على ما أحسب، الانتصار نسبي، وخاصة من منظور سليلي ذهنية البعث المجيد، الذين رأوا في الهزيمة، التي دلعوها لنكسة، انتصاراً لمجرد أن النظام التقدمي لم يسقط وقتذاك، وهاهم يعيدون التاريخ عنوة، في انتصار مدوٍّ، بعد تسليم سلاح"التوازن الاستراتيجي" الذي سرقوا مقدرات سوريا لعقود ليستوردوه ويكدسوه إلى أن تحين الحاجة، وفعلاً لم يستخدم إلا في الغوطة الشرقية للمرة الثالثة عشرة، وجميع الاستخدامات ضد الشعب المتمرد الطالب للكرامة والعدالة في توزيع الدخل ومنح الفرص.
بيد أن انتصار حزيران 1967 تبعه تمكين في السلطة لمهندسيه وصناعه امتدت لأربعة عقود، فماذا يمكن أن يأتي عبر انتصار "تسليم الشرف العسكري" لمنفذيه الذين التزموا أمس السبت بمهلة واشنطن وتقدموا بكامل الملعلومات، من نوع وكمية وتوزع جغرافي للسلاح الذي تتالت فصول مسرحيته من الإنكار بالامتلاك وصولاً لإنكار السوريين الذين قُتلوا جرّاءه في مثل هذا اليوم من الشهر الفائت.
الاستنتاجات من خلال تراجع واشنطن والخطوط البيانية للتصريحات، والتي وصلت للسعي وراء المقترح الإيراني، إنما تدلل استنتاجاً، أن مكافأة الأسد ستبقيه بالسلطة حتى انتهاء ولاية وراثته الثانية، مع مشروعية ترشحه للثالثة من منطلق ديمقراطي بحت، فالمتابع لفصول المسرحية يلحظ جلياً تناوب الأدوار بين موسكو وواشنطن، لجهة كلفة تدمير الكيماوي التي تزيد عن مليار دولار ومن ثم النتائج البيئية المترتبة على تدميره، ليستقروا أخيراً على عامل الزمن، فالحكاية لتروى كاملة، تحتاج لعام من تاريخه، وهي الفترة المتبقية من حكم القائد الرمز ابن الرمز، سليل التشرينين ..وحزيران قبلهما.
في علم السياسة ومن بدهيات الحروب، كل ما قام به بشار الأسد، مشروع بل ويحسب له، فالرجل ببساطة قالها دونما مواربة إنه في حرب وسيبقى بالسلطة حتى لو أحرق البلد، ليأتي السؤال الموجع ربما، ماذا فعل الآخر، أي المعارضة، وهو يمتلك كافة عوامل القوة وأسباب النصر، ولعل في تأكيد موسكو على تدمير كيماوي سوريا، دليلا دامغا على أن النظام من قتل خلاله أطفال الغوطة ونساء سراقب وشيوخ خان العسل. فكيف استغل جهابذة المعارضة تخطي هذا الخط الأحمر ليدافعوا عن حيوات السوريين الذين منحوهم الضوء والمال والكراسي..وسلموهم زمام أمورهم وإن بالخديعة والأمر الواقع والحياء؟
أعتقد أن لعبة الكيماوي انطلت على الجميع وإن علموها وشاهدوا تتابع فصولها القذرة، فالعالم بأسره انشغل في تدمير أهم نقطة قوة يمتلكها الجيش السوري "أيام ماكان جيشاً سورياً" وترك للنظام المجال واسعاً، ليقتل عبر ما يشاء من أسلحة ولكن عدا الكيماوي، وليكافأ على إراحة إسرائيل بتركه على الكرسي، شريطة أن ينفذ المطلوب من بقية الفصل الأخير من المسرحية، أي أن يذهب إلى "جينيف" ويفاوض ويقبل "بالإرهابيين" ولا مانع من القتل بالتوازي ريثما يقضي الله أمرا كان مفعولا.
قلت لا يلام النظام لطالما اعتبر شعبه عدوه الأوحد وأعلن عليه الحرب بلا هوادة، وقد يبرر له لأنه سيبقى في السلطة وإن لأجل، وسيعفى من كل جرائم الحرب والإبادة التي اقترفها عبر عامين وعلى مرأى ومسمع الجميع، ولكن-سألنا - عما فعلته المعارضة وما الذي ستفعله كي توقف ولو فصلاً من هذه المسرحية وتنقذ ولو سورياً من القتل وآخر من الاعتقال وثالث من الحاجة وكثيرين من برد وذل الشتاء وذوي القربى.
حتى الآن، وللأسف الشديد، لا دلائل مبشرة تمنح السوريين ولو جرعة يسيرة من أمل، فحتى تاريخه، يتأرجح قرار المعارضة بين ممولين ومانحين حيناً، وتجاذبات ونفعيات بقية الأحايين، ولعل الخيبة الإضافية تكمن فيمن يسمون "توفيقيون"، ويؤتى بهم إلى واجهات التكتلات والتنظيمات السياسية الممثلة للثورة والثوار، فمن نراهم -مع فائق الاحترام- يفتقرون للخبرة والمؤهلات والأهم لـ"كاريزما" قيادية، ما يدفع للتشكيك بأمنا الولود سوريا..أيعقل ألا تفرز المعارضة شخصية "كاريزما" بحجم المرحلة والتحديات؟!.
خلاصة القول: لا يلام الجلاد على طرائق ذبحه ولا عن تقاسمه ضحاياه، بل يلام الرعاة "وكل مسؤول عن رعيته" الذين غرقوا في تفاصيل المؤامرة التي قادها النظام باقتدار، مذ سلّح الثورة فدولّها فأسلمها، ليأخذ مكافأة قتله السوريين وحاضرهم ويترك مستقبلهم عرضة للاحتمالات، وتناسوا- قادة المعارضة- أن التنازل يبدأ بكلمة وأن من لا ينحني ولا يتلون تنحني أمامه المعجزات، ووقعوا في أفخاج السياسة ليلعنهم التاريخ وتحاسبهم الجغرافيا التي قد تكون مفاجأة المخرج- تقسيم سوريا- قبل إسدال ستارة الفصل الأخير ..ولو بقتيل.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية