تقع مدينة حمص القديمة ضمن الأسوار التي أعطى امتداد مسارها شكلاً يقترب قليلاً من المستطيل المشوّه في استقامة أضلاعه، وتشكل القلعة الزاوية الجنوبية الغربية لهذا المستطيل.
والمدينة القديمة المدينة الإسلامية، وكذلك الحال بالنسبة للخندق الذي يحيط بجدران أسوارها من جميع الجهات، فهو أحد أهم ركائز نظامها الدفاعي المخطط الحالي للمدينة هو مخطط إسلامي.
والأسوار الرومانية التي كانت تزنّر المدينة كانت مدفونة تحت الأنقاض الحالي، وتعود البقايا الحالية من أسوار حمص وبواباتها إلى عهد المنصور ابراهيم، وبقيت قائمة بشكل كامل زمناً طويلاً.
إذ أن الرحالة الأوروبي "بيربيلون" وصف أسوار حمص في القرن السادس عشر الميلادي بأنها "قوية، ومشيدة بأحجار منحوتة"، وهو وصف ينطبق على بقايا جدران الأسوار التي ما زالت آثارها قائمة حتى يومنا هذا في المنطقة الممتدة من "طلعة" باب تدمر إلى "مصلبة" باب الدريب.

أما الرحالة العربي "ابن جبير الكناني" الذي زار حمص في أواخر القرن السادس الهجري فيصف هذه الأسوار قائلاً: "وأسوار هذه المدينة في غاية المتانة والوثاقة مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود، وأبوابها أبواب حديد سامية الإشراق هائلة المنظر رائعة الأطلال والأناقة تكتنفها الأبراج المشيدة الحصينة".
ومع بداية القرن الحالي تداعت الأسوار وبدأت يد الهدم تمتد إليها إلى أن وصلت إلى الحالة الراهنة.
أما أبوابها وهي: باب الرستن، باب دمشق، باب الجبل، باب الصغير (ويُعتقد أن باب الرستن الذي دُعي في فترة زمنية متأخرة بباب السوق كان يقع عند الزاوية الشمالية الغربية من الجامع النوري الكبير).
ومن المحتمل أن يكون باب دمشق هو ذاته باب الدريب أو باب السباع).
وجعل المنصور ابراهيم في ولايته سبعة أبواب لحمص وهي: باب السوق، وباب تدمر (بقيت من آثاره بعض الحجارة المنحوتة، وكان يفضي إلى الطريق الذاهبة إلى تدمر) وباب الدريب، الذي لم يبق من آثاره سوى اسمه والموضع الذي عرف أنه كان قائماً عليه. وباب السباع الذي يقع إلى الشرق من القلعة ويفضي إلى المدينة القديمة من الجهة الجنوبية (زالت آثاره تماماً)، ويشير موضعه بشكل ما إلى أنه من البوابات التي كانت تخدم مدينة حمص القديمة قبل العصر الإسلامي، وباب التركمان ويقع عند الزاوية الشمالية القريبة للقلعة عند التقاء القلعة مع مسار جدار السور الغربي، (بقيت من آثاره بعض المداميك الحجرية)، وباب المسدود الذي يقع إلى الشمال مباشرة من باب التركمان وهو الباب الوحيد الموجود حالياً، وباب هود، (لم يبق من آثاره سوى بعض المداميك الحجرية)، ويؤكد موضعه على أنه كان دائماً بوابة للمدينة عبر العصور، إذ إنه يفضي إلى الجهة الغربية من خارج المدينة.
نافذة على التاريخ
وقبل أن نجول في أروقة التاريخ ونتلمس آثاره الباقية، نفتح نافذة على تاريخ المدينة التي تعود أقدم إشارة إلى اسمها إلى ما قبل سنة 2300 ق.م حيث سكنها العمالقة فالآراميون ثم الحثيون الذين اتخذوها عاصمة لهم فترة من الزمن. وقرب حمص دارت رحى المعركة الكبرى التي جرت بين "رعمسيس الكبير" ملك مصر وملك حمص الحثي "مونثار أوموثلا" وكادت ـتدور الدائرة فيها على جيش "رعمسيس الكبير" وانتهت هذه الحرب بعقد حلف صداقة بين الملكين واقترن "رعمسيس الثاني" بابنه ملك الحثيين الكبرى حوالي عام 1259 ق.م. ثم استوطنها الآراميون ودام حكمهم لها من سنة 1225-732 ق.م إذ تمكن (تفلت فلاش) الآشوري عامئذٍ من دخولها بعد قضائه على ملكها (أرصين) آخر ملوك الآراميين عام 605ق.م. واجتاحها الكلدانيون بقيادة (نبوخذ نصر) ثم الفرس تحت إمرة (كورش) عام 531 ق.م.

أما الحكم الداخلي للمدينة فقد ظل طيلة العهدين في أيدي أمرائها الوطنيين. وفي سنة 80 ق.م. استطاعت حمص أن تظفر باستقلالها الإداري فحُكمت من قبل ملوكها الوطنيين من أسرة آل شمسيغرام (80 ق.م ـ79م) ثم دخلت تحت الحكم الروماني سنة 79م. وتُعتبر هذه المرحلة من أنصع مراحل تاريخ المدينة من حيث النفوذ والأهمية والدور الحضاري، حيث تصاهرت مع روما عندما تزوجت (جوليا دمنا) ابنة كاهن الشمس في حمص من القائد الروماني (سبتيموس سيفيروس) الذي اعتلى عرش روما سنة /197/ الذي شبهه المؤرخ ( إيكاريوس) بـ (يوليوس قيصر) في الشجاعة والإدارة العسكرية الحكيمة، ثم توالى على عرش روما عدد من الأباطرة الحمصيين وهم كراكلا /211-217/، وإيلا كابال /218-228/ واسيفيروس الثاني 229 -235 الذي يعتبر من أعظم الأباطرة الذين تسلموا عرش الإمبراطورية الرومانية وهو الذي قال فيه الفيلسوف بوسويه: "إنه أفضل امبراطور تسلم العرش الروماني من عهد أوريليوس إلى دايو كلثيان 180 - 284".
وعندما استقلت أسرة السميدع العربية في حكم سورية أيام أذينة الثاني (245-266) وزوجته زنوبيا اتخذت من حمص عاصمة صيفية، إضافة إلى تدمر العاصمة الرئيسية.
وكان الفيلسوف الحمصي الكبير لونجينوس (213-273) المستشار الأول لزنوبيا قتل ظلماً بإيعاز من الإمبراطور الروماني أورليان ثم عادت حمص فخضعت للحكم الروماني مباشرة، فالبيزنطي.
في العهد الإسلامي كان لحمص شأنها الكبير ولأبنائها الأثر الفعال في الحوادث الجارية. وما يدلنا على أهميتها انتقاء الخلفاء الراشدين والأمويين أفضل الأمراء لها، ومنهم الداهية السمط بن الأسود الكندي سنة 15هـ والأنصاري عبادة بن الصامت سنة 16هـ وعياض بن غنم سنة 18هـ وشرحبيل بن الصمت سنة 22هـ. كما اختارها خالد بن الوليد دار إقامة له وتوفي فيها سنة 21 هـ ودفن في الجامع المعروف باسمه. إضافة إلى عشرات الأسماء من التابعين والأولياء والصالحين الذين تنتشر قبورهم وأضرحتهم في كل مكان.
وظاهرة اختيار هؤلاء تستدعي التفكير في أسباب تدفقهم للإقامة والاستقرار في حمص وتأثير مكوثهم بين جوانحها، فلا بد أنهم استطابوا المكان، ولا بد أن المكان وأهله قد تطيبوا بوجودهم وسنأتي على دراسة أماكن أضرحتهم ومقاماتهم في فصل لاحق.
زاوية جديدة في "زمان الوصل"... توثيق معالم حمص بقلم أحد أبنائها
2013-10-19
تعرضت مدينة حمص خلال سنتين ونصف من حصارها واستهدافها من قبل قوات النظام لدمار كبير أدى إلى فقدان جزء كبير من حضارتها وتاريخها ونسيجها المعماري الذي امتازت به على مر العصور، ولم يسلم مسجد قديم أو بيت أثري أو قصر أوحمام... التفاصيل ..

2013-10-19
تعرضت مدينة حمص خلال سنتين ونصف من حصارها واستهدافها من قبل قوات النظام لدمار كبير أدى إلى فقدان جزء كبير من حضارتها وتاريخها ونسيجها المعماري الذي امتازت به على مر العصور، ولم يسلم مسجد قديم أو بيت أثري أو قصر أوحمام... التفاصيل ..
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية