تاه الجميع، معارضة ونظاماً في مسرحية ضرب النظام وتأديبه لأنه قتل أطفال الغوطة بالكيماوي وهو السلاح المحرّم قتل السوريين به، بعد السماح بقتلهم ولعامين، بكل الصنوف الأخرى، فمن بدأ يبني أحلاما على واشنطن كي تخلصه من استبداد الأسد و"الإحتلال النصيري"هو تماما كمن وقف على سفح قاسيون ليتصدى للضربة ويحمي القائد الرمز ابن الرمز من نيران الإمبريالية العالمية، طبعاً، بجسده العاري، إلا من بقايا الممانعة والقومية ..وبعض ارتفاع حروري تأتى عن أعراض جغرافية حيناً ونفعية بقية الأحايين.
لكن واشنطن التي وصلت لهدفها في العراق بعد آلاف القتلى ومئات المليارات، غيرت الطريقة في ليبيا وابتكرت طرائق أخرى في دمشق، وإن حافظت على الأبطال"الحكام" والذريعة"أسلحة دمار شامل".
والغاية "حفظ أمن إسرائيل"، والزمن ليس من الطول ما يكفل النسيان، فذريعة صواريخ "فاو2" وأسلحة الدمار الشامل العراقية، لم يمض عليها سوى عقد من الزمن، ووعيد صدام وصحّافه، لا تختلف كثيرا عن حكمة القائد التاريخي وإعلامه الذي انتصر على القوى العظمى ومرّغ أنف الاستعمار بالوحل.
التاريخ هنا لتسكين أوجاع حاضرنا والاتكاء عليه لنبرر فعائلنا، لكن التاريخ هناك يُقرأ للاستفادة من عبره وتجارب رجالاته، ولا ضير حتى من بعض كذب، لأننا فقط، من يقيس السياسة بمسطرة رجولة العقال وبيت الشعر وكذبة الأخلاق.
قصارى القول: لم تضرب واشنطن مراكز قوة النظام، الآن على الأقل، وتكبدت- نظرياً - خسارة سياسية، داخلية أمام الكونغرس، وخارجية أمام موسكو وبكين وربما النظام السوري، ولكن لو نظرنا للمسألة بعيداً عن الذهنية الصدئة وسألنا، لماذا تضرب الولايات المتحدة النظام إن أراح تل أبيب من تشكيها المزمن، ولماذا تضرب النظام ولم ينته الدور المرسوم له ولمعارضته بعد، ولماذا تضرب النظام وتبعد سوريا، أو ما تبقى منها عن تخريب للبنى الفوقية واحتمال العيش والتعايش، وإن كانا ضئيلين، وهي من دفعت مالاً وزمناً حتى أوصلت الحال لما هو عليه، ألم تدفع كلينتون الأسد عبر حماقته ومراهقته إلى التوغل بالدم كلما كانت تقول له ارحل، ألم تدفع واشنطن مالا وزمناً حتى أوصلت "المعارضة السياسية " لهذا الوضع والتمثيل المذل الذي لا يتناسب البتة، لا مع السوريين ولا حتى مع تضحياتهم التي لن ينساها التاريخ، ألم تأخذ واشنطن أثماناً ومراراً من خليج العربان ومن موسكو ومن بكين ومن كل من يظن أن ثمة قطبية جديدة ستولد من جديد...هل وصلت سوريا لما هو مرسوم لها من تهديم وقابلية للتقسيم والانهيار..إذاً ما مصلحة باريس وواشنطن ولندن بإيقاف القتل أو إضعاف النظام؟ على العكس، مهمتهم تقوية أي طرف يضعف على الأرض وعلى الطاولة، لتبقى أتون نيران سوريا مشتعلة، حتى تصل إلى-تماما- ما هو مرسوم.
لكن هذا لا يعني أن واشنطن يمكن أن تبقي على نظام الأسد، أو تطيل في نشوة الدب الروسي السياسية، لأنهما وقعا في فخ العراق وشربا من مياه النهر مرتين، فالآن يمكن لملهاة الرقابة الدولية على الأسلحة الكيماوية أن تمتد إلى ما يشاء أوباما، ويمكن خلالها خلع النظام السوري على كل ما يستر عورة سوريا، اقتصاديا وعسكريا وأمنياً، وبعدها وفي منتهى البساطة، دمشق غير متعاونة كما بغداد لم تتعاون ولا بد من الحل الحاسم يا حبيب.
هذا احتمال، وإن كان الأرجح، ولكن ثمة احتمال آخر، فربما لا تقدم واشنطن على فتح أوراقها كاملة أمام عربان الخليج ولا تتساهل في تراجع مسرحية مصداقيتها، في الداخل والخارج، فتقدم على عمل ما، إن كما اتفق عليه مع موسكو بتنحي الأسد سريعا وعبر جينيف 2 أو على فعل لا يتوقعه هواة السياسة، كأن تقلب الطاولة فجأة وفي ليلة مافيها ضوء قمر، على النظام وموسكو وتقطع الطريق على طهران.
ولكن، وأياً كانت فعائل البيت الأبيض، فهو ينطلق من مصالح واشنطن وتل أبيب، ولا علاقة له لا بأطفال الغوطة ولا بالعدالة والأمن والسلم الدولي، ما يطرح سؤالاً ملحاحاً الآن:ماذا ستفعل المعارضة السياسية هذه الفترة، لمصلحة من بقي يتيماً بعد أن ضحى معيله بدمه كرمى للكرامة، وماذا ستفعل المعارضة السياسية كرمى للمهجرين التائهين حول أبواب اللئام..ولا أقول ماذا ستفعل لتحفظ ماء وجهها، لأنه للأسف، من لديه ماء في وجهه لا يتاجر بدم وعرض أهليه ويعيش خلافات ضمن المجلس والائتلاف يندى لذكرها الجبين.
أما ماذا فعل القائد الملهم ولاعب حافة الهاوية لأجل سوريا وشعبها وكيف غلّب منذ البداية كرسي ومافيا على جغرافيا وتاريخ، وماذا سيفعل بعد أن بلع طعم القوي والقاهر والمنتصر وبدأ بالتعري في مسرحية "الستريبتيز" التي لن تنتهي بالتعرية..بل ربما بما حل بالأخ العقيد القذافي.
من كتاب "زمان الوصل"...
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية