وصلت آثار التعهد بتقديم "مساعدات مباشرة وغير قاتلة" للثوار السوريين، إلى واشنطن، حيث ولّد القرار ردود فعل متباينة داخل أوساط العاملين في مجال الإغاثة والمساعدات الإنسانية.
فبينما حذر البعض من أن الخطوة الأمريكية تسيس قضية المساعدة وتخرق قواعد الحياد التي تقوم عليها، اعتبر آخرون أن لاضير في توفير المساعدات للمناطق الخاضعة للثوار؛ لأن هذه المساعدات "تضرب" أكثر من "عصفور" بحجرها، لاسيما لجهة تحجيم نشاط "الأصوليين" وتقوية "المعتدلين".
وعاءان منفصلان
شبكة "سي إن إن" أكدت في تحقيق حديث لها، أن تعهدت وزير الخاجية الأمريكي بتقديم مساعدات إلى المعارضة المسلحة، تتضمن إمدادات طبية ووجبات طعام، يدل على دعم أمريكي مباشر للثوار.
وأضافت: تأمل واشنطن أن تعزز المساعدات الأخيرة موقع المعارضة السورية، وتشجع الموالين المقربين للانشقاق عن الأسد، وتحجيم الدور المتنامي للمجموعات الإسلامية الأصولية، التي تلقى الترحاب في صفوف المدنيين عبر ما تقدمه من خدمات أساسية لهم، وذلك ضمن المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار.
وقالت الشبكة: لكن بعض العاملين في مجال الإغاثة قلقين من قيام نظام الأسد بمعاقبة جميع المنظمات الإنسانية بجريرة القرار الأمريكي، وهذا ما سيعيق جهود هؤلاء لتوصيل مساعداتهم إلى المستحقين.
"أنا لا أستطيع تخيّل أنهم سيكونون مسرورين للغاية بشأن هذا الوضع"، يعلق أحد كبار مسؤولي المساعدة في منظمة تعمل على الأرض السورية، مشترطا حجب اسمه ضمانا لتجنب تعريض جهود منظمته للخطر.
وبالطبع فإن وزارة الخارجية الأمريكية تفرق بين المساعدة المباشرة للمعارضة، وتلك المساعدات الإنسانية التي يجري تسليمها عبر هيئات الإغاثة والأمم المتحدة، والتي قاربت 385 مليون دولار.
ويعلق نائب الناطق باسم الخارجية "باتريك فنتريل": ما زال هناك وعاءان منفصلان.. ونحن سنواصل صرف المال من خلال منظمات الإغاثة لتأمين الغذاء لأي سوري يحتاجه.
وأوضح "فنتريل" أن بعض هذه المساعدات "شق طريقه عبر المناطق التي يسطير عليها الثوار، وبعضها وصل إلى المناطق التي ما زالت تحت سيطرة النظام".
وتابع: بشكل منفصل، وعدا عن المساعدات التي نوهت لها آنفا، نحن نحاول أن نعزز قدرة المعارضة لسد النقص الذي لديهم.
التسييس ومخاطره
لكن "أندرو ناتسيوس", المشرف السابق على "يو أس أيد" رأى أن المساعدات الموجهة للمقاتلين تشمل مواد مهمة لإنقاذ الحياة مثل الغذاء والإمدادات طبيّة، ولذا فإنها تعرض جهود المنظمات الإنسانية للخطر، فـ"المساعدات ينبغي أن تبقى محايدة، لكي تتمكن المنظمات من دخول مناطق السكان المحتاجين من كلا طرفي النزاع، وبغير هذا الحياد سينظر لهذه المنظمات بأنها منحازة إلى جانب على حساب الآخر، وستزداد الريبة بشأنها، وربما تفقد هذه المنظمات حق الوصول إلى المحتاجين، بل وقد تطرد من البلاد".
ويشرح ناتسيوس: المساعدات التي تنقذ حياة الناس، لا يجب أن تكون مستندة إلى اعتبارات السياسة الخارجية، بل يجب أن تتوافق مع المعايير الدولية التي نتبعها منذ عقدين.
ويرى أن قرار إدارة أوباما "سيكون خطيرا على المنظمات غير الحكومية، وتلك التابعة لكل من الأمم المتحدة والصليب الأحمر، وينبغي على أغلب وكالات الإغاثة أن تعترض على (الإدارة) لمباشرتها في تسييس جهود الإغاثة".
ويعتبر بعض خبراء الإغاثة أن حزمة المساعدات المخصصة للثواريمكن أن "تشوه المشهد وتكون عامل استفزاز لقوات الأسد، التي لطالما استهدفت المخابز، وركزت على المبعوثين الإنسانيين بشكل واضح.. فهذه القوات يمكن أن تبدأ باستهداف كلّ عمال الإغاثة، في محاولة لإيقافهم عن تسليم المساعدات للثوار".
مسؤول إغاثي اشترط حجب اسمه لحماية عمال منظمته العاملة في سوريا، صرح بأنه "إذا تمت المجاهرة بالإعلان عن مساعدة إنسانية ذات بعد سياسي جلي، فإننا سنواجه أكثر من خطر، وسيكون عمال الإغاثة بين مقتول ومخطوف.. لقد عاينت هذا في الشيشان سابقا، ولا أريد رؤيته مجددا".
حقيقة الحياد
لكن إليوت أبرامز المسؤول في مجلس العلاقات الخارجية يجادل بأن نظام المساعدة ليس محايدا، فالمجموعات الإنسانية يجب أن تتفاوض مع الحكومة السورية.
ويذهب أبرامز إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تساهم في تقوية المعارضة، بمساعدتها على توصيل المساعدات لمناطق الثوار، مبينا: من الواضح أن القدرة على توزيع الغذاء، وتوفير الطبابة والحاجات الإنسانية الضرورية، هي مصدر من مصادر القوة والتأثير.
ويضيف: طوال سنتين كنا نشتكي من ضعف تركيبة المعارضة والتنامي المقلق لقوة للعناصر المتطرفة، ولكننا فشلنا حتى بتزويد العناصر الأكثر اعتدالا بدعم إنساني يمكن لهم أن يوزعوه لتقوية مواقعهم.. وفي هذه الأيام تملأ المجموعات المتطرّفة حيز الإغاثة الإنسانية، عبر تعبيد الطرق وتنظيفها وتشغيل المخابز، وتوزيع المواد الغذائية.
في بيان جديد لمنظمة "أطباء بلا حدود" تم التحذير من أن “ المساعدات الدولية إلى سوريا لم توزع بالتساوي بين مناطق سيطرة الحكومة والمعارضة.
وكشف البيان أن "المناطق الخاضعة للحكومة تستحوذ تقريبا على جميع المساعدات الدولية، بينما تتلقى مناطق المعارضة حصة ضئيلة جدا"
ميشيل غابودان، رئيس "رفيوجيز إنترناشونال"، المعنية بالدفاع عن اللاجئين في مناطق النزاع، يرى بأن جهود واشنطن لمساعدة السكان في مناطق المعارضة، يمكن أن تعزز مبدأ الحياد.
وبحسب اعتقاده فإن في لأي نزاع ضحايا، و"الحياد أن تحاول الوصول إلى الناس قدر المستطاع، وبأي وسيلة تستطيع"، مضيفا: هناك الكثير من الناس ممن لا يمكننا إيصال المساعدات إليهم بأي وسيلة، إلا عبر التنسيق مع منظمات وجهات إغاثة سورية، وإذا لم نفعل ذلك، فإن هؤلاء الناس سيبقون يعانون دونما سبب وجيه.
ترجمة: زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية