نيلسون مانديلا...كش مات

لا أعلم أتنشر هذه المقالة قبل أن يموت نيلسون مانديلا، أم يموت "ماديبا" قبلها، لكني أظن أن تاريخنا الحديث لم يعد ولوداً، وقلما يعيد نفسه لجهة هكذا هامات، خلقت لتكون زعامات وقدوة، وبفقدها نفقد لبنة –على الأقل– من بنيان آمالنا، ما يسرّع الخيبة بالواقع وربما المستقبل، ويزيد التأكيد أننا "في زمان رخو" .
قبل أي شيء، وللتذكير ليس إلا، مانديلا الذي حصد نوبل للسلام هو ذاته من قرر فتح المقاومة المسلحة بعد إطلاق النار على المتظاهرين، ولم يك نرجسياً، رغم مرجعيته الغاندية، ليقبل للورود والصدور العارية أن تواجه الرصاص وبراميل البارود والسكود. ..تبع جنوب أفريقيا طبعاً.
و"تاتا" نفسه من تنحى عن كرسي الحكم بعد خمس سنوات من حكمه (1994- 1999 ) رغم التأييد العارم لبقائه ودفعه ثمانية وعشرين عاماً من عمره، ثمناً لمقاومة الظلم و"سحق العنصرية"، أي لم يأت الرجل امتداداً ولا توريثاً، ولا حتى بتزكية على أنه مقاوم وممانع، أو لأنه يحب عمر موسى ويكره إسرائيل.
في ذكرى استباق رحيل هذا الزعيم العالمي والإنساني خيمت عليّ جملة من الهواجس، إن بدأت في دعوته للسلاح والرد بالمثل في وجه طغيان، ربما لا يفهم بسوى لغة النار. ومكوثه خمسة أعوام إضافية في السجن لرفضه وقف المقاومة المسلحة، ليقينه ربما أن من أدمن الكرسي والتسلط والفساد، لا خلاص منه إلا بالكيّ وإن كان أضعف الإيمان.
ولا تنتهي-الهواجس– عند حرماننا كعرب، من هكذا رموز، رغم سعينا المستمر-كشعوب– وراء المخلصين وفتوحاتهم، وإن القولية، من عبد الناصر مروراً بصدام وصولاً لخيبتنا بحسن نصر الله.
بيد أن الهاجس الجدلي الأهم، هل الحكام أقدار أم ترى "كما تكونوا يولَّ عليكم" وهل ولد فرعون فرعوناً، أم ثمة من فرعنه وآمن عبر التتالي والأوهام الروحية أنه إله، وهل تستحق شعوب المنطقة حكاماً وحياة توازي أحلامهم وحقوقهم قبل "أن يغيروا ما بأنفسهم"، أم ترى ضرس الأولاد نتيجة حتمية لأكل الآباء حصرم الذل وتسطيح العقول كحدوات حصان.
ليس من قبيل ضخ جرعة إضافية من التشاؤم والإحباط، فما تعانيه الشعوب المتطلعة للحياة من خذلان وخيبات إنما يكفيان لبناء أمجاد من هزائم، بقدر ما هي جرعة من أمل، فمن ناضل لأربعة عقود قضى معظمها سجيناً ومشرداً، نال في النهاية مأربه، فحكم بالعدل وتنحى طائعاً ووصل درجة رفض الجوائز والأوسمة وحار العالم، كل العالم في منحه الألقاب والتمثل بقيمه، وهانحن رغم ألاف الأميال، نتغنى بماضيه وفعائله وإنسانيته.
نهاية القول: هل لمعتبر من مقارنة ميتة الأخ الرئيس معمر القذافي ومن مصير الأخ زين العابدين بن علي، وما فعله الأخان علي عبد الله الصالح وبشار الأسد، مع نيلسون مانديلا، وألا يتشهى الحكام لميتة تبقيهم أحياء على مر التاريخ وتضمن الرفعة والاحترام لآلهم من بعدهم، بدلاً عن ميتتهم وهم أحياء، ورفض بطون الأرض ضم أجساد من فساد وخديعة ووهم، أو رميهم في مجاري الصرف الصحي بعد تخريبهم لكل البنى والهياكل والآمال، بل وحتى لإمكانية تعايش أنصارهم بعد أن يتركوهم يصارعون في مفاضلات، قد لا تكون مزابل التاريخ أرذلها.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية