الكاتب المسرحي السوري عبد الفتاح قلعجي كان من أوائل الذين تنبؤوا باحتراق سوريا بالشكل الذي نشهده الآن، وذلك في مسرحيته (مدينة من قش) وخلاصتها أن مدينة ينتشر فيها الظلم والفساد والاضطهاد والرشوة والاستغلال ..الخ .. هي مدينة من قش تكفي شرارة واحدة لتحترق بكاملها.
وهذا ما حدث في المسرحية حيث يأتي جحا وحماره إلى المدينة ليصبح قاضياً، أرادته السلطة لعبة في أيديها، ولكنه يفاجئها بفضح أمر العصابة الحاكمة المؤلفة من الوالي والكتخدا مدير أعماله وزوجة الوالي ورئيس البلدية ورئيس الشرطة.. وشاهبندر التجار.
ومدينة من قش هي إحدى ثلاثة نصوص مسرحية تجريبية بعنوان ثلاث صرخات إلى جانب (هل قتلت أحداً) و(الليل جزار) أو (احذر إنه خطر) كتبها قلعجي ولقيت احتفاءً كبيراً على خشبات المسارح العربية، وقد حاول المخرج حسن عكلة أن يقدم (مدينة من قش) ضمن مهرجان المسرح الشبابي في حمص فقال له " أهل الخير" وهم من مسؤولي السلطة إن نصوص القلعجي ممنوع التعامل معها، فحمل النص وأخذ الموافقة عليه من فرع الشبيبة بدمشق، وعندما قدمه انبرى مخرج شهير قائلاً: من سمح لهذا النص بالدخول إلى المسابقة، كان يجب أن يراقب أمنياً، وخلاصة النص أن الكاتب يتنبأ بسقوط الإيديولوجيات التي تفرز الناس إلى قسمين متضادين: تقدمي ورجعي، ويرى قلعجي أن أمثال هذا المخرج الشهير هم أول الذين عبّدوا الطريق بهذا الفرز لما يجري الآن من سجن وقتل ودماء.
"زمان الوصل" التقت الكاتب المسرحي عبد الفتاح قلعجي وسألته عن حاسة التنبؤ في أعماله المسرحية، وما المعطيات التي استند إليها في استشراف ما ستؤول إليه سوريا فأجاب:
هناك معطيات موضوعية قائمة على دراسة الواقعين السياسي والاجتماعي، يعتملان في فكر الكاتب ثم يبرق منهما المتوقَّع كالتماعة وعلى شكل حدس داخلي.
في "مدينة من قش" الفساد يبلغ ذروته من القاعدة إلى القمة ومن الطبيعي أن يعقب ذلك حريق كبير.
في مسرحيتي "صناعة الأعداد" تنبأت بسقوط عاصمة عربية .. وسقطت بغداد. وفي مسرحيتي "كفر سلام" تنبأت بدمار يصيب المنطقة وحدث ذلك في حرب تموز 2006 وها هو يحدث الآن. وفي مسرحيتي "هل قتلت أحداً" تنبأت بسقوط الإيديولوجيات التكفيرية بدعوى التقدمية واليسارية ..الخ وقد سقطت.
فانتازيا الجنون
* ذكرت ذات مرة أن نصوصك ممنوعة بشكل غير مباشر في سوريا ما أسباب منعها رغم أن بعضها مطبوع في وزارة الثقافة على ما نذكر؟
للأمانة والموضوعية أنا لم أذكر ذلك، وإنما قلت: هناك في حلب من قال (أي: من مسؤولي الشبيبة) للمخرج حسن عقلة إن نصوصي ممنوعة، وذهب حسن إلى دمشق وأخذ الموافقة على نص لي وتبين أنها دعوى كيدية.
وللإنصاف أقول إن الرقابة في سوريا –في السنوات الأخيرة على الأقل- أخف بكثير عما هي في بعض البلدان العربية كمصر مثلاً، فمسرحيتي " فانتازيا الجنون" في مصر تعرضت للحذف والتغيير والاعتراض من الرقابة قبل دخولها مهرجان القاهرة العالمي للمسرح التجريبي.
إن جميع نصوصي وهي كثيرة والتي تقدمت بها لاتحاد الكتاب أو الوزارة وعددها حوالي (30 نصاً) تمت الموافقة عليها وطبعت ولم يحدث أي منع سياسي لأية جملة فيها بالرغم من أنها مشحونة بالنقد السياسي والاجتماعي الشديد.
لم أعد أخشى الرقيب
* ولكن الرقابة الفكرية والأدبية في سوريا تخضع لمعايير لا علاقة لها بالموضوعية والشفافية كيف استطعت التحرر من هذه الرقابة والتحايل عليها؟
المبدع لا يكتب مقالاً سياسياً مباشراً وإنما يقدم فناً هو في حقيقته أشد من أي مقال سياسي لأنه يقدم حياة مشخّصة، ولهذا ليس من الضروري أن يكون ما يقدمه فجاً مباشراً، المهم أن تصل الكلمة إلى الجمهور وبفنية عالية، في فترة الرقابة المشددة لجأت إلى " مسرح اللامعقول" وفي فترات تالية لجأت إلى مسرح حداثي تجريبى وجماهيري أيضاً.. لم أعد أخشى الرقيب فقد صار اسمي في جميع أرجاء الوطن العربي يدافع عني. لم يحدث أن رفض لي عمل في سوريا بدعوى الرقابة، والكاتب في سوريا، وخلافاً لما يصوره بعضهم، لديه هامش للتعبير لا بأس به.
*- كيف تتصور شكل الرقابة على الإبداع في سوريا بعد أن دفع الشعب السوري فاتورة باهظة ثمناً للحرية؟
- الشعب السوري اليوم يدفع الفواتير الواحدة تلو الأخرى تارة باسم السلطان والوطن، وأخرى باسم الحرية والديموقراطية، وثالثة باسم الخلافة.. أو بأسماء أخرى.
يا صديقي محررو هذه الفواتير المدنسة وحاملو خوابي الدم واللحم الإنساني وطباخو الرؤوس المقطوعة، في أغرب وأغبى وأقذر حرب شهدها التاريخ (بعد حرب راوندا)..هؤلاء جميعهم انحرفوا عن الطريق فهم يحملونها اليوم وبإصرار إلى مائدة الشيطان الأكبر.
إذا استمر الحال على هذا الانحراف المأساوي فلن تكون هنالك رقابة في المستقبل لسبب بسيط هو أنه لن يكون هنالك إبداع ولا مؤسسات للثقافة والإبداع.. كل شيء محرم.. وستعود سوريا إلى العصر الجليدي.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية