مَنْ ومَنْ ومَنْ ولماذا....وإدلب مثالاً
الواقع على الأرض، أخطر مما يتوقعه الجميع، هكذا ببساطة دونما زيادة ولا نقصان، ولو في ذلك من الاستباقية والسوداوية وبث الطاقات السلبية في أنفس تتشهى الأمل، لتستمر لتكون، وإلا على الأغلب، ولشديد الأسف، لن تكون.
عرف النظام وبامتياز، وبمعونة ممن لا نتوقع ربما، كيف يحرف ويحرّف من انتفاضة شعب خرج على الظلم ناشداً الكرامة والحرية، وأوقعه بمساعدة من يهمه الأمر، في متاهات الأحقاد والفرقة، متكئاً- النظام – على تراكم في الذواكر وأحقاد وجوع للسلطة والتسلّط في الأنفس، فكان أن تغيّر الهدف والعدو وغداً من الاستحالة أن يُصلح العطار ما أفسده الشُطار.
إدلب مثالاً قد يكون الأبلغ، لا لميزة ذاتية لمدينة الزيتون، بقدر ما لكونها أول، أو من أوائل المحافظات التي تحررت، أو بصيغة أدق، وقعت في فخ أنها تحررت!!
ماذا يعني تحرير حاجز أو تحرير قرية أو حتى قرى وريف مدينة بأكمله، وهل الثورة خرجت لتحرر القرى وتتوه في غياهب وأصقاع سوريا، وتغرق في ملهاة أريد لها أن تغرق فيها، بعد أن تنبه النظام إلى خطورة التشظي فلملم نفسه وتمركز في مراكز المدن ليوقع غيره في خطأ تراجع عنه.
ماذا يعني تحرير إن كانت الأذرع النارية تصل إلى كل ما يقال أنه محرر، فهل يعني التحرير السيطرة على بعض المراكز والمؤسسات الحكومية، ولو من خلال إحراقها وتشريد الأهالي خوفاً من حمم الطائرات وويلات الفوّهات التي تطاول تلك المناطق المسماة محررة.
من قال إن إسقاط نظام متعالٍ وجائر يجب أن يمر عبر إسقاط الدولة وزرَع في قناعات الثوّار ملهاة التحرير، ليوقعهم في أخطاء من ثاروا عليه وحرمان غيرهم ما نادوا بداية فيه، والكلام هنا ليس بعموميته المطلقة، إذ من البدهي تحرير نقاط ومراكز تشكل نقاط قوة وارتكاز للنظام وتعيق وصولهم لبوابة القصر الجمهوري.
مَن أوعز لمنتفضي إدلب، بكل مكوناتهم وانتماءاتهم أن يتراجعوا عن متابعة السيطرة على بعض النقاط العسكرية والأمنية، وُيرسلون، أو معظمهم، تحت ضغط الإغراءات المالية ووهم الغنائم، إلى جبهة حلب أولاً ومن ثم إلى اللاذقية فالرقة، أليس في ذلك دليل على حرص، حتى من سلط الضوء على المناطق البعيدة على إبقاء تلك النقاط على قيد القوة واستمرارية القصف وبالتالي استمرار التهجير والقتل وبيع حتى ما كنا نتفاخر به من قيم وأخلاقيات وحتى أعراض.
من ذا الذي خلق هاجس التصوير وألزم وجود الكاميرا إلى جانب البندقية، بل قبلها أحياناً، فزاد من تضخم الأنا وربط المساعدات والدعم بشريط الفيديو، وهل "لقنوات الفتنة " أهداف لم نرها في بدايات الثورة، وتكشّفت تباعاً من خلال تكريس كل ما هو جدلي وخلافي وتسليط الضوء، وبتوقيتات حرجة، على كل ما يطلبه المجتمع الدولي الحريص على تهديم سوريا كحرصه على تغليب الثأرية والطائفية لنصل بأرجلنا لدويلات الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.
مَن آثر تمويل فصيل على حساب آخر وتسليح "لواء" وحرمان آخر و قوّى كتيبة وعتّم على سواها وخصص كاميرات وأحاديث، بل وألزم "محللين عسكريين" لتكريس كل ما من شأنه تأجيج النيران، ولو غطاها برماد كلمات كم حنَّ السوريون لسماعها من قبيل الانتصار والحقوق وحتى الكفّار.
تريدون أكثر..من أبقى على طريق "الفوعة القرداحة" مفتوحاً حتى تاريخه، علماً أن هذه القرية"الشيعية" محاطة ببحر من القرى والمدن "المحررة" لتُمد بالسلاح والمدربين الإيرانيين وتؤجج نيران الطائفية، بل وتكون كضارب ايقاع في فرقة موسيقية شيطانية، كلما لاح الهدوء والسكينة، تعيد نكء المآسي بقصف أو بخطف أو بقتل.
لماذا لم تنته مؤونة مدينة إدلب رغم حصارها ومن جميع الجهات بالمناطق"المحررة" وكيف صمد "شبيحتها" بعد مرور نحو عام على"التحرير"الكامل لريفها، ولعل الأكثر إيلاماً واستغراباً في آن، من يقايض مدينة إدلب باحتياجاتها ويقبض ثمن بقاء مافيها من مراكز قوى عسكرية تقصف وتعتقل وتقتل.
مَن خلق الأمراء وزرع في أنفس القادة هناك فكرة الجزر المنعزلة، فحال دون أي التقاء ووحدة لينتهوا من"تحرير" محافظتهم فتعود الأسر التي تهجرت وتكون إدلب بداية النهاية، مركزاً لحكومة مؤقتة ومنطقة عازلة وآمنة لطالما تدير ظهرها لتركيا، رغم عدم الأمان المطلق في إدارة الظهر لأي أحد في هذا الزمان المتقلب.
من يشتري أسلحة الآن في محاولة لمركزته في أيدٍ ذات أجندة وانتماءات محددة ويملأ مخازنه، وعندما يواجه بهكذا حقائق يقول علانية، معركتنا ليست الآن، بل بعد سقوط النظام؟!.
مَن يمنع بعض السلاح عن إدلب ويغدقه على مناطق أخرى ويترك الثوار والمقاتلين أمام حقيقة، نسرق ونستمر أو نكون لقمة سائغة للصقور الجدد أو فريسة ضعيفة لذئاب النظام؟!
من يتحمل وزر من تشردوا ومن قتلوا ومن انتُهكت أعراضهم، ومن يعلم كيف يتدبر السوريون عموماً والإدلبيون على وجه الخصوص أمور معيشتهم في واقع العقوبات الجماعية التي يمارسها عليهم النظام، والعداوة التي يلمسونها من الأشقاء قبل الجيران، وهل يظن من يفعل، أن للتاريخ ذاكرة ذباب مهما طالت الأزمة وأخذ النظام حقن استمرار.
خلاصة القول: في محافظة إدلب بعض نقاط قوة للنظام مازال يحتفظ فيها رغم كل ما قيل عن انتصارات وتحرير، أهمها وادي الضيف في ريف معرة النعمان ومعمل القرميد قرب أوتستراد اللاذقية أريحا ومعسكر الطلائع في قرية المسطومة وقريتا الفوعة وكفريّا، مضاف إلى ذلك مركز مدينة إدلب، فمن يمنع تحريرها ومن صاحب المصلحة في بقائها ولماذا لا تتحد القوى على الأرض للخلاص منها وإراحة أكثر من 800 ألف إدلبي لا يعرفون للاستقرار والراحة والعيش سبلاً، وهل من الصعب على المعارضة السياسية والعسكرية تخصيص يومين من وقتهما الثمين للبت بهذه القضية لتكون بداية عملية يمكن بعدها نقل المعركة إلى أماكن توجع النظام وتقلل من فرص قوته التي لاحت ساطعة في الآونة الأخيرة ...أم كلنا عملاء في إبقاء النظام وتهديم سوريتنا وإقامة إمارات وأمراء، وإن كنا لا ندري.
بيد أن كل ذلك لا يعني عدم إسقاط النظام، لأن من المشاهدات الملفتة على الأرض، أني رأيت آمالاً بحجم خضرة إدلب، فالذين زرعوا كل الأراضي هذا العام، سيحصدون دونما أدنى شك، نصرهم إلى جانب مزروعاتهم، فمن يبذل عرقه على أرضه وهو يزرع يجني غلة وفيرة، فكيف من سال دمه كرمى وطن.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية