خمس نبوءات سياسية لسوريا قبل الحل
في سوريا، وفي سوريا فقط، لم تتلاءم الحقائق ولا الحقوق مع النظريات، سواء تلك المتعلقة بالسيرورة والسياق الطبيعي والمألوف للأشياء والأحداث، أو المرتبطة بالقوى والتكتلات والمصالح، أو حتى الحقائق المنطلقة من الروحانيات، فهل نغيّر الحقائق لتتواءم مع النظريات، أم ينتظر السوريون لطالما الله جل جلاله لم يستوِ على العرش بعد خلق الأكوان، إلا بعد ستة أيام.
ثمة خلط متعمد وآخر قسري وربما ثالث نفعي، يشوب الحالة السورية ما أبعدتها، مجتمعة أو فرادى، عن هدفها وغايتها وسرقت منها ملامحها كما سرقت من صناعها جلّ الآمال، وأعطت مبرراً للنظام ليتاجر بضعف وتشتت وتبعية المعارضة وللعالم المتربص، ليتنصل من وعوده واستحقاقاته ويقلب، ربما إلى الاتجاه المعاكس، والكلام هنا ليس لما بدأ يعتري الموقف القطري والبريطاني والإماراتي وغيرهم من تبدلات، بل تلك الدول مجرد أمثلة فاقعة، وربما ما خفي، لمواقف "أصدقاء الشعب السوري" أعظم.
ومبرر لمن كان إيمانه بالثورة والتغيير كإيمان "أهل خيبر" ليعودوا لدينهم ويبرروا" إنما نحن مستهزئون".
ومبررات أيضاً لكل من يبحث عنها لطالما الفترة ملائمة، الأسلمة والقومجية جاهزة كشماعة ليتعلق عليها أي انزياح أخلاقي.
لذا غدت الحالة شبه واضحة المعالم، ما يسهّل التنبؤ والاستشفاف بما يمكن أن يجري، ولو دخلت النبوءات في خانة"كذب المنجمون ولو صدقوا"، البداية من أن ما يجري في سوريا هو مؤامرة بالفعل، رسمها الغرب والشمال بعناية وبدأ النظام بتنفيذها، أو بوضع خطة التنفيذ الإلزامية التي توصل بدقة لسوريا المهدمة والمقتتلة والفاشلة التي يمكن قيادتها أنى شاء الرسامون وبعض المنفذين. وتابعت بعض أطراف المعارضة، سياسية ومسلحة بالتنفيذ، بعلم حيناً مقابل رشى أو كرسي، ودونما علم في معظم الأحايين، تحت ضغوطات ودوافع جلها مبررة إثر فسق المعارضة العالمة وإجرام النظام. - سوريا ستبقى للسلاح والمسلحين لردح من الزمن، قد يمتد لعشر سنين، خلالها، لا مكان للعقل ولا للوطنية، ولا من سبل للتفاهم بسوى السلاح، مضاف أن لا ضمانة لمن هم في الداخل على صعيد الأمن الشخصي، ولا لمن هم في الخارج على صعيد الكفاية أو الاستمرار بالإقامة، فما فعلته الشقيقة الكبرى بعد انقلابها على الديمقراطية، لجهة طلب تصريحات وموافقات لدخول السوريين إلى قاهرة المعز، قد تفعله تركيا إن استمر حزب الشعب ونجح في انقلابه على العدالة والتنمية.
أما النبوءة الثالثة فهي أن المعارضة السورية غدت كرة وفقدت دورها كلاعب، ومعروف في عرف اللعب، أن إبعاد الكرة لملعب الآخر، يقيك من هدف وخسارة، إن لم نقل يضمن لك الفوز واستمرار اللعب والاستعراض، فما عرته توسعة الائتلاف ومن ثم انتخابات الرئيس الجديد، إنما يجهز على بعض ما تبقى من آمال على الطاولة والكراسي والإغاثة..وربما أكثر - أما النظام فهو الآخر أرسل برسالته واضحة دونما غموض، أنا باق على ذهنيتي وغبائي ولن أتراجع، ولو لما فيه مصلحة من وما تبقى، ولعل في تركيب أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، مادة شهية لمن يهمه القراءة والمراجعة والاعتبار.
آخر النبوءات تتعلق بالثورة السورية بكامل مشهدها، فهي الحالة العربية الوحيدة التي يمكن اعتبارها ثورة، ببساطة، لأنها أحدثت انقلابا وتغييراً على كل المفاهيم والقناعات، وهدمت وستهدم ليتم البناء وفق مفهوم ثوري أصيل ونبيل ودائم، فهي لم تك كما شقيقاتها التي غيرت الرئيس وأبقت على النظام، أو استبدلت طربوش ديكتاتور متستر "بكرافة" علمانية لتأتي بآخر يختبء وراء "لحية" بل أكدت أن الشعب أراد الحياة وها هو يستجيب ويستعد لكل ما تحمله الأقدار.
نهاية القول: ستنتصر ثورة السوريين، أو في صيغة أدق انتصرت، إذ ليس شرطاً أن يكون بقاء النظام لأجل دليل غلبته، لطالما عرف السوريون طرقهم لكسر كل الحواجز التي تراكمت بعناية عبر عقود، بل ودفع كرمى لصمتهم واستساغتهم الذل، أكثر مما دفع لتعليمهم وإطعامهم. وشرط الانتصار على ما أعتقد، هو ما أثبته السوريون أمام امتحان التجربة، بقولهم لا لنظام الفساد والتوريث ولا لمعارضة المنابر وشهوانيي الدم..ونعم فقط لمن يشبههم ويعبر عنهم وعن اختلافهم بتوافق.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية