الثورة شيء رائع شريطة ألا تعتاش منها، وشريطة أن تنطلق منك وعليك لأجل الآخرين، وقد لا يكون من ضير، إن تأذيت ودفعت من الأثمان ما يفوق قدرتك على التحمل، بل ذلك هو الطبيعي والمتوقع في آن، على ألا يستفيد منها ومن خسائرك من يعلو صوته على صوتك لتتحول الأوطان إلى سلع والثورات إلى مزايدات وروادها إلى ظواهر صوتية.
كثر اعتاشوا من الثورة، وربما الأكثر من حققوا توازناً ومنافع جرّاءها، هؤلاء الأقرب للمشروع الدولي، الذي لم يتفق على شيء بشأن سوريا، سوى استدامة الحرب والتهديم، فيها ولها، وصولاً لاستحالة التعايش والدولة الفاشلة، وهو- المجتمع الدولي - يؤثر، بل ويناضل، لإبقاء الأطراف المتصارعة قوية، أو متقاربة القوى على الأقل، وقلناها مرة وقد يكون بالإعادة إفادة، إمبراطور البيت الأبيض على أهبة الاستعداد ليأتي بطائرة خاصة ويمد النظام السوري بدم، إن كان الأخير بحاجته ليستمر في تهديم البنى والإنسان ووهم الممانعة ودخول التاريخ من بابه الأوسع.
ويأتي الأمريكي، أو يرسل عبر وسطاء، إن تطلّب الأمر، دماً للمعارضة لتبقى قادرة على المواجهة والاحتراب وتغيّر هدفها الذي خرج لأجله أطفال درعا ونادت به حناجر حرائر بانياس، ويسعى هذا الأمريكي ومعه من يهمه الأمر، لتحويل الثورة إلى حرب أهلية تضيع معالم جبهاتها، كما تاه، حتى بنوها، في حدودها وأهدافها وغاياتها.
قصارى القول: جد مفهوم، وربما مبرر من منظور سياسي أو نفعي، ذلك الحرص الذي يبديه "أصدقاء الشعب السوري" على إطالة أمد الثورة وتغيير صورتها وتشويه من دخلها وحتى من ركب على صهوتها الواطئة للأسف، ففي ذلك نهاية"للربيع" وتفتيت لسوريا كجغرافيا، وتفتيت للحلم كبقاء وتعايش وتعظيم لمبتغى الأعداء الجوار من إمبراطوريات تعيش وهم الماضي، كالفرس والعثمانيين، أو كعدو يسعى أباطرته لشكل استعماري تاريخي جديد وإن تراجع حلمهم بالجغرافيا"من الفرات إلى النيل".
وقد يكون مبرراً أيضاً، سعي النظام لاستدامة الثورة ودخول الحرب متاهات الارتباط والروحانيات والطائفية، ففي ذلك الطريق الأمثل، وإن كان الأبهظ كلفة، لبقائه أولاً وتشويه الحالة الصوفية الراقية التي خرجت تنادي بـ"واحد واحد واحد الشعب السوري واحد" وبالحقوق والكرامة، ثانياً وليقعد على تلتها كقومي وممانع بالأقوال والنظريات، على الأقل، ثالثاً.
ولكن هل من مبرر لمن قام بالثورة، أو ادعى ذلك، لتستمر أوارها لتحرق كل الأحلام والمصائر.
حقيقة الأمر، وإن كانت-الحقيقة- في ذيل النحلة، ثمة من يؤثر كما النظام وجل العالم، على إطالة عمر الثورة، بل ويدفع ببطولة مراهق يدمي بنفسه، لتستمر وتجنح إلى الحدود القصوى من التشويه واللاعودة.
لماذا..ببساطة لأنها حققت له وجوده في واقع الاختلاط وعلوّ الصوت وفلسفة السلاح والارتباط والأمر الواقع، فالثورة أفرزت أباطرة على صعيد المال والسياسة والإعلام، ولولاها لم تتح لهم هكذا فرص لا يسأل مانحوها عن أي مؤهل وشرط، سوى ما يطلبه المنتفعون- نظام وأعداء بلبوس أصدقاء- من تحريف واستلاب وتخريف.
نهاية القول: تغوص سوريتنا في مستنقع اللاعودة بسرعة مخيفة، ويدفع بها كل من تبنى أحلامه على تهديمها، ليكتفي أصحاب الرأي والرؤية بالفرجة، محسورين ملومين، في واقع بات فيه الساعي ليقبض على حدود الوطن، ملتبساً و "كالقابض على جمرة ".
اليوم، ربما غير الأمس، وما كان لعنه في الماضي فرض كفاية، أصبحت المناداة به وربما تقديسه في الحاضر، ضرورة وفرض عين.
اليوم لابد من عقلاء و"لوبي" مثقفين ووطنيين ممن خسروا بالثورة ولم يعتاشوا منها، رجال سبق أن اختبروا بأهلهم ومالهم "ولم يبدلوا تبديلا" ليعيدوا بعض الأمور إلى نصابها، ليس على صعيد تسويق "ساسة" ربما لهم من الخبرة في كل شيء عدا السياسة ولا على صعيد وقف المشروع الإسلاموي الذي ينصب أرباباً على الأرض يعبدهم ويقتل باسمهم ولأجلهم سوريا والسوريين، ولا حتى من أجل عودة الأمل والحقوق والحريات، بل لأجل كل هذه الأسباب مجتمعة، فبقاء "الرجال" على حياد يوهم أصحاب الباطل أنهم على حق ويستمروا في تقديم الديمومة للنظام وسوريا مفتتة على طبق من ذهب...لمن يدفع أكثر.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية