خص الكاتب سامر رضوان صاحب "الولادة من الخاصرة" جريدة "زمان الوصل" بنص رسالة يكشف فيها بعض جوانب الحملة المسعورة التي طالت العمل الذي عرض في رمضان 2013 كشف من خلالها الرضوان بعض التفاصيل التي أدت لإعتقاله والتي حاول النظام إظهارها على خلفية دعوى جنائية، كما كشف الرضوان - ووعد بالمتابعة - تفاصيل تخص تعديلات على النص وحذف بعض المشاهد من قبل مخرج العمل :
رسالة إلى الأصدقاء وشركاء العمل والمشاهدين
لا أعرف ما مدى ضرورة هذه الرسالة في هذه اللحظة الساخنة التي توشك فيها بلادنا على الانتقال من قهر الطغاة إلى قهر الغزاة، لكني أقدمها كمرافعة للذين ساورتهم الشكوك بأنني يمكن أن أقدّم على فعل لطالما جرّمته في أعمالي.
حينما انتهيت من كتابة الجزء الثالث من مشروعي "الولادة ومن الخاصرة"، والذي حمل عنوان "منبر الموتى"، كنت موقناً أنني لن أنال رضا فئة ليست قليلة من السوريين ، في ظل الانقسام الحاد الذي يشهده الشارع السوري، إلا أنني لم أبال، فالكاتب يقول كلمته ويمضي.
ورغم السيناريوهات التي رسمتها لردود الفعل، لم أكن أتوقع أن تصل الأمور إلى درجة دخول مخرج العمل في خطة أمنية تريد النيل مني، أو تبرّؤ أصدقاء مقربين من رسالة العمل بعد أن كانوا من المدّاحين المروجين لها، ولا تشهير بعض الصفحات المعارضة التي لم أتوان عن دعمها وتقديم المشورة لها، بعد الاعتقالين اللذين تعرضت لهما. وهذا ما سأوضحه بعد قليل.
1- سيناريو هزيل لتحويل الاعتقال السياسي إلى اعتقال جنائي
مررت بتجربتي اعتقال خلال هذين الشهرين. الأولى كانت اعتقالاً أمنياً صرفاً، أما الثانية فكانت توقيفاً جنائياً مغلفاً بصورة أمنية. فبعد الحديث في السراديب عن أن نص "منبر الموتى" يحمّل النظام مسؤولية ما حدث من عنف في البلاد، وبناء على رفض الرقابة السورية للنص غير الحقيقي الذي أرسلته لهم (هذا نوع من الاحتيال الرقابي يمارسه أغلب الكتاب للحصول على وثيقة تسمح بالتصوير إذا كان هناك محظورات رقابية مخابراتية لديهم)، تقدم قسم الرقابة بما يشبه التقرير الأمني للمدير العام، وعلى أساسه تشكلت لجنة ارتأت تأجيل إنتاج النص بشكل مخالف للقانون، فنحن لم نطلب منهم تحديد زمان التصوير، أو مشورتهم في إنتاجه، بل طلبنا الموافقة على تصويره ، لذلك تهربوا من الإجابة بعبارة: "ننصح بالتريث في إنتاجه"، وهنا بدأت الأقاويل تتكاثر وبطريقة مفزعة عن فحوى النص وأنه سيسقط النظام في الحلقة الأخيرة.
هذا ما جعل النية تعقد لاعتقالي جدواها البحث عن مدى مصداقية ما يشاع... وللصدفة البحتة تزامن هذا الموضوع مع تقرير أمني دبجه مخبر اسمه محمد عمر (مجرد سمسار عقارت محتال يتعامل مع المخابرات ويدبج تقارير بكل من يشتري منه بيتاً للتخلص منه، بدعم من ضابط مخابرات كبير)، يدعي فيه أنني خطفته وضربته ببندقية حربية، وتسببت له بعجز في كليته تجاوز الثلاثين بالمئة، بعد أن تراجعت في اللحظة الأخيرة عن قتله.
هنا صار المبرر متاحاً للجهاز الأمني كي يعتقلني. ولكن بعد جلسة التحقيق الأولى اكتشفتُ أن المسألة ليس لها علاقة بهذا التقرير، وما هو إلا حجة كي يتم اعتقالي بطريقة تفقدني أي تعاطف شعبي، خاصة أنني متهم بقضية جنائية، فلم يتم سؤالي عن أي خطف أو ما شابه، بل سئلت عن تحريضي على التظاهر، وعن التوقيع على بيانات ضد النظام، وعن تخلفي عن الخدمة الاحتياطية، وعن صياغة البيان الختامي لمؤتمر المعارضة الذي أقيم في القاهرة، مع أنني لم أشارك فيه لا من قريب أو من بعيد.. وقد كتبت ذلك مباشرة على صفحتي في الفيس بوك في حينه.. وتساءل الأصدقاء وقتها: ما علاقة المخابرات بضرب سمسار أو خطفه؟ ولماذا يوضع الاسم كمطلوب أمني على الحدود السورية؟
عندما أخذ الموضوع أكبر من الحجم الذي توقعه من اعتقلني، وبتدخل عدد من الأصدقاء تم الإفراج عني بعد أن دامت فترة الاعتقال أحد عشر يوماً... فقط لأن هذا الفعل لم يعد مجدياً، حيث أعاد الجهاز الأمني أو مفرزاته خطأهم الفادح في ضرب الفنان علي فرزات سابقاً، واعتقال الفنان يوسف عبدلكي والكاتب فؤاد حميرة لاحقاً، بالإضافة إلى الحملة الكبيرة للمطالبة بالإفراج عني من قبل نشطاء الثورة والصحافة والأقنية التلفزيونية، ناهيك عن أنه ليست هناك تهمة مباشرة يستطيعون إثباتها، فكان لا بد من شكل آخر للتذاكي في تلفيق تهمة، ونقل الاعتقال من المعنى السياسي بما يحمله من حرية رأي ومناصرة للشعب المنكوب، إلى الاعتقال الجرمي الوضيع. ..فاستيقظ وبقدرة قادر محضر الشرطة الذي لفقه المخبر محمد عمر منذ ما يزيد عن ستة أشهر.
حدث الأمر بتدخل من مذيع في التلفزيون السوري، وضابط برتبة رائد في الأمن الجنائي، حيث تربصت بي دورية اقتادتني بعد خروجي من أحد المطاعم في دمشق إلى فرع الأمن الجنائي بباب مصلى، لأكتشف بعد أقل من ساعة أن الدعوى برمتها ليست من اختصاص الأمن الجنائي بمدينة دمشق، بل من اختصاص الأمن الجنائي بريف دمشق، مما وضّح لي أن هناك نية مبرمجة وممنهجة للنيل مني ومن سمعتي.
بدا السيناريو الأمني للضغط على القضاء في توقيفي واضحاً، من خلال التلاعب بموعد الاعتقال على سبيل المثال. كما أن قاضي التحقيق اكتشف أن التقرير الطبي المقدم من قبل المخبر المذكور ممهور بختم طبيبة توليد (؟؟!!)، وخلال إجراءات إخلاء السبيل حضر عدد من الشهود على الواقعة، وحضر محمد عمر ومعه ضابط مخابرات برتبة مقدّم إلى القصر العدلي، وقام (أي الضابط) بتهديدهم أمنياً واعداً إياهم بالاعتقال في حال شهدوا لمصلحتي، وكل ذلك علانية وعلى مسمع من أسماء سأذكرها في حوار تلفزيوني بعد قليل، ورغم ذلك لم يستطع القاضي إلا أن يعتذر مني لما حاق بي من أذى وأخلى سبيلي، بعد أن أمضيت خمسة عشر يوماً كموقوف جنائي.
الغريب أن بعض المستكتبين الصغار، من صحفيي الموالاة، كتبوا مواد مسيئة لي اعتمدوا فيها على ما قاله هذا المدعي ومن يقف وراءه، دون الاتصال بي أو محاولة استبيان الحقيقة أو على الأقل وجهة النظر، حتى أن صحفياً يعمل في جريدة "الوطن" السورية قال لي: لقد جاء إليّ المدعو عمر وعرض مئة ألف ليرة سورية، لأكتب مقالاً أنك أصبحت في السجن.
2- بين النص والإخراج
أقدم اعتذاراً من جميع من تابع "منبر الموتى"، وأعتبرهم محقين في توجيه نقد عال لبنية الحكاية ولنصي ولشخصي أحياناً، فهم معذورون لأن لهم ما يشاهدونه على الشاشة، وليس ما كتب على الورق وكيف تمت صياغة النص. لقد قام السبيعي بحذف مشاهد كثيرة من العمل أدت في النتيجة الإجمالية إلى خلل في البنية الدرامية للعمل، وللمقولة التي أردتها من خلاله، ولم يكتف بذلك بل تجرأ على تأليف مشاهد مسيئة، كمشهد النهاية لشخصية أم الزين الذي انتقدني الكثيرون عليه ظناً منهم أنني يمكن أن أخطأ بحق أي من أهالي محافظة حلب، وتصويرهم كخدم يعملون في بيروت.
لم يضع النص الورقي العبارة الافتتاحية التي تسبق الحلقات وتقول إن العمل محاكاة لا توثيق، وإذ كانت الجملة حقيقية من حيث المبدأ، إلا أنها ليست لغتي، ولا يمكن لي أن أكون ركيكاً في عبارة بالغة الشهرة قلما تخلو منها رواية تتناول الواقع. هذا أولاً.. ثانياً لم أكتب أي مشهد أو لقطة في الفوتو مونتاج لها علاقة بمشهد مؤرشف وهذه السقطة قادها المخرج بامتياز، وللعلم أنني لم أكن أنوي الحديث عنه وعن إخراجه الفذ إطلاقاً ...نتيجة وعود قدمتها للشركة المنتجة، إلا أنه وبصورة مفاجئة فتح علي النار في جريدة "الأخبار" مستنداً هو ومن معه، أنني سأُستفز وأردّ مبرئاً إياه أمام النظام، وإذا كان هذا هدفه فيمكنه الحصول على صك البراءة دون كل هذا العناء، ودون الدخول ضمن حملة أمنية منظمة أرادت تحويل الاعتقال السياسي التي تعرضت له إلى اعتقال جنائي...ودون توجيه شكر للدولة التي يخطب ودها.
فجعت أن السيد المخرج لم يستطع أن يظهر الحد الأدنى من الفهم لطبيعة المشاهد المكتوبة، والنتيجة أن المشاهد غير المتخصص هو من قال واكتشف أن الإخراج أقل من أن يمنح هذه الصفة. ولم أكن أتخيل في يوم خوض معركة مع رجل هو عبارة عن كتلة أرباع، فهو ربع مخرج، ربع مغنٍّ، وربع ممثل.
3- الموقف الذي لا يتجزأ
كنتُ مع الثورة منذ اللحظة الأولى، وشاركتُ في كل ما أمكنني المشاركة فيه، كمواطن سوري أولاً وآخراً، والعمل في سبيل التغيير لما فيه خير وكرامة الناس، رغم تحفظاتي على الانحرافات الكثيرة التي طالت الثورة.
وأظن أن السعار الضاري الذي أتعرّض له ربما يأتي على خلفية طائفية حسب رأي الكثير من الزملاء والأصدقاء ، فالنظام يريد معاقبتي، والسخفاء في الثورة يتساوقون معه في هذا، رغم أنني حريص على ترك مسافة نقدية مع جميع التيارات والمواقف بما يسمح لي بممارسة دوري ككاتب حرّ، لا يغض النظر عن الأخطاء أياً كان مرتكبوها. ولا أعتقد أن مهمة أي كاتب تخرج عن هذا السياق.. ثم إنني لم أقدم نفسي في يوم من الأيام كمعارض أو محب للاعتقال أو بوق أيديولوجي لأي فصيل سياسي أو عسكري، أنا كاتب، ولا علاقة لي بأي بيان سياسي لاذع توقع البعض أن يراه في "منبر الموتى".
سأكتفي باعتبار هذه المرافعة مقدمة لأشياء كثيرة ستُحكى، وهي جزء من كلّ قادم، بغض النظر عن ظرفي الخاص وما تعرضت له فهذه مسالة شخصية قد لا تعني أحداً، لكن أن يتجرأ ربع موهبة على البدء بإطلاق النار عليّ بالرغم من مجزرته بحق عملي.. فهذا جزء من معركة أخلاقية لن أتركها أبداً .
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية