المشاريع الشخصية والخلاص الفردي
فعلاً"المجد يكمن في محاولة الوصول إلى هدف وليس عند الوصول إليه" لكن السوريين تملّكهم الملل وأخذتهم الأحزان وكستهم الخيبة، وربما الحق، كل الحق إلى جانبهم ومعهم، ولكن ما هكذا تورد الإبل أيها المحترمون.
بلع السوريون جميعهم الطعم، وهذه حقيقة تتجلى تباعاً كلما حصدت"الثورة" مزيدا من الأرواح وأتت على"الزرع والضرع"، فالنظام الذي عرف المؤامرة منذ بدايتها- حسب ما اعترف وقال– نفذها بحذافيرها، مع بعض زيادة ولكن دونما نقصان، بل وقاد بممانعة لم يعرفها التاريخ، الحرب على أهله، فقتل مئات الألوف واعتقل مثلهم وهجر الملايين، وأوصل سوريا لمصاف الدول الفاشلة الميؤوس من التعايش فيها، ربما لعقود، ليتحدث اليوم عن الانتصار والبقاء على كرسي الوراثة.
والمعارضة النظرية والسياسية التي أخذتها نماذج الربيع العربي، فقاست على مسطرتها وأوغلت في التبعية والتشرذم، قادت هي الأخرى المؤامرة، فأتمت ما لم يستطعه النظام الآثم وورّطت البلاد بارتباطات وتبعية لتحقق غايات صغيرة لا تتعدى حجم عقدها التي انطلقت منها، لتسرق أضواء الكاميرات ومنصات المحافل والشاشات..وربما مساعدات دفء وإطعام الجوعى والمشردين.
وكذا لجهة عرب الخليج الذين انقادوا بدوافع التخويف من "المشروع الشيعي"حيناً وبهواجس انتقال شرارة الثورات لممالكم وإماراتهم، أدت هي الأخرى الدور بجدارة ونفذت كل ما طلب إليها، فعادت كمن أكل حلوى وشرب ماء، كأنه لم يأكل ولم يشرب، بل زادها توريطها الشعب السوري، عرياً وأزماتِ لم يك التصدي لها ضمن الأولويات.
أما الرابحون فهي إسرائيل التي فككت جيشاً وأسلحة، وإن غدت مجاورة "لدولة فاشلة" ما يحرمها الراحة ربما لعقود، وإيران التي تمددت ومشروعها القومي والاقتصادي وضمنت الوكالة الأمريكية الحصرية، وروسيا الاتحادية التي وجدت في سوريا "رسالة غفران" عن إحجامها وترددها في العراق ومن ثم في ليبيا، لتعود للعالم كقطب فاعل ..ومن الباب الأوسع.
لتبقى أنقرة واشنطن اللغز الأكبر إذ مازالت الأزمة قائمة وربما من المراهقة الآن القول عن ربح وخسارة.
مراقبون يقولون إن كل ما يجري في صالح الولايات المتحدة، فهي من رمى مشروع الشرق الأوسط الكبير وهي المستفيد الأكبر بعد أن زرعت"العراق الفيدرالية"انموذجاً لتقاس عليه "دول الربيع" وأن أوباما هو ميكافيللي العصر الحديث، إذ وصل لكل الأهداف دونما إطلاق طلقة ودونما خسارة جندي واحد.
في حين يرى آخرون أن واشنطن لن تخرج عما قاله ابن خلدون، وبدأت الامبراطورية بالأفول، بل وهي من أخذ بيد مجموعة "البركس" وحرض الصين ودفع بروسيا لتكون أندادا ويزوي زمن القطب الواحد والعصا الأمريكية الغليظة.
كل هذا توصيف قد لا فائدة ترجى من طرحه، بل مل السوري وقرف لشدة ما يطرق يوميا على رأسه، بمواعظ ونظريات، ليكون السوري نفسه هو "مربط الفرس" لطالما تحرره كان الهدف وغدا تحطيمه الغاية.
قصارى القول: قاد بعض السوريين "الثورة" إن من على منابر "الفيس بوك" أو عبر الدعم المالي لحرف صوفية الثورة...أو من خلال القتال على الأرض والتضحية بالنفس.
بيد أن طول عمر الثورة وتبدل الميازين جميعها، طاول-التبدل- السوريين، فمنهم من توارى ومنهم من ينتظر، ومنهم من صدق ما خرج لأجله فقضى وما بدل تبديلا.
لكن فئة ليست بالقليلة، كان لها الدور الأهم في تصعيد الحالة العامة للثورة، بل وربما ينسب إليهم حرف الثورة عن سكتها، وهنا لا أقصد من جاء لدور مأجور كعدنان العرعور ومن لف لفه، بل أؤلئك الذين تركوا "الجمل وما حمل" ولاذوا بالفرار بعذر "تغيرت الثورة ولم تعد ثورة ومن حقنا أن نبحث عن خلاصنا ومعيشة أطفالنا".
فهاجر بعضهم لبلاد العم سام ولجأ بعضهم لبلاد الأحلام ومن تبقى باع ما قال إنه قام لأجله، من كرامة ورجولة وحرية، ورضي بأن يكون شسع نعل في دول البترودولار.
قد يكون ما صنعه هؤلاء منطقيا ومشروعا من منطلق "الحق الفردي والحل الشخصي" وبخاصة بعد شبه تلاشي الأمل في النصر ولأي طرف في سوريا.
بيد أن المنطق والمشروعية هنا، هي أشبه بحق يراد منه باطل، ليس لأن هؤلاء المرتزقة تاجروا بدم السوريين وساهموا في انزلاق سوريا فقط، بل لأنهم استغلوا حتى السوريين التعساء في لجوئهم وهجرتهم وأعمالهم وبدأوا يبيعون نظريات ويصدرون مواعظ من ممالكهم المالية والإعلامية الجديدة، ويدعون أيضاً من تبقى، ليهاجر عبر عبارات محبطة ومخيبة.
خلاصة القول: لو أن مقياس الثورة كانت الخلاص الفردي منذ بدايتها، فماذا يمكن أن يقال عمن ترك مناصب وصلت لرئيس وزراء بكل ما كان لها وفيها من سلطة وصلاحية وماذا عن الذي موّل بكل ما يملك وعن هؤلاء الذين ضحوا بأنفسهم وأسرهم.
والأهم، كيف يمكن"للسفلة" الذين يحبطون بعد أن هاجروا تحت مسميات عدة منها الخلاص الفردي، أن يواجهوا آل الشهداء وأسر المهجرين، بل والتاريخ، بعد أن بدأوا يؤسسون لمؤسسات وأعمال وممالك إعلامية أصول رساميلها دم وشرف السوريين.
من كُتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية