أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بشارة: مصر تتحول من "شرعية الشعب" إلى "شرعية الشارع"

في مقارنة له بين أحداث 25 يناير/2011 و30 يونيو/2013 في مصر رأى د.عزمي بشارة أن تظاهرة 25 يناير كانت حركةً احتجاجيَّةً ضدَّ ممارسات الشُّرطة والأمن التي تبدأ بالضَّرب والتَّعذيب والاعتقال التَّعسُّفيِّ، وقد تنتهي بالقتل الذي يسبقه الكذب، ويتبعه الكذب أيضًا، معتبرا أن القتل والكذب توأمان في عرف أجهزة الأمن في أنظمة الاستبداد.

وفي 30/يونيو كانت أجهزة الأمن نفسها؛ إذ لا شيء فيها تغيَّر، لا في السِّياسة والممارسة، ولا حتَّى في الإخراج. وقد ثبت ذلك مرَّاتٍ عدَّةً من خلال ممارساتها في المرحلة الانتقاليَّة، وتُوِّج ذلك في المجزرة الرَّهيبة التي رافقت عملية فضِّ اعتصام رابعة العدويَّة في 14 آب/ أغسطس، وما تلا ذلك من ممارسات.

وقال بشارة إنه من حقِّنا أن نفترض أنَّه بما أنَّها لم تتغيَّر، وبما أنَّ التَّحرُّك الشَّعبيَّ الأوَّل في 25 يناير كان موجَّها ضدَّها، فإنّ بقاءها من دون إصلاحٍ هو إفشالٌ لأحد أهمِّ أهداف الثَّورة، وإنَّها إذا تحرَّكت فإنَّما تتحرَّك ضدَّ هذه الأهداف.

ولخَّص الفرق في أنَّه لم يعد بوسع تلك الأجهزة، من حيث الصّوغ، أن تفعل ذلك من دون تعبئةٍ "الشَّارع" وتجييشه، وذلك لأنَّ ثورة 25 يناير جاءت بكائنٍ جديدٍ اسمه "شرعيَّة الشَّعب".
واعتبر بشارة أنه ومنذ أن تجسَّدت شرعيَّة الشَّعب في مؤسَّساتٍ تمثيليَّةٍ منتخَبةٍ، حوَّلت القوى السِّياسيَّة المعارضة "شرعيَّة الشَّعب" إلى "شرعيَّة الشَّارع"، مضيفا أنها احتاجت أجهزة الدَّولة التي لم تتغيَّر إلى "شرعيَّة الشَّارع" لكي تتحرَّك ضدَّ سلطاتٍ منتخَبةٍ تمثِّل "شرعيَّة الشَّعب" الدِّستوريَّة. 

وأشار إلى أنه "من سخرية التَّاريخ" أنَّ القمع من دون مثل هذه الشَّرعيَّة يكون أقلَّ خطورةً من القمع الذي يستند إليها، فالأوَّل قمعٌ سلطويٌّ؛ والثَّاني قد يتحوَّل إلى قمعٍ فاشيٍّ يعبِّئ الشَّارع قاصدا توجيه قطاعات المجتمع كلِّها في خدمة الهدف نفسه، فهو لا يترك النَّاس وشأنهم، بل يحاول أن يغيِّر مفاهيمهم بوسائل الدِّعاية المعروفة؛ وأهمُّها التَّحريض وشيطنة الخصم القائمَان على صناعة الكذب والشَّائعات وتشوية السُّمعة، وغالبًا ما يُستعان باستثارة المشاعر الوطنيَّة ضدَّ الأيدي الأجنبيَّة والمؤامرة لتخوين الآخر.

وعزا بشارة حشد "شرعيَّة الشَّارع"، إلى عدة عوامل منها تفرُّد الإخوان بالحكم من دون خبرةٍ، ومنها أيضًا تجنُّد عوامل الثَّورة المضادَّة في الإقليم كلِّه لمساعدة جهاز الدَّولة وفلول نظام مبارك على إفشال التَّجربة الدِّيمقراطيَّة عمومًا، لا تجربة الإخوان وحدها. وأوضح أن قطاعاتٍ واسعةً عملت على تجهيز الشَّارع لهذا الدَّور؛ بعضها بدافع التَّضرُّر من حكم الإخوان، وبعضها الآخر بسوء نيَّةٍ، كالمتضرِّرين من ثورة 25 يناير، مشيرا إلى أن الطرفين اجتمعا لخلق شرعيَّة الشَّارع التي احتاج إليها الأمن المصريُّ بأجهزته - وعلى رأسها الجيش- لكي يقوم بالانقلاب. 

وتطرّق مدير المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات إلى دور الإعلام الخاص والدَّعم المالي الخليجي بكثافةٍ لإنتاج التَّعبئة الإعلاميَّة وترويج أجواء الفشل والتَّشاؤم اللازمة لذلك، لافتا إلى أن أحزابا معارضة للإخوان عملت على إزالة الحظر على التَّعاون مع الفلول ضدّ الإخوان، لأنَّه "لم يعد هنالك منذ اليوم فلولٌ"، أي منذ أن أصبحت جماعة الإخوان المسلمين العدوَّ الرَّئيس.
ورأى المفكر الفلسطيني أن أمورا جوهريَّة غابت عن النِّقاش المتعلِّق بتسمية الأحداث الواقعة بين 30 حزيران / يونيو و3 تموز/ يوليو 2013 التي تجمعها في حدثٍ واحدٍ رغم أنف الكثير من المشاركين في 30 يونيو الذين لا يؤيِّدون ما جرى في 3 يوليو، مؤكدا أن بعضهم يعتقد أنَّ 30 يونيو شهد خروج حركة شعبيَّة، في حين وقع انقلابٌ عسكريٌّ في 3 يوليو. 

وعرّج على ما أسماه "نقاشا سفسطائيّا" بشأن هذين الحدثين الاثنين: أهما يشكِّلان ثورةً أم انقلابًا، مبينا أنه خلاف "لا يُحَلُّ بالاتفاق على معنى المفهوم، ولكن بالتَّوافق على الموقف، و"لا علاقةَ للتَّسميات بتوافر مقوِّمات هذا الاتفاق أو عدمه". 

وقال إنه "في إسرائيل مثلًا، يستخدم مؤيِّدو ما جرى في مصر من خلعٍ للرَّئيس وملاحقةٍ لتنظيم الإخوان المسلمين مصطلح انقلابٍ في وصفه، ومع ذلك فهم يؤيِّدونه؛ وذلك لأنَّ وصْف انقلابٍ عسكريٍّ لا يعني في نظرهم حكمًا معياريًّا. فهم يسمُّونه انقلابًا لأنَّه انقلابٌ، ويمتدحونه لأنَّه يضع حدّا للمدِّ الإسلاميِّ، وللمدِّ الدِّيمقراطيِّ نفسِه أيضًا، بحسب رأيهم. وهم يرون أنَّ هذا مفيدٌ لإسرائيل، بغضِّ النَّظر عن نوايا الفاعلين، ويُجمِعون على فائدته هذه، ويسانده ساستُهم، ويضغطون على الغرب لمنع محاصرته."



(174)    هل أعجبتك المقالة (179)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي