أينقلب سحر أردوغان على الساحر؟!

لم يك لتصفير الخلافات مع الجوار وتوسيع الدور الإقليمي لتركيا الأردوغانية أن تكللا بنهضة اقتصادية داخلية وإدارة الوضع الإقليمي، لولا التغطية الأمريكية، أو المباركة في تسويق "العثمانية الجديدة"، فصياغة العلاقات على مبدأ المصالح المتبادلة، بما لا يضر بتكريس مبدأ الأقاليم المتجانسة عرقيا وثقافيا واقتصاديا، هو نقطة الانطلاقة التي وحدت الرؤيتين في أنقرة وواشنطن، وأعطت للعدالة والتنمية الضوء الأخضر، حتى في الانقلاب على الشعار الأتاتوركي "السلم فى الوطن والسلم فى العالم" الذي احتفظ "بالتحديثية" لأكثر من ثمانين عاماً، لتحرك تركيا الجديدة ملفات مؤجلة-رغم تصفير الخلافات- إن بدأت مع العدو التقليدي اليونان لن تنتهي عند الولاية الواحدة والخمسين "إسرائيل".
حتى بدأ الربيع العربي، الذي سيغير-على ما يبدو- من التكتلات ومن إعادة رسم الخارطة السياسية الدولية، وليس الجغرافية والعرقية في منطقة الشرق الأوسط فحسب.لأن التبدلات اللامحسوبة، من الثورات المضادة، وإن بظواهرها وتكتيكها على الأقل، توحي أن الرهان على الحصان الناجي، إذ لا رابح الآن، قد يعد ضربا من التنجيم وربما المقامرة.
رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي عهد عنه حسن اختيار الرهان، مذ وصول "العدالة والتنمية" للسلطة عام 2002 بدأ هذه الآونة، أو هكذا يبدو، يعدد رهاناته، إن لم نقل خياراته، إن ليس لإبعاد تركيا عن ربيع قد لا يبقي ولا يذر، بعد أن لوّح حزب الشعب الجمهوري عبر إيعازات إقليمية، في احتجاجات وصفت بالرسالة القاسية، فعلى الأقل ليقول لمن يهمه الأمر، إننا ديقراطيون وإن عصفت رياح التغيير على تخوم"الإمبراطورية العثمانية" وهزت بعض أوتاد دعائمها اقتصاديا وسياسياً، ولنا تحالفاتنا التي سيؤكد التاريخ صوابية توجهاتها، مهما أعاقت الجغرافيا من توقيت الوصول.
وليبقَ محتفظاً بحقه في "خرق الدستور" الذي أخذ تغييره شعاراً انتخابياً عام 2011 لما قد يخرج عن المتوقع، ليس لجهة نسف علمانية الدولة التي بدأت تسير بسرعة نحو الأسلمة فقط، بل ولجهة تفصيل دستور جديد يتيح لأردوغان الترشح مجدداً، ولكن لمنصب رئيس الدولة هذه المرة، بعد أن يغيّر، حتى من شكل الحكم في الدولة.
كل ذلك ليس بالمفاجئ لمن يراقب أداء الدولة التركية التي وصلت لمنصات التتويج الاقتصادي والدبلوماسي بخطى سريعة، لكن المفاجآت بدأت تتالى، فمن الرهان والدعم للثورة السورية ومن ثم الانحناء أمام العاصفة "الأمروروسية" وصولاً للموقف من "الانقلاب العسكري" على الرئيس المصري الإخواني المنتخب محمد مرسي.
اليوم، لم يعد أردوغان يتحسب كما كان أيام كتب مهندس العلاقات الخارجية أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجى: مكانة تركيا الدولية" فالفرز الذي لف المنطقة، دفع تركيا لما بعد الطلب من الأمم المتحدة والجامعة العربية لوقف "المجازر" التي يقوم بها الجيش المصري، بل إلى التلويح بالتدخل غير المباشر والذي بدأ باحتضان احتجاجات ومهرجانات خطابية يومية، داعمة للإخوان ومنددة "بالانقلابيين والعسكر".
باختصار: تشهد حديقة الإطفائية في منطقة الفاتح باسطنبول -مثال ليس إلا- مهرجانات مختلطة مؤيدة "للرئيس المصري الشرعي" وبشكل يومي، تتخللها صلاة العشاء جماعة وخطب حماسية تلهب صدور المتحمسين لحكم إسلامي، إن لم نقل إخواني يبعد الرجس عن "خير أمة أخرجت للناس" ما دفع سؤال ماذا يريد أردوغان، يتوثب إلى شفاه كل مراقب يرى رجحان كفة "عسكر مصر" بعد دخول السعودية والإمارات إلى جانب الانقلابيين بقوة، وصمت، إن لم نقل مباركة المجتمع الدولي؟!.
هل تستعد أنقرة لمواجهة الحلف المعادي للإخوان وتضر بمصالح اقتصادية وسياسية بنتها لبنة تلو لبنة على مدى عقد من الزمن، وبالتالي تفتح باب "الاحتجاج العلماني" الداخلي على مصراعيه والذي لما يغلق بعد، إثر الشرخ مع دمشق وطهران وتحريكهما لأنصارهما من اليساريين والطائفيين الأتراك؟!
أم أن الهدف كما يراه آخرون يتلخص في تأديب الشعب التركي عبر جرعات من الديمقراطية الشكلية، بأن انظروا ماذا يتأتى عن الربيع والاحتجاجات، ولا ضير من التعبير عن الرأي والتأييد اللفظي، لتؤكد أنقرة حرية "الرأي والرأي الآخر" ؟!
بيد أن لواشنطن وما تراه لمستقبل "الإسلام" في المنطقة القول الفصل، فعدم تأييدها للانقلاب العسكري المصري-حتى الآن - واحتجاجها على الدم واعتقال قيادات الجماعة، هو ما أعطى -ربما- أردوغان مزيدا من التصميم على موقفه، أما إن "كوعّت" واشنطن مستقبلا، كما سرت العادة، فقد يكون رهان أنقرة على الحصان الخاسر، غيّر، على الأقل من مكاسب الماضي، وسرّع -أيضاً ربما- من ربيع خارج توقعات أردوغان وحزبه، أو بدد من "حلم تعديل الدستور" ليتحول لأتاتورك العثمانية الجديدة.
نهاية القول: أياً كانت دوافع "العدالة والتنمية" في تحركات أنقرة المضطربة حيال أحداث المنطقة، يبقى-الحزب - يتكئ على التأييد البرلماني شبه المطلق، إذ لا يمكن لأي من الأحزاب المشاركة" الشعب، والحركة القومية" أن تؤيد انقلابا على شرعية كما حدث في مصر، وإن أيدت القتل والإبادة في سوريا..كما لا يمكنهم السماح بإقصاء تركيا عن التدخل في رسم الخارطة الجديدة للمنطقة، سواء أكان أردوغان رئيساً للوزراء أو رئيساً للدولة، أو لم يكن، فحلم العثمانية يسكن الجميع، أكانت عثمانية حديثة أو أتاتوركية أو حتى إسلامية.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية