أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معالم ومشيدات حمص الأثرية : "حوارين".. واحة تذكَّرها التاريخ ونسيها المؤرخون !

على تخوم البادية السورية خارج ما يُعرف بخط المطر تقع قرية صغيرة في مساحتها الجغرافية ولكنها غنية بالمعطيات التاريخية وبالأوابد الأثرية التي تدل على عراقتها الاستثنائية، وهي أشبه بواحة غنَّاء تذكَّرها التاريخ ونسيها المؤرخون.

إنها قرية وهي قرية "حوارين" التي تُعد إحدى الواحات (المناظر) على الهامش السهلي المنفتح على البادية السورية، سميت باليونانية (أواريس) ويُعتقد أن لفظة "حوارين" محورة عن كلمة الحواريين وهي لفظة حبشية معناها الرسل، دخلت العربية بدخول الحبشة إلى اليمن.

والحواريون عند المسيحيين هم الرسل الإثنا عشر الذين انتقاهم السيد المسيح بين سائر تلاميذه، ويُعتقد أن القرية تضم قبر أحد الحواريين، وكان يقصدها الناس من كل الأديان والبلدان قديماً للإستشفاء كما جاء في كتاب "آثار البلاد وأخبار العباد" لزكريا بن محمد القزويني، ويتحدث الباحث "روبرت وود" عن "حوارين" قائلاً: "وجدنا فيها بعض الآثار التي تدل على أنها كانت موقعاً هاماً فيما مضى من أيام، ففيها رأينا برجاً مربعاً ذا فتحات دفاعية ونظن أن تاريخ إقامته كانت قبل حوالي ثلاثمائة سنة كما وجدنا فيها كنيستين منهارتين ولربما تعودان للفترة نفسها".

تغنى الشعراء بهوائها العليل فقال أحدهم: 
"يا ليلة لي بحوارين ساهرة .......حتى تكلم في الصبح العصافير"
سكنها الآراميون والعرب منذ القديم وبقيت الآرامية فيها جلية إلى زمن متأخر، وقد عاب الحجازيون من يناسبهم، فقال زفر بن الحارث يهجو عمر بن الوليد بن عقبة:
"نبأت، عمرو بن الوليد يسبني وعمرو أستها للصالحين سبوب
وكل معيطــــــــي إذا بات ليلــــــــة إلى شربـــــــــة بالرقمتيـن طـــــروب
عليك بحوارين ناسب نبطهـــــــا فمـالك في أهل الحجـــــاز نسيب"
كما وردت في شعر بن عرادة التميمي الذي هجا يزيد بن معاوية قائلاً: 
أبني أمية إن آخـر ملككم جسد بحـوارين ثم مقيـم
طرقت منيته وعند وساده كوب وزق راعف مرثوم
ومرنة تبكي على نشوانه بالصنج تقعد تارة وتقـوم

"فُتحت حوارين من قبل القائد خالد بن الوليد عام (13) للهجرة، وهو في طريقه من العراق إلى اليرموك بعد أن اجتاز أرك ودومة الجندل وقصم وتدمر والقريتين ليتابع بعدها إلى مرج راهط شرقي غوطة دمشق".




*حصن حوارين (الدير)
وتضم "حوارين" اليوم عدداً من الأوابد الأثرية ومنها الدير الذي تحول إلى قصر أيام الأمويين ويسميه أهل القرية اليوم (حصن حوارين)، إضافة إلى سبع كنائس قديمة لا تزال اثنتان منها قائمتين ، منها واحدة يسميها أهل القرية (كنيسة جعارة) التي ما زالت جدرانها قائمة ومساحتها تقدر بستمائة متر مربع، وربما كانت هيكلاً وثنياً في عهد الرومان ثم حُولت إلى كنيسة، وهي مبنية بحجر كلسي كبير الحجم تبعد عن القرية 500 متر، وهي لا تقل سعة عن الكنيسة الثانية التي تعرف بكنيسة الرهبان، وتتألف (كنيسة جعارة) من صحن مركزي مستطيل ورواقين جانبيين وهيكل من الشرق وغرفتين على جانبي الهيكل واستخدمت فيها من الجانب الشرقي قواعد وتيجان قطرها 120سم، وارتفاع الجدران 4 أمتار وقد قامت دائرة آثار حمص بترميمها وفق مخطط مدروس، أما كنيسة الرهبان فهي مبنية من الحجر الكبير الحجم والمستطيل الشكل وتضم فناءً واسعاً في وسطها ومداخل من الغرب والجنوب والشمال وهي كنيسة كبيرة جداً يقوم بجانبي صحنها المركزي رواقان وهيكل من الشرق، استعملت في بنائها تيجان بديعة من الداخل والأعلى ولا تزال جدران الغرف الجانبية للمدخل والحنية قائمة فيها.

ونظراً لأهمية القرية أثرياً وتاريخياً دأبت المديرية العامة للآثار والمتاحف على كشف معالمها عن طريق تشكيل بعثة تنقيب وطنية منذ أكثر من عشر سنوات وما تزال تعمل بشكل دوري ومنهجي في (حوارين) ومدينة (القريتين) أيضاً.

وتم العثور على مكتشفات أثرية هامة عبارة عن تحصينات متقنة من العصر الروماني تشير إلى هندسة وقوة التحصينات المتعلقة بالمنطقة الشرقية من سوريا.

كما عُثرعلى أقنية ري من العصر الروماني بالإضافة إلى التعرف على مجموعة من الأبنية البيزنطية التي تدل على أهمية الموقع وتم كذلك تتبع السكن فيه حتى الفترات الإسلامية.

* سجن أم معبد وثني !
من المعروف أن اليونان والرومان ومن بعدهم البيزنطيون أقاموا خطوطاً من التحصينات أسكنوا فيها حاميات ألقوا على عاتقها مهمة الدفاع عن حدود الدول التي كانوا يحتلونها. وتتكون هذه الحاميات من قلاع ومن حصون (أبراج) وخطوط التحصينات هذه هي (المناظر) عند العرب و(المسالح) بالنسبة لغيرهم، ومن الشواهد العريقة على تلك الحاميات الحصن القائم في "حوارين" شاهقاً بارتفاع يربو على العشرة أمتار بجدرانه الأربعة لم يفقد سوى السقف، وقد بُني هذا الحصن على شكل مستطيل طوله (30) متراً وعرضه (25), مقسم من الداخل لقسمين كل قسم يحتوي ثلاث غرف مقابلة لبعضها وفي وسط الحصن ساحة وبئر للشرب محفور في الصخر، ولهذا الحصن بابان أحدهما مصنوع من حجرة واحدة تفتح وتغلق بدقة تامة وعليه نقوش كثيرة وصليب منحوت بشكل مزخرف ووسط الحصن كان يوجد درج لكنه تهدم بسبب ظروف الزمن وقد أصبح هذا الحصن الذي شيده الرومان قلعة بيزنطية، حيث يروى أن يزيد بن معاوية اتخذه قصراً له يقضي فيه أيامه الجميلة خلال فترات انتجاعه في "حوارين". 

وفي أعلى نقطة من ناحية "مهين" التي تتبع لها قرية "حوارين" بناء أثري كبير مبني على الصخر يدعوه أهل المنطقة (سجن حوارين) و تدل هندسته على أنه لم يكن سجناً بل معبداً وثنياً اتخذ ككنيسة في عهد البيزنطيين، ولا يزال فيه عدد من الأعمدة والأفاريز المنقوشة وحجارته ضخمة وطول جداره 12 متراً وعرضه 10 أمتار وقد ألحق فيه بناء لتحصينه بأبراج مربعة.




*ماكنوس والمنذر 
ارتبطت "حوارين" بحادثة هامة في التاريخ، فحينما كان العرب الغساسنة يحاربون إلى جانب البيزنطيين ضد الفرس في الحرب، وعندما رأى البيزنطيون خروج المنذر ملك الغساسنة على طاعتهم أصدروا أمراً سرياً إلى حاكم الشام (ماكنوس) صديق المنذر بالعمل على قتله، وصادف ذلك أن دُعي ماكنوس إلى تدشين كنيسة في حوارين فكتب يدعو صديقه المنذر إلى ذلك الاحتفال وعند مثوله للدعوة قبض عليه وأرسله مخفوراً إلى القسطنطينية، حيث أُجبر على الإقامة فيها مع إحدى نسائه وبعض أولاده وبناته وذلك في عهد القيصر طباريوس عام 582م، ثم نفي إلى صقلية في ذات العام وبعد رحيل ماكنوس عن حوارين هاجمها النعمان الابن الأكبر للمنذر واستولت عساكره عليها، وقتلوا بعض أهلها وأسروا قسماً من الباقين ثم عادوا بغنائم كثيرة إلى البادية للاحتماء بها من هجمات الروم "كما يقول الباحث عمر أبو النصر في كتابه (معاوية بن أبي سفيان حياته وعصره). 

وفي العصر الإسلامي الأول أصبحت "حوارين" مجرد قرية صغيرة نائية منعزلة بعد أن كانت ذا شأن كبير من الناحية السياسية والجغرافية. 

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(660)    هل أعجبتك المقالة (544)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي