فرك اليدين
صحيفة أمريكية تقول مالم تقله "واشنطن": "أفغانستان على نهر الفرات"

نظراً لأهمية ما يحدث في سوريا، قد يبدو من المحير أن الولايات المتحدة ما زالت على الهامش الى حد بعيد، في انتظار قرار يبدو بعيد المنال أكثر وأكثر مع مرور كل أسبوع. ولكن أصبح من الواضح لأمريكا، أن هناك طريقة أخرى للنظر فيما يحدث.
وبدأت حفنة من الأصوات في عالم السياسة الخارجية الغربية تعترف بهدوء أن الابتعاد لفترة طويلة عن الصراع في سورية لا يهدد المصالح الأمريكية، وبالتالي تركها باردة، بل يمكن لهذا الوضع أن يخدم الولايات المتحدة. قد يكون الأسد وحش وطاغية، حسبما يشيرون، ولكن هناك احتمال كبير بأن من سيحل محله سوف يكون أسوأ منه بالنسبة للولايات المتحدة. وطالما أن الحرب مستمرة، ففيها بعض الفوائد الواضحة لأمريكا: فهي تحطم إيران وحزب الله وحكومة الأسد، هؤلاء الأعداء التقليديون للولايات المتحدة في المنطقة.
إن أكثر الحسابات المصلحية البحتة تشير الى أن افضل حل للمشكلة السورية هي أن لا يكون هناك حل على الاطلاق، طالما أن مصالح الولايات المتحدة مستمرة.
إذا كان من الصحيح أن الحرب السورية تخدم المصالح الأمريكية، فإن هذه النظرة المزعجة تقود الى تساؤل أكثر ازعاجاً: حول ما يجب القيام به مع هذه المعرفة.
بغض النظر عن كيف يرى بقية العالم الولايات المتحدة، فإن الأميركيين يرغبون أن يروا أنفسهم بأنهم فاعل أخلاقي، وليس نوع من الأمة التي تقف صامته بينما بلد يدمر ذاته عبر حرب أهلية.
بما أن الوقت يمر، فقد بدأ النظر-وخاصة للمراقبين من الخارج- فيما اذا كانت أمريكا تترك الفرصة لحدوث تلك المجزرة التي تدفع لوضع نهاية الأزمة.
فرك اليدين
أما الآن، فإن النقاشات العامة في أمريكا حول التدخل تتخذ طابع "فرك اليدين بحركة مسرحية" والقول: يمكننا التدخل لوقف المعاناة ولكن من ناحية الظروف فهي خارجة عن إرادتنا: الأزمة المالية والمخاوف بشأن خليفة الأسد، والآثار المتخلفة عن الحرب على العراق". وقد يفسر هذا لماذا لا تشن أميركا غزواً مكلفاً.،لكنه لا يفسر لماذا لا ترسل المزيد من المساعدات إلى للمتمردين.
ان تحليلاً ميكيافيلياً للحرب في سورية يساعدنا في توضيح مجموعة من الخيارات المزعجة التي تواجهنا. فمن غير المحتمل أن أمريكا ستغير التوازن في سوريا ما لم يتفاقم الوضع والحرب الأهلية التي طال أمدها وتبدأ بتهديد مصالح الولايات المتحدة الأساسية بدلاً من الاستمرار الهادئ.
وإذا كنا لا نريد انتظار الأشياء لتصل لهذه الدرجة من السوء، حينها سيكون الوقت قد حان بالنسبة لقادة السياسة الأميركية لبدء الحديث على نحو أكثر تحديد وأكثر صراحة عن أن الجوانب الانسانية تغلب المصالح العارية لدولتنا.
بما أن الحرب الأهلية تدهورت نحو الدم والتدمير فقد ظهرت نداءات لتدخل عسكري تضغط على الولايات المتحدة للوقوف الى جانب أحد فصائل المتمردين المعتدلين والقيام بكل ما يلزم لدفعه إلى النصر.
الإنسانيون الليبرالية يركزون على القتلى وعلى ملايين النازحين عن ديارهم بسبب القتال، وقد حثوا الولايات المتحدة على دعم المتمردين. اليمين يريد التدخل لأسباب مختلفة، بحجة أن الآثار المترتبة على الأمن الإقليمي لانهيار سورية أخطر من أن يهملوها، فسوريا تحتل موقعاً استراتيجياً هاماً، كما أن أقوى فصيل بين المتمردين، جبهة النصرة، هو إحد التنظيمات التابعة لتنظيم القاعدة. وبالنظر إلى كل هذه الشواغل، فأن كلا الجانبين يشير إلى انها فقط مسألة متى وليس هل، ستنخرط الولايات المتحدة فيها.
"تسير سورية حالياً نحو الدولة الفاشلة تماماً وستطغى الكارثة الإنسانية على اثنين من جيرانها على الأقل، ناهيك عن 22 مليون سوري،" هذا ما قاله فريد هوف، وهو سفير وكان يدير سياسة أوباما تجاه سوريا في وزارة الخارجية حتى العام الماضي عندما ترك الإدارة وأصبح من كبار المؤيدين للتدخل، أفكاره تنتشر على نطاق واسع في مؤسسة السياسة الخارجية.
التدخل هو محفوف بالمخاطر دائماً، وفي سوريا هو أكثر خطورة من أي مكان آخر. النظام لديه جيش قوي تحت تصرفه ولديه داعمين رئيسيين اجانب في روسيا وايران. و التدخل يمكن أن يصعّد الخسائر في الأرواح بشكل كبير ويشعل صراعاً بالوكالة في حرب إقليمية.
حتى الآن هناك وجه آخر لهذه المخاطر: إن الحرب أصبحت أيضاً ساحة لأعداء أميركا. فإيران وحزب الله، الأكثر تحريضاً ضد الولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة، قد خصصت موارد كبيرة وقوات لدعم نظام الاسد وأسست ميليشيا جديدة. روسيا لا تزال الضامن الرئيسي للحكومة، ويكلف دعم النظام روسيا بقدر ما يكلفه دعم بقية العالم العربي للمعارضة. لقد انفقت دول الخليج، والتي تمثل حلفاء الولايات المتحدة المزعجين، ثروات صغيرة على جانب المتمردين، عبر إرسال الأسلحة وإنشاء منظمات سياسية في المنفى. وكلما امتصت الحرب السورية الاهتمام والموارد من جميع جيرانها، كلما زاد نفوذ أمريكا النسبي في منطقة الشرق الأوسط.
إذا كان هذا الأمر يجعل سورية هدفاً غير جذاب للتدخل، كذلك الأمر بالنسبة للوضع السياسي والموقف من المقاتلين. الآن الجماعات الجهادية وطدوا أنفسهم كأكثر المجموعات المقاتلة فعالية، وكرههم لواشنطن يقترب من كرههم للأسد. النزعة الذاتية سببت انقسام المقاتلين، كما يصعد كل أسبوع قادة جدد بينما يهبط آخرون، دون أن يؤسسوا حكومة وحدة بانتظار الدعم الخارجي. وفي نفس الوقت النظام الوحشي، ليس صديقاً للغرب.
"سأخرج وأقول ذلك"، هكذا كتب المؤرخ المجادل الأمريكي دانيال بايبس في رسالة اليكترونية. "ينبغي على القوى الغربية توجيه الصراع إلى طريق مسدود عبر مساعدة أي طرف يخسر، فخطر قوى الشر يتقلص عندما تشن الحرب على بعضها البعض. "
دبلوماسيون وصناع سياسات ومفكرون في السياسة الخارجية وبعضهم من الدبلوماسيين الجدد الذين يتتبعون الحرب السورية عن كثب أعربوا لي عن ذلك بشكل خاص "لا أحد يريد أن يرى المذبحة تستمر"، ولكن واحدة قالت لي بكتمان: "أما الآن، فالحرب تساعد أمريكا، لذلك ليس هناك حافز لتغيير السياسة."
المحللون الذين يتابعون الصراع عن كثب تقريباً يريدون بالمجمل تدخلاً أكبر بدزائع إنسانية، ولكن عدداً كبيراً منهم يرى أن المصالح الوطنية تقف في الطريق. "روسيا بدأت تشعر بالإعجاب في مواجهتها لأمريكا، وأمريكا تراقب أعداءها يعانون،" هكذا علّق أحدهم. وأضاف "انهم لا يهتمون بأن الدولة السورية تتلاشى ذاتياً بطريقة بأنها ستعود لتطارد الجميع".
هل من المقبول في أي وقت تشجيع الحرب على الاستمرار؟
في عالم السياسة يبدو هذا كنوع من السياسة الواقعية الشجاعة، وعودة إلى عصر الإمبريالية عندما كانت القوى المتنافسة تشجع في كثير من الأحيان قيام حروب بعيدة لإضعاف الخصم، أو للحفاظ على الأمم المستعمر خاضعة. خلال الحرب الباردة خاضت الولايات المتحدة حروباً بالوكالة من فيتنام إلى أفغانستان إلى أنغولا إلى نيكاراغوا بحجة وقف انتشار الشيوعية، بدلاً من الاعتراف أنها مجرد محاولة لإشغال الاتحاد السوفياتي.
في سوريا من المستحيل أن تزعم بأن إطالة أمد الحرب الأهلية يخدم هدفاً أسمى، ولا أحد، حتى نتنياهو، يريد الولايات المتحدة أن تحتل موقع من ينشد حدوث كارثة في مجال حقوق الإنسان. ولكن التردد يوضح لماذا أصبحت سورية هذه المشكلة العصية على الحل. حتى في التدخل لأسباب إنسانية أكثر منه لمصلحة ذاتية، فالبلد بحاجة إلى التفكير ملياً في التكاليف والمخاطر عند السعي لتقديم المساعدة مقابل الفوائد التي نتوقع تحقيقها فعلياً وأن قرار التدخل صعب حيث تكون التكاليف المحتملة تشمل تهديد مصالحنا السياسية الخاصة.
وبالتالي ما هو الأمر السيء بشكل كاف الذي يحمل الولايات المتحدة على التدخل؟ مذبحة فظيعة واحدة، وخاصة في الوقت الحاضر: سريبرينيتشا أو رواندا، يمكنها تأجيج الغضب بحيث أن البيت الأبيض يغير موقفه. أو انتهاكات واسعة النطاق لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي وقعتها معظم دول العالم، ولكن ليس سوريا. ولكن من المرجح أكثر بكثير أن تستعر الحرب، وتصبح أكثر فتكاً من أي وقت مضى، حتى يحقق أحد الجانبين نصراً عسكرياً كبيراً بما يكفي لإقناع القوى الخارجية لاختيار هذا الفائز.
رغبات البيت الأبيض
يأمل البيت الأبيض أن يصبح المتمردون مع مرور الوقت أكثر اتفاقاً مع رغباته ويكسب نفوذاً بينهم. وهذا يمكن أن يستغرق سنوات. ويخشى العديد من المراقبين أن الأسد سيسقط ويفتح الطريق لحرب أهلية لمدة خمس أو عشر سنوات بين من سيخلفه وبين ائتلاف من الميليشيات الاسلامية جيدة التسليح، بما يحول سوريا إلى أفغانستان على نهر الفرات، الشيء الوحيد الذي يبدو مرجحاً هو أن كل ما سيأتي سيكون مأسوياً لشعب سوريا.
لانه لا يتم الإفصاح عن هذا المنطق البارد، فإن تقييد اليد عن التدخل مستمر، مسبباً ذهول الكثير من المتفرجين الأمريكيين. وسيكون من الأسهل الإبحار في الحديث عن التدخل إذا كان البيت الأبيض، وجماعة السياسة، اقتنعت بفوائد التدخل
زمان الوصل - ترجمة
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية