"مصاصة متة" فرقة فنية سورية تضم عددا من الفنانين المحترفين والهواة، الذين اختاروا مقارعة النظام السوري من خلال فن "الدمى كاتور"، وهو فن يعتمد على تحريك الدمى في إيصال رسالة انتقاد صارخة لنظام استبدادي، قال رئيسه لقناة "روسيا اليوم" العام الماضي: "أنا لست دمية، ولم يصنعني الغرب كي أذهب إلى الغرب"!
ولكن فرقة "مصاصة متة" التي عملت منذ الأشهر الأولى للثورة السورية بشكل سري خوفاً من التصفية أو لاعتقال، وضعت رأس هذا النظام ضمن حجمه الحقيقي كما تقول، وحولته إلى "دمية" واصفة إياه بـ"الديكتاتور الصغير" و"الشبيح الأول".
ومن المقرر أن تشارك هذه الفرقة في مهرجان "الشباك" الشهر القادم في لندن، بعد أن قدمت عددا من العروض في بعض المناطق السورية المحررة، مثل مدينة منبج.
"زمان الوصل" التقت مخرج أعمال الفرقة وأحد الممثلين فيها، والذي آثر التخفّي وراء اسم "جميل الأبيض"، لدواع تتعلق بسلامته.
نشأت فرقتكم في وقت كانت القبضة الأمنية للنظام على أشدها، ألم تخشوا من الملاحقة والانتقام؟
-نعم بدأنا العمل في الشهر الثامن من بداية الثورة، كان هناك تخوف كبير من اكتشاف النظام للمجموعة خاصة أن مجموعتنا تضم فنانين معروفين إلى حد ما، ولذلك اتخذنا من تقنية الدمى أسلوبا؛ لقدرتها على حماية هويات الفنانين أمنيا، وهكذا اخترنا العمل بمنتهى السرية والحذر.
* كيف كانت فترة العمل السرية هذه، وفي أي ظروف، وأين وكيف كنتم تعرضون أعمالكم ؟
لازلنا نعمل إلى الآن بشكل سري، خاصة أن معظم أعضاء المجموعة ما زالوا في سوريا، أما فيما يخصّ ظروف العمل فقد تم تحضير كل شيء، من ملابس ودمى ونصوص في دمشق، ومن ثم جرى التصوير في بلد مجاور لسوريا.
إذن، كان التحضير يتم في دمشق والبروفات والتصوير في بلد مجاور، فأنت تعرف أن أي تجمع لفنانين وأجهزة تصوير قد يثير الريبة، لذلك تم اتخاذ قرار التصوير خارج سوريا.
وكل مرة كنا ننهي فيها التصوير، نعود إلى دمشق أو إلى أنحاء أخرى من سوريا، علما أن معظم الأشخاص الذين يعملون في الفرقة يعيشون داخل البلد، وأهاليهم أيضا، ومن هنا فإن العمل ما يزال سرياً إلى اليوم.
بيشو الصغير
*صممتم الدمى في سوريا ثم هربتموها إلى بلد مجاور، هل يمكن أن تحدثونا عن ظروف تلك الفترة، وكيف استطعتم إنجاز وتهريب هذه الدمى دون أن تلفتوا الانتباه؟
تم تصميم الدمى من أحد الفنانين السوريين وقمنا بتهريبها إلى الخارج عن طريق حملها وتغير ملامحها، مثلا شخصية "بيشو" تم إضافة الكثير من الشَعر وأشياء أخرى لتمر عبر الحدود دون أن تلفت الانتباه، في الحقيقة فكرنا بعدة طرق لتهريب هذه الدمى، ولكن في النهاية تم حملها بشكل طبيعي في كيس ونقلناها دون أن يتم اكتشافها.
لكن هذا لاينفي أن المهمة كانت محفوفة بالتوتر العالي جدا، وأعتقد أن ذلك اليوم كان من أكثر الأيام إثارة ورعبا لفريق العمل، خاصة أن العديد من أعضاء الفريق كانوا معتقلين سابقين لدى أجهزة النظام، ولديهم ذكريات سيئة عن ظروف الاعتقال في فروع مخابرات النظام.
*لماذا اخترتم الدمى وسيلة للتعبير عن أفكاركم ورسالتكم الفنية في مقارعة النظام السوري؟
-الدمى بحد ذاتها وسيلة ساخرة ومحببة للجمهور، ولنا في التراث العربي تجارب مثل خيال الظل وغيره، وجاءت السخرية لأن كل هذا العنف لايمكن مقاومته بغير الهزء منه وبالتالي تدميره من الداخل، بحيث تتحطم الهالة الكبيرة المحيطة بالدكتاتور، سواء كان "حافظ الأسد"، أو ابنه "الديكتاتور الصغير" من بعده، الذين صوروا أنفسهم كما الآلهة، وحظروا الاقتراب منهم بتاتا، لككنا فعلنا ما منعوه طول عقود، وتوجهنا إلى هذه الآلهة وحطّمناها من خلال السخرية والفكاهة والنقد اللاذع.
*ذكرتم أن أعمالكم تحاكي فن خيال الظل الذي عرفه تراثنا العربي، فما هو الخيال وما هو الظل في تجربتكم؟
أنا لم أقل أن أعمالنا تحاكي خيال الظل، قلت هناك تجارب عديدة في تاريخنا كانت الدمى فيها موجودة مثل "كركوز وعواظ" وخيال الظل، يعني أن الجمهور كان مهيأ لتلقي فكرة الدمى بشكل جيد، ومن هنا جاء القرار باختيار هذه الدمى وسيلةً للتعبير.
مشروب تقصّي!
*"مصاصة متة" اسم يدعو للاستغراب لدى من لا يعرف هذا المشروب، لماذا اخترتم هذا الاسم، وما دلالاته الرمزية والفكرية والفنية؟
-"المتة" مشروب شعبي في سوريا، ومنتشر على مساحة واسعة عند جميع الفئات السورية، وهو بنفس الوقت مشروب "تقصّي" يجمع الناس، حيث تحتاج جلسة المتة إلى اثنين على الأقل لشربها، والنظام السوري حاول تفريق الناس وعمل المستحيل ليمنع تجمع الناس في مكان واحد.
من هنا جاءت فكرة المتة كمشروب شعبي يجمع الناس ويحثهم على الحديث والنقاش، ومشروب المتة هو مشروب لكل السوريين باختلاف طوائفهم ومعتقداتهم وخلفياتهم الثقافية... إلخ
*ولكن -نوعا ما- هذا المشروب "المزاجي" ارتبط بطائفة معينة، وأصبح أداة للتندّر وخصوصاً مع انطلاقة الثورة السورية، فهل أخذتم هذا الأمر في اعتباركم؟
-هذا الكلام صحيح ولكن إن أمعنت النظر سترى أن شرائح واسعة من الناس في سوريا تشرب هذا المشروب، وما أردنا قوله أنه لا احتكار لأي شي، هذا مشروب سوري بامتياز مثله مثل أي مشروب آخر، أو فكرة أو مكان.
على فكرة، نحن لم نكن بصدد الكلام عن طائفة معينة أو تناول الموضوع من منطلق طائفي، ففرقتنا مثلا جمعت سوريين من جميع المشارب، والطوائف والجميع يشرب المتة.. "كلهن خزيت العين شريبة متة".. الشباب والصبايا.
* تعملون بشكل "تشاركي"، أي كورشة فنية، فإلى أي حد أسهم هذا الجانب في نجاح وتألق أعمالكم؟
السر الأساسي في إنجاح العمل يعود إلى انفتاحنا على مختلف الأفكار، التي يشارك الجميع في صياغتها ومناقشتها، وفي النهاية نصل إلى صيغة يتفق عليها الجميع، طبعاً مع الاحترام الكبير لرأي المخرج.
من "منبج" إلى "لندن"
*قدمتم أعمالكم في بعض المناطق المحررة ومنها "منبج"، حدثنا عن هذه التجربة وهل لاقت تجاوبا من جمهور مثقل بالأوجاع والهموم والآلام؟
-كانت تجربة ممتازة جدا وخاصة بالنسبة لمجموعة "مصاصة متة"؛ لأن الناس علمونا أن الحياة يجب أن تستمر، وأنه برغم الألم والأوجاع والموت وكل هذا العنف لازال هناك رغبة بالاستمرار، وأهم ماتعلمناه من الناس أن هذه الثورة هي "ثورة من أجل الحياة" وليست لأجل الموت، وأن الناس رغم كل شيء تعيش في تضامن وألفة وتعاون ويحاولون العيش بشكل طبيعي.
نص تفاحة
* لديكم دعوة لتقديم لوحاتكم الناقدة في بريطانيا قريبا، ماالذي تمثله هذه النقلة بالنسبة لكم؟
-طبعا هذه فرصة ثمينة لنقل صور من الثورة السورية إلى العالم الخارجي، وتحديدا وصف هول المجازر المرتكبة بحق الشعب السوري وأهلنا وناسنا، هي فرصة حقيقية ومهمة جدا ونحن سعداء لهذه الدعوة التي سنلبيها الشهر القادم.
وهناك أيضا معرض سيقام قريبا في "نيوجرسي" بالولايات المتحدة عن العمل، وهذا شيء مهم للغاية وخاصة بعد محاولات النظام المستميتة لتحويل الثورة إلى ثورة عنيفة متشددة ومحاولته لتقبيحها.
*ما مصدر تمويلكم، أي هل تعتمدون على التمويل الذاتي، أم إن هناك جهة فنية أو مؤسساتية تتولى هذا التمويل؟
-في الجزء الأول من العمل تم الاعتماد على الذات، ولكن في هذا النوع من الأعمال لايمكن الاستمرار من دون تمويل، خاصة لحاجتنا الكبيرة إلى مستلزمات العمل من أدوات تصوير، وإضاءة، وتصميم ديكور وتصميم ملابس وتكاليف سفر.
في الجزء الثاني تم طلب التمويل من جهات مستقلة عالمية مثل "هيفوس" وهي منظمة هولندية معروفة و"برنس كلاوس" وهي أيضاً هولندية.
هناك العديد من المجموعات الصديقة التي ساعدتنا بشكل كبير مثل: مجموعة "نص تفاحة"، مجموعة "الدب السوري" و "الشعب السوري عارف طريقه"، والكثير الكثير من الناشطين أيضا.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية