رسالة من مواطن للرئيس بشار الأسد

مذ لوّحت واشنطن بعصا ضرب مراكز قوة "جيش الأسد" الذي دفع السوريون ثمنها، من عرقهم ودمهم، ليحرروا عبرها أرضهم المحتلة ويحموا حدودهم من أي مستعمر أو طامع، وأنا مسكون بهواجس لا تنتهي، فلا يمكنني الفرح رغم أن من تلك المراكز قصفت بلدي وتهدمت بناها، ومن تلك الطائرات سقطت براميل سوّت بيوت أهلي بالأرض، وعبر تلك المدافع قتل السوريون وتيّتم بنوهم، وخطر لي فيما خطر، تلك الرسالة التي وجهها الرئيس الأب حافظ الأسد للرئيس صدام حسين يحضه خلالها على الخروج من الكويت والتعاطي السياسي وعدم ترك ذريعة للولايات المتحدة ومن لف لفها، لتقنص بحجة الدفاع عن الكويت، كما تفعل اليوم بحجة الدفاع عن حياة السوريين وحفظ أمن حلفائها. ترددت في كتابة الرسالة، بيد أن تأجيل الضربة اليوم وبدء المماطلة، رغم يقيني أنها ماثلة، شجعني فأردت كسوري قد تُقرأ رسالته، وقد لا تقرأ، أن أرسل بمثيلتها للرئيس الإبن، رغم الفوارق بين أسباب ومسببات الأمس واليوم، ورغم ما حل بسوريتنا على يد نظام لم يجد منذ بداية الانتفاضة العمل السياسي، إذ أخذته الجغرافيا ولم يقرأ جيداً التاريخ ولم يعر أذناً لكل النداءات التي خرجت بحب ووطنية، فأُسر لأوهام وضغوطات ذوي المصالح، وتملكه الغرور وحاول الخروج على سياقات ومبادئ..والأهم حقوق شعبه المشروعة التي خرج لأجلها:
بسم الله والوطن وصرخات السوريين جميعهم..وباسم ماتبقى وما يمكن المحافظة عليه. بداية القول يا ابن بلدي. أعتقد أن الذكاء ليس إيجاد الحلول المناسبة في الأوقات العصيبة فقط، بل هو التصرف على غير ما يتوقعه الآخر، وتكون النهايات في صالحك، لذا وفي واقع تراجع الزخم الدولي المؤقت في ضرب سوريا، أعتقدها فرصة سانحة ومن ذهب، لتتصرف على عكس ما يتوقع الجميع فالنشوة بالانتصار الوهمي الذي سيدفعوك إليه، هو تغرير ومزيد من الدم والخراب والفرقة، وستأتي الضربة من العدو وإن بعد حين، وسيتفقدون الكرسي والمكاسب ولو بعد حين، وستكون أياماً مشؤومة على الجميع ولو بعد حين، وستكون سوريا قد ضاعت وضاع أي أمل بالتعايش.
لذا، واسمح لي أن أبدأ بالنتيجة. تنحَّ عن السلطة طائعاً وفز بجولة وإن خسرت معركة، لأن الانتصار على الشعب خسارة وبقاء الكرسي في صحراء خسارة وزهق الأرواح وقتل الأبرياء..أيضاً خسارة، وكسب سوريا ربح وكسب مستقبل أولادك ربح وإنقاذك لما تبقى هو الربح. عندما نرى أن "سوريا" تواجه خطراً جدياً كما هي الحال الآن، فالخلافات "بين أبناء البلد الواحد" تضمحل وتزول، لأن ما يجمع بيننا أكبر وأهم كثيراً من أية خلافات ومكاسب آنية قد تتراءى لنا، هذا إذا صح أن نقول أننا أمام أي مكاسب، وإن كنت أشدد على الخطر الجدي الذي تواجهه الأمة عامة و "سوريا" خاصة، وأدعو إلى تفويت الفرصة على الأعداء، فلست في صدد مناقشة وجه الحق ووجه الباطل في "الثورة وما آلت إليه"، فهذه مسألة أخرى ليس هذا مكان ولا أوان مناقشتها، وإنما المهم في الظرف الراهن هو ما نواجهه من وضع خطر، وخطير يواجه "سوريا" يقتضي تغليب المصلحة الأساسية "لسوريا"، وخاصة في هذه المرحلة التاريخية، وليس من حل إلا في "التنحي وحقن الدماء، والانتقال للحل السياسي والمرحلة الانتقالية التي تحفظ سوريا وتبعد عنها كل ما أراده لها أعداؤها، من تطرف واقتتال ودولة فاشلة" سوريا على أهبة الانفجار أكثر مما هي عليه، وسوريا غدت ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية، وسوريا مسكونة بكل المصالح والهواجس والأطماع، الاقتصادية والروحية والسياسية، وهذا ما قد تجده، أو يبرره من حولك، لعدم التنحي عن السلطة، لكن ذلك ورغم صحته، ثمة زمن ورجال في سوريا، يمكن أن ينقلوها إلى بر الأمان، ويفوتوا الفرصة على كل من راهن على ضياعنا وإلى الأبد.
نهاية القول يا ابن بلدي: ستجد منذ اليوم من يدفع سوريا لمزيد من الدم والحقد والاقتتال، وستصادف مغررين ومغرورين، وستأتي وفود وتصلك رسائل، كلهم يسوقون الانتصار ويقولون لسيادتك أنك هزمت أكبر قوة في العالم وأن حلف المقاومة انتصر وتراجعت قوى الشر والطغيان، وستسمع وترى بشراً وأشباه بشر، لا يهمهم سوى الانبطاح والمكاسب ودفع سوريا لنهاية الخطة المرسومة، وهي التدمير والتقسيم . وقلما، بل أجزم أنك لن تسمع قول حق وعقل، ولن أزد سوى من خلال تذكيركم بما مرّ عليكم خلال الأسبوع المنصرم، ابتداء من تذبذب الموقفين الروسي والإيراني والاستعداء من الأشقاء، لأن جميعهم يبحثون عن مصالحهم، وهذا من حقهم، ولكن من حقك ومن حقنا عليك، التصرف على عكس ما يتوقع الجميع، وهو ترك السلطة وأنت في موقع القوة النسبية، وقتها، ووقتها فقط، ستؤكد للجميع أن سوريا والسوريين أولاً.
أكيد التنحي عن كرسي وسلطة ليس بالأمر الذي يمكن لأي ذوي مسؤولية تركه، وأكيد ستواجه بمن لن يقبل بهذا الحل ولو وصلوا للغدر بكم، لكن التاريخ لا يأخذ بالأعذار عندما يسجل مواقف ورجالات، على أن لا يكون التنحي بشكل يمكن أن يشعل البلد في واقع التربص بأهليها، بل على نحو يليق بتاريخنا جميعاً، تنحي على الملأ وبضمانات للجميع،
تنحَّ لمجلس حكم لمجلس أمة لمجلس عقلاء أو لأي من يجمع عليه أو عليهم السوريون، تنح عبر خارطة طريق تحدد خلالها كامل تبعات المرحلة الانتقالية بما في ذلك المحاسبة تحت أقواس المحاكم، كي لا تنزلق سوريا في طريق اللاعودة..فوقتها ستكسب أنت ويكسب الجميع إلى الأبد.
من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية