رافق شيوع التصوف في العصور الإسلامية ظاهرة بناء مؤسسات ودور للصوفية، وقد اتخذت هذه المؤسسات والدور أسماء متعددة من خانقاوات وزوايا ورباطات وتكايا ومصاطب وغيرها، وقد اتخذ الصوفيون هذه المراكز أماكن للعبادة وإقامة الطقوس الدينية والحضرات والموالد، وكانت الخوانق والزوايا في أحيان كثيرة تأخذ صورة المعهد العلمي الذي يقوم فيه الصوفية بجانب قيامهم بوظيفتهم الأساسية وهي التصوف وما يتبعها من أمور متعلقة بها من الأذكار وغير ذلك بتحصيل العلم وحضور الدروس التي بيَّنها لهم الواقف على الخانقاه، و"أصبحت المراكز الصوفية تؤدي خدمات اجتماعية ودينية وثقافية كالوعظ والإقراء والتحديث والإفتاء وفتح الإجازات العلمية وتصنيف الكتب".
ولما كان لابد من وجود مكان يجتمع فيه المتصوفة برئاسة شيخهم لذلك نشأت منذ العصر المملوكي ظاهرة الخانقاوات والرباطات والزوايا، وكان لكل واحدة من هذه التسميات مفهوم خاص، فالخانقاوات كلمة فارسية معناها "بيت العبادة" استعملها العرب مؤنثة وهي نوع من المعاهد العلمية تُخصص للصوفية والعلماء المغتربين وقد اندثر هذا الاسم بمرور الزمن واستُبدل به اسم "التكية" والتكايا أماكن لإقامة الدراويش وكانت التكية تضم مسجداً ومدرسة وغرفاً عديدة لإقامة الطلاب وأرباب الشعائر الدينية والمتصوفين، ولا يزال في مدينة حمص أثر لهذا العهد فاسم خانقاه يُطلق على عائلة في حمص لا تزال موجودة باسم "خانكان" وهي محرفة عن "خانقاه" كما تشير إلى ذلك وقفية الحاج عبد اللطيف الشهير بابن الخانقاه المؤرخة في غرة ربيع الأول 1187 هـ الموافقة للرابع والعشرين من أيار 1773.
والرباطات: وهي دور أُعدت لإقامة الصوفية وخُصص بعضها للنساء المنقطعات المهجورات أو المطلقات أو العجائز الأرامل من المتعبدات.
والزوايا: كانت تُعد من قديم الزمان لإقامة بعض الصالحين للتعبد بين جدرانها، ولم تكن تُقام فيها صلاة الجمعة أول الأمر ثم تغير الحال وأُقيمت الجمعة في أكثرها، والزوايا كانت في عصري الأيوبيين والمماليك صغيرة الحجم قليلة الشأن يقيم فيها نفر ضئيل من العباد قد يبلغ العشرة وقد تكون مكاناً يتعبد فيه رجل واحد كما يتضح من كلام المقريزي أثناء كلامه عن بيبرس لأنه بنى للشيخ خضر زاوية في جبل المزة وأخرى بظاهر بعلبك وثالثة بحماة ورابعة بحمص تقع في حي الفاخورة وتدعى الخضر الجواني نسبة إلى أستاذ الملك الظاهر بيبرس وفيها قبره وخامسة خارج القاهرة.
أما الدركاه فهي تضم الزاوية وغرفاً لإقامة المريدين والغرباء كما تتضمن أيضاً كل ما يُحتاج إليه في تأمين حياة العابدين بها من مطعم ومطبخ ومنافع ودار لإقامة شيخ الطريقة.
الزاوية السعدية:
من أشهر الزوايا الصوفية التي عرفتها مدينة حمص خلال القرون الماضية ولا زالت قائمة حتى اليوم الزاوية السعدية الجيباوية التي تقع في حي بستان الديوان، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ سعد الدين الجيباوي الحمصي وهو أحد مشايخ الصوفية أواخر القرن التاسع عشر ولد عام 1866 م –1283 هـ وتولى مشيخة بيتهم في دمشق بعد وفاة أخيه وتصدى لتلقي الصوفيين والزوار بزاويتهم المعروفة بهم في محلة القبيات وكان يقيم الذكر يوم الجمعة في الجامع الأموي.

ويُقال بأن السلطان عبد الحميد (1839 -1861) مرض ووصف له علاج عن طريق تغيير الجو فاختار المجيء إلى حمص للإقامة فيها وكان مشايخ الصوفية آنذاك في حمص معتادون على القيام بنزهة خارج المدينة خلال فصل الربيع، وعند وصول السلطان لم يجد أحدا في استقباله، فاستشاط غضباً وأمر بإغلاق أبواب المدينة كي لا يتمكن الشيوخ الغائبون من العودة، ولكن عندما عادوا استخدم الشيخ سعد الدين الجيباوي الحمصي كراماته وجعل الباب ينفتح من ذاته ومنذ ذلك الحين حظي بمكانة خاصة لدى السلطان عبد الحميد.
ولما كانت الآستانة في عهد السلطان عبد الحميد محط رجال العلماء ومشايخ الطرق الصوفية، فقد سافر إليها وقابل السلطان عبد الحميد فيها فعيّن له راتبا كافيا، وعاد إلى حمص وشيد فيها الزاوية السعدية على الأرض التي كانت من أوقاف (صفي الدين الحلي) في حي بني السباعي وحج سنة 1927 م فتوفي بمنى وحُمل إلى مكة ودُفن فيها في 15 ذي الحجة.
وتذكر المصادر التاريخية أن أول من أدخل الطريقة السعدية إلى حمص الشيخ علي السعدي نزيل حمص عام 1918 فأقام في حي باب تدمر وبقي الحال كذلك في عهد خلفائه حتى أصبح الحي معقلاً للطريقة السعدية ثم نُقلت الزاوية إلى حي بني السباعي قرب زقاق بيت فركوح وسمت البلدية بعد ذلك هذا الشارع باسم شارع الجيباوي والأرض التي أقيمت عليها الزاوية كانت في الأصل زاوية تابعة لوقف صفي الدين الحلي 1277 -1339 كما ذكرنا آنفاً، وانتقلت بعد ذلك إلى المكان المعروف اليوم بشارع بستان الديوان، وعلى المدخل الرئيسي للزاوية في أعلى البوابة نُشت العبارة التالية (يا حضرة سيدنا سعد الدين الجيباوي قُدس سره) وتضم الزاوية في الداخل مجموعة كبيرة من الأدوات التي كان يستخدمها الصوفيون في خميس المشايخ ونوبات الششتري وعدداً من السيوف وأدوات الشيش والرحمانية والكشاكيل والآنية النحاسية المطروقة وسجاجيد الصلاة الثمينة.
تحت المئذنتين:
إلى الجنوب الشرقي من الزاوية السعدية في الشارع المسمى (تحت المئذنتين) تقع زاوية الشيخ (جمال الدين خمو) وهي زاوية للطريقة القادرية في عهد الشيخ عثمان خمو كما جاء في مخطوط (مسامرة الجليس في تاريخ الخميس) للشيخ سعد الدين الجيباوي ولا تزال هذه الزاوية قائمة حتى الآن تضم غرفة فيها ضريح الشيخ (جمال الدين خمو) وضريح أخته (جليلة) كما يوجد فيها مجموعة من الآلات والأدوات كالسناجق والطبول والمزاهر مما كان يُستخدم في مواكب "خميس المشايخ".
وهناك الزاوية المولوية أو "التكية المولوية" التي كانت جزءاً من مجموعة أبنية الدركاه المؤلفة من مسجد ودار لشيخ المولوية وغرف لدراويشها و"سماع خانة" وحول تاريخ هذه الزاوية يقول الباحثان محمود السباعي ونعيم الزهراوي:
"أول ما بنيت التكية المولوية على شكل تربة بناها أحمد بن اسماعيل الكوجكي في شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة تموز 1347م كما أنشأ هو نفسه سبيلاً على التربة كانت عليه الكتابة التالية:"بسم الله الرحمن الرحيم: أنشأ هذا السبيل العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه وغفرانه إلى الله تعالى أحمد بن اسماعيل الكوجكي بتاريخ شهر رمضان المعظم سنة ثلاثين وثمانمائة هـ آب1427م .
وتذكرها الوثائق التي تعود إلى أوائل العهد العثماني باسم "الزاوية الرستميّة –نسبة إلى رستم باشا الصدرالأعظم للسلطان سليمان القانوني وزوج ابنته "روكسلانا" أم ابنه سليم الذي تولى بعد أبيه عرش السلطنة باسم سليم الثاني وكان رستم باشا مولعاً ببناء الزوايا وإطلاق اسمه عليها ومن جملة ذلك أطلق اسمه على زاوية في حماة وعلى الزاوية المعروفة باسمه في حمص وخصّها بأوقاف متعددة مسجلة بمحكمة حماة الشرعية 988هـ
زاوية أبي الهول:
في منتصف شارع أبي الهول عند سيباط بيت الجندي تقع الزاوية المعروفة باسم هذا الصحابي الذي كان مولى بني طريفة من كندة واسمه "دامس" وكُني بأبي الهول لشدة سواده وضخامة جسمه وعظيم شجاعته، استولى على قلعة حلب لصالح المسلمين بخدعة مشهورة، وضريحه عبارة عن بناء صغير يقوم في منتصف الطريق شرقي حمام الباشا، حيث كان مكان المقام مقبرة لعائلة الشيخ عثمان التي تتولى ومنذ عدة أجيال خدمة هذا المقام وصيانته.
وزاوية أبي الهول كانت المكان الذي ينطلق منه حَملةُ سنجق خالد بن الوليد باتجاه جامع سيدي خالد في تظاهرة خميس المشايخ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الأربعينات من القرن العشرين.
وعند سيباط بيت الأديب في حي المغارة تقع زاوية بيت الأديب وقد أنشأ هذه الزاوية مع منشآتها كلها والدور الملحقة بها وأوقفها "أرسلان ذهني بن أديب الحاج علي باك" المدفون في الزاوية، ويشتمل الوقف على الزاوية المعدة لتلاوة الأوردة وإقامة الأذكار على الطريقة الرفاعية التي يعود الفضل في تأسيسها بمدينة حمص إلى الشيخ أحمد الكيالي الرفاعي الشهير بـ "السواح الثاني".
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية