أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عن القتيل المدفون في حوض الورود على سطح منزله

إنها الثانية من فجر السبت في 2 شباط 2008. الطقس العاصف المثلج يلقي بحمله على منطقة إقليم التفاح، ومنها بلدة عين قانا. وبين دوي الرعد، تنطلق حشوة رصاصة (عيار 12 ملم) من فوهة سلاح صيد كانت على مسافة قريبة من رأس محمد حسن ملاح (47 عاماً) الذي كان يغط في نوم عميق، نتيجة تناوله عقاقير تخفف من آلام السرطان.
يُكمِل محمد حسين الملاّح، ابن عمّ الضحية، الرواية: «كانت زوجة القتيل عند الباب تنتظر ابنها ليُنهي فعلته المتفق عليها، وفي الغرفة المجاورة، تسمع الابنة صوت رصاصة واحدة وتبقى ملتزمة غرفتها بأوامر من والدتها وشقيقها. يكمل مطلق النار ما أقدم عليه بضربة من أنبوب معدني (قسطل) على الجهة الثانية من الرأس الذي فقد نصفه نتيجة الرصاصة التي أصابته وهشّمته. بعدها، يتعاون الابن ووالدته على نقل الجثة إلى السطح، بعدما لفّا الرأس بكيس من النايلون الأسود، والجثة بغطاء أبيض، تحضيراً لدفنها في اليوم التالي في أحد أحواض الورد».
أضاف ملاح: «ذهبت الزوجة بعد يومين من الجريمة إلى منزل صديق زوجها إسحاق مروة وأخبرته بأن أربعة أشخاص في سيارة مجهولة نادوا عند الحادية عشرة من مساء اليوم السابق زوجها، طالبين أن يلاقيَهم أسفل البيت. وادّعت أنه قال لها إنه سوف يعود صباح اليوم التالي، وأمرها بألا تخرج إلى الشرفة، لذلك لم تشاهد السيارة ومن فيها. أتى إسحاق وأخبرني بالرواية، واستفسرت من الزوجة فأكدتها لي. اتصلت بشقيقي في قوى الأمن الداخلي، فقال: اذهبوا فوراً إلى المخفر وقدّموا شكوى، ومن بعدها بدأت التحريات».
يؤكد جيران الضحية أنهم لم يشتبهوا في أي شيء غير طبيعي في المنزل المجاور. وبعد اختفاء الوالد، صار ابنه البكر علي يخرج بسيارة الـ«بيك آب» التي يجمع فيها الخردة، وكان يطلق عبر مكبر الصوت «صوت والده المسجّل على كاسيت منادياً على الخردة».
الأجهزة الأمنية تابعت تحقيقاتها ومراقبة المنزل. وقد لاحظ رجال من مخابرات الجيش أن زوجة الملاح صارت تصعد إلى سطح البيت أكثر من مرة في اليوم. هم أصلاً فتّشوا الحقل والبيت ولم يعثروا على أي أثر لجريمة وقعت فيه. ملاحظة أخرى لعناصر الأمن: بين أحواض الورد الثلاثة الموجودة على السطح، واحد صُبَّت فوقه كمية من الإسمنت وطُلي من جديد، وفي الجلّ القريب كمية من التراب يبدو أنها نُقِلت حديثاً إلى المكان. تقرّر تفتيش السطح. أول من أمس، حضرت قوة من مخابرات الجيش لتفتيش المنزل. وعند الاقتراب من أحد أحواض الزهور على السطح، انبعثت رائحة منه، فتقرر تكسيره. ظهرت الجثة وبدت كل معالمها الواضحة رغم مرور 33 يوماً على الجريمة.
خلال التحقيق ادّعى الابن والوالدة أنهما قتلا الوالد لأنه كان يتحرش بابنته التي أنكرت وجود أي تحرّش، بحسب ابن العم ملاح.
وأكد ملاح «أن الطبيب الذي كان يعالج ابن عمه البالغ 51 عاماً، من مرض السرطان، وخصوصاً بعد استئصال قسم من معدته، كان قد أخبر الزوجة بأنه قد لا يعيش أكثر من شهرين بسبب انتشار السرطان.
خلال 33 يوماً حاولت العائلة المكوّنة من الوالدة وعلي وسارة وشقيقهما الصغير المعوّق البالغ 7 سنوات، أن تواصل حياتها بشكل طبيعي. «لكن قبل ذلك كانت المشاكل على أشدّها بين محمد وابنه علي، وخصوصاً أن الأول يريد من ابنه عدم الغياب عن المنزل لفترات طويلة من الليل، والثاني كان يريد أن يعيش على هواه. أكثر من مرة طارده في الشارع، أكثر من مرة تدخّلنا للتوفيق بينهما. ابن عمّنا كان عصبياً ويريد لبيته أن يكون على هواه، لكنه كان يحب عائلته كثيراً.

 ربما زاد المرض من عصبيته في الفترة الأخيرة، لكن ليس إلى درجة تدفع بالزوجة وابنها إلى قتله وهو على شفير الموت»، يختم محمد حسين ملاح حديثه.
الزوجة والابن والابنة موقوفون على ذمة التحقيق.

 وحتى صدور حكم قضائي يثبت العكس، يبقى الابن وأمه بريئين، وللقضاء وحده كشف التفاصيل الحقيقية للجريمة.


الأبن يعترف ... ويمثل الجريمة .

االوالدة تعانق ابنها بين الأمنيين والقضاة (كامل جابر)


بعد 3 ساعات من الانتظار وتضارب المواعيد، ووسط تجمهر الجيران وحشد من أبناء بلدة عين قانا (إقليم التفاح)، وصل موكب القضاة والقيادات الأمنية، مقلّاً في سيارة للمساجين، المدعى عليه بجرم قتل والده ع. م. ووالدته م. ز. إلى بيت العائلة لتمثيل الجريمة.
استهلالاً، عملية معاينة لساحة الجريمة، داخل البيت، من القضاة وضباط قوى الأمن الداخلي، ثم أحضر المتهم ووالدته، وأدخلا إلى غرفة النوم، أمام سرير الوالد المغدور، حيث نفذت الجريمة فجر الثاني من شهر شباط المنصرم.
يتوجه المدعي العام في النبطية رياض أبو غيدا وقاضي التحقيق الدكتور فؤاد مراد إلى المتهم: «إروِ لنا كيف حصلت الجريمة»؛ فيرد: «بعيد منتصف الليل، أحست والدتي على نهوضي من الفراش، سألتني إلى أين؟ فقلت: إلى الحمام؛ فأحضرت البندقية وأطلقت النار على والدي بينما كان نائماً؛ فقتل على الفور، عدت وأخبرت والدتي فساعدتني على حمله قبل أن أنقله وحدي إلى السطح حيث دفنته في حوض للزهور». وبواسطة بندقية صيد غير محشوّة، مثّل الابن الجريمة المدعى عليه بها.
يسأل أبو غيدا الزوجة: «لماذا ساعدت ابنك وأنت كنت قد أبلغت عن اختفاء زوجك وتكتّمت على ما جرى؟»، فترد: «من خوفي على ابني». هل هناك مشاكل بينك وبين زوجك؟ فتقول: «كان مريضاً بالسرطان وأجريت له عملية؛ وعلاقته معنا كلنا في البيت لم تكن جيدة، معي ومع ابني وابنتي وولدي المعوق، مع الكل لم يكن منيح». ويسأل القاضي: «ماذا كان يفعل؟»، تجيب: «كان ظالماً والجميع يعرف هذا الأمر، كان قهاراً يضربنا ويخبطنا ويتحرش بابني وابنتي ويتحرش بي». ألم تكن هناك وسيلة غير القتل؟ وكيف ثبت لك ذلك؟ ترد: «لقد رأيته في البيت، في غرفة ابني». وهل ساعدت ابنك على نقل الجثة إلى السطح؟ تقول: «من خوفي على ابني سِرت وراءه خشية أن ينقلب معه، لكي أعاون ابني فقط على السكّيت. أكتفي بهذا القدر من الكلام وأتحدث خلال التحقيق». حاول أحد عناصر الدرك أن ينزع قبعة عن رأسها فوق حجابها، فمنعته. وقبل أن ينتقل ابنها إلى سطح المنزل لتمثيل عملية النقل طلبت من قائد سرية درك النبطية السماح لها باحتضان ابنها وتقبيله، فأعطاها الاذن بذلك، بعدما طلبت من المدعي العام عدم إصعادها إلى السطح: «أنا لم أصعد إلى السطح ولا أريد أن أصعد الآن»؛ فرد: «خليكِ هون».
فوق السطح روى الابن كيف نقل جثة والده ودفنه في حوض للزهور، ثم عمد في اليوم التالي إلى إحضار عامل بناء قام «بجبل 4 أكياس باطون وصببنا الحوض». وسأله القاضي أبو غيدا: «هل هناك أسباب غير تلك التي ذكرتها في التحقيق دفعتك للقتل؟

إن تكلمت يساعدك الأمر في التحقيق؟». فرد المتهم: «لا شيء جديداً أقوله غير ما قلته في التحقيق، وما تريده مني أقوله في التحقيقات». بعدها أنزل المتهم ووالدته وأعيدا إلى قصر عدل النبطية.

الأخبار
(237)    هل أعجبتك المقالة (215)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي