحسيني ذات الهياكل الرخامية أو مزيج من الحجر البازلتي والرخام وأحد هذه القبور للباشا مصطفى الحسيني صاحب القصر ولهذا المسجد مئذنة مربعة الشكل تقع في الزاوية الجنوبية الغربية يُصعد إليها بواسطة درج حجري لولبي يُعتبر نموذجاً معمارياً فريداً ومما يلفت النظر واجهات الجامع المبنية من الحجر البازلتي بتناظراتها المعمارية وتزييناتها البسيطة والبديعة في آن معاً، وعلى الواجهة الشمالية للجامع لوحة تأسيسية تؤرخ لهذا البناء في عام 1304 وقد أرّخ الشاعر الحمصي محمد خالد الفصيح تاريخ البناء شعراً بطريقة شعر الجمل فقال:
صاحت بلابلها أهلاً بزائرها أرخ بالهنا قد تمت الدار 
35 89 104 840 296 = 1304هـ = 1886 م 



ومن باحة الجامع الخارجية يمكن رؤية جانب من قلعة حمص التاريخية التي تُعد أول مركز استيطان بشري في المدينة ويُنسب هذه المجمع إلى أحد باشوات حمص الثلاث وهو مصطفى بن حسين بن إبراهيم الحسيني التركماني الذي ولد في مدينة حمص سنة 1243 هـ 1827 م وبعد أن تلقى علومه تدرج في وظائف الدولة، ونال رتبة الباشوية مع كل من مظهر رسلان وعبد الحميد الدروبي من السلطان عبد الحميد سنة 1893 م تقديراً لنشاطه في خدمة بلده.

وذكر عبد الهادي الوفائي بأن مصطفى حسين الحسيني التركماني كان شيخ مكتب في جامع الجماسة وعندما حضر هولو باشا إلى حمص عينه رئيس ديوان حمص ثم استلم رئاسة ديوان المتصرفية ثم أصبح رئيساً لأملاك الدولة وتملك أراضي شاسعة في أنحاء المدينة وخارجها وضم جامع الجماسة إلى قصره وأنشأ سيباطاً ومضافة له وعدة دور سكن له ولسائس الخيل وعربته الخاصة به، وفي منتصف الستينات من القرن الماضي شمل أحفاده قانون الإصلاح الزراعي وهذا يدل على كثرة الملكية الزراعية التي ورثوها من جدهم. توفي مصطفى الحسيني في مدينة حمص في 22 شعبان 1903 ودُفن في المسجد الذي بناه ويحمل اسمه حتى الآن –كما جاء "مخطوط " التاريخ الحمصي –تاريخ حمص وأحداثها- تأليف عبد الهادي الوفائي وهو محفوظ لدى الدكتور عبد الإله النبهان. 

مدينة مصغرة
يقع مجمع مصطفى باشا الحسيني الذي يعكس فنون المعارة الإسلامية بمختلف عناصرها وتجلياتها في حي "باب التركمان" بالقرب من قلعة حمص الذي يُقال إن السلطان العثماني سليم الثاني قام ببنائه ووضع فيه جالية تركمانية كعادته في الكثير من البلدان التي فتحها، ويعود تاريخ تشييد هذا القصر إلى أكثر من قرنين من الزمن، وإن كان المسجد الملحق بالقصر يعود إلى حوالي خمسمائة عام إذ كان المسجد قائماً في البداية وعندما أراد الباشا مصطفى الحسيني الذي يُنسب القصر إليه –أن يبني قصره أعاد بناء هذا المسجد والأقسام الملحقة بالقصر، وقد أجريت للمسجد مؤخراً عمليات ترميم شملت بعض العناصر المعمارية والكسوة وبعض التوظيفات المعمارية ومن المقرر استكمال أعمال الترميم لتشمل الأقسام الأخرى التي لا يزال يشغلها بعض الحرفيين، وتم الانتهاء من ترميم القاعات التي كانت تُستخدم أيام الباشا مصطفى الحسيني كتكية للفقراء والدراويش، كما هي التكية السليمانية في دمشق علماً أن هذه القاعات ستوظف كمكتبة خاصة بالقراءات العشر والسبع وربما تكون معهداً لتحفيظ القرآن الكريم وتفسيره. 



حجارة أبلقية
تمتاز واجهات القصر بغناها المعماري حيث تتناوب الحجارة البيضاء والسوداء 
(الأبلقية) في القسم السفلي من الواجهات بينما تتوالى زخارف نباتية وهندسية في الجهة العلوية قوامها مربعات مكررة من الحجارة مع زهرات رخامية فوق أرضية بازلتية سوداء وتوجد على الواجهة الشمالية لوحة تأسيسية تؤرخ هذا المبنى في عام 1304 هـ 
يتم الدخول إلى المجمع عن طريق موزع يتفرع عن السيباط الذي يؤدي إلى السكن في الطابق الأرضي، وأول ما يواجه الزائر داخل القصر باحة داخلية بديعة مرصوفة بالبلاط البازلتي والرخام المتناوب، وهي مزينة ببحرة داخلية تؤمن الرطوبة المحببة في الصيف، وتنفتح كافة الغرف على هذه الباحة، وللقصر رواق مغطى ومحمول على ثلاثة أعمدة رخامية رشيقة، وفي الحقيقة فإن هذا القصر يتألف من ثلاثة منازل منزلان واقعان في الجهة الشرقية من السيباط وهما يجاوران المنزل الأول من الجهة الجنوبية والجهة الشمالية ويتألف البيت الجنوبي من باحة واسعة مربعة الشكل تقريباً تحيط بها الغرف من جهاتها الأربعة، وقد هُدمت الواجهة الشرقية وأُعيد بناؤها حديثاً، أما الجهة الشمالية فتتألف من غرفتين واسعتين واجهتما مبنية بالحجارة البازلتية والحجارة الكلسية، أما الواجهة الغربية فتتألف من غرفتين ويشبه أسلوب بنائهما أسلوب بناء الواجهة الرئيسية ما عدا الأقسام العلوية منها، إذ تزينها مربعات متكررة من الحجر البازلتي والحجر الكلسي فضلاً عن زهرة كبيرة من الرخام، أما الواجهة الجنوبية فتتألف من طابقين، وقد اُحدث أمام الطابق العلوي شرفة حديثة يُصعد إليها بسلم حديث من الجهة الغربية، ويمتاز القسم العلوي من الواجهة بغنى زخارفه المعمارية، وقد بُنيت واجهات هذا القسم وخصوصاً الطابق العلوي بالحجارة البازلتية المتناوبة (-الأبلقية-كما تسمى في حمص) مع الحجارة الكلسية حتى نهاية الشبابيك، ثم بُنيت بالحجارة البازلتية التي يتخللها نوافذ علوية مستطيلة الشكل ذات إطارات محورة عن الواقع.

أقواس محمولة
يتألف البيت الشمالي من القصر من باحة واسعة تحيط بها الغرف من جميع الجهات، يتقدم الجهة الشرقية منها رواق ذا أربعة أقواس مدببة، الأوسطان منهما مفصصان وهذه الأقواس محمولة على ثلاثة أعمدة رخامية ممشوقة القوام، ومن ملحقات قصر الحسيني قسم للحيوانات كان يتسع لخيل الباشا وجنوده إذ إنه كان مسؤولاً عن القسم الجنوبي من البلد، ويحتوي هذا القسم أيضاً على بئر ماء لتزويد الخيل بالماء، كما اُلحق بالقصر مقهى الباشا مصطفى الحسيني ليكون مكان تسلية وراحة له، ومما يلفت النظر في هذا القصر هو توفر الماء اللازم للشرب بغزارة وقد كانت المياه تصل إليه بواسطة عنفات مركبة على جب عميق وتُدار هذه العنفات بواسطة "الجواميس" ومن هنا سُمي جامع الباشا مصطفى الحسيني بـجامع ( لجماسي) أيضاً نسبة إلى استخدام هذه الحيوانات في تأمين المياه للمجمع وتصعد المياه إلى بركة كبيرة أعلى القاعات التي كانت بمثابة تكية للفقراء والمساكين ويتم تحويلها بواسطة أنابيب معدنية إلى مرافق الجامع، ويحتوي المجمع أيضاً على ثلاثة آبار أخرى، إحداها يؤمن الماء للطابق العلوي والثاني يسمى (الساطورة) وهي لفظة تعني في حمص النهر الجاري على عكس البئر النقطي وهي بئر واسعة لها عدة جيوب، ولذلك كان هذا المسجد يسمى أيضاً باسم (الساطورة).

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(219)    هل أعجبتك المقالة (270)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي