خمسة وثلاثون عاما تفصلنا اليوم عن يوم استشهاده، ولم تزل روحه الوثابة ترفرف من حولنا. مازلنا نذكره كأنه معنا يعيش بيننا نحتاج لقلمه مع أقلام كل الشرفاء جميعا من أجل قضية عاش لها جل عمره، ولمواجهة عدو شرس يمارس إرهابه وطغيانه في همجية ليس لها نظير.
كان صباحا أليما ذلك الصباح البعيد من صيف حار عبر سماء العاصمة اللبنانية بيروت، ففي تمام الحادية عشرة يوم 8 من يوليو تموز عام 1972 م انفجرت السيارة التي أودت بحياة الكاتب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني ومعه شابة في سن السابعة عشرة اسمها ' لميس نجم' ابنة أخته فائزة التي جاءت لزيارة الأهل في إجازة من عملها كمدرسة بدولة الكويت..
قبل أن يغادر غسان منزله ليلقي حتفه شهيداً. كان مع زوجته ورفيقة عمره 'آني' كانت صامتة تنصت في اهتمام تام بينما انشغل الصغير فائز باللهو بقطاره الكهربي الذي أصلحه له الأب توأ وراح يداعب الصغير ويلاعب ليلي الصغيرة..
أدار غسان ظهره مودعا الجميع، قبل الصغار وامتدت يده بيد لميس ليصحبها في جولة بوسط المدينة في بيروت، في الوقت الذي كانت تستعد فيه لأن تلتحق بالدارسة في عامها الأول بكلية الطب في عمان بعد انتهاء العطلة الصيفية ولكن أبوها الذي جاء ليخبرها وجدها قد ماتت..
دقيقتان مرتا فقط وسمع صوت دوي انفجار هائل دمر سيارة غسان وهز أرجاء المكان أطاح بزجاج الشرفات وتطايرت النوافذ وجدوا الصبية لميس ملقاة علي الأرض جثة هامدة علي مقربة من السيارة بخطوات، بحثوا عن غسان فلم يجدوا من أشلائه سوي ساقه اليسري بينما وجدوا كفا له فوق سطح إحدي البنايات..
لم تمض ساعة واحدة علي تلك الجريمة الشنعاء التي أودت بحياة غسان كنفاني وابنة أخته لميس حتي أذاع راديو العدو الإسرائيلي 'أن الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد قتل مع زوجته في انفجار سيارتهما بقنبلة موقوتة'
ولد غسان كنفاني في عكا بتاريخ التاسع من أبريل نيسان عام 1936م مواكبا بداية الثورة الفلسطينية العربية ضد القوات الصهيونية وسلطات الأنتداب البريطاني..
في تلك الثورة قام الفلسطينيون بإضراب عام يعد الأطول في تاريخهم والذي استمر ستة شهور، قدموا فيها قرابة خمسة آلاف شهيد عربي وحوالي الألف وخمسمائة آخرين جرحي. غير الذين ماتوا شنقا بأمر من السلطات البريطانية وعددهم حوالي مائة.عاش غسان طفولته في يافا واضطر للنزوح عنها مع أسرته كماتزج آلاف من الفلسطينيين بعد نكبه عام 1948م..وعاش الأب فايز كنفاني في قرية الغازية الحدودية علي أمل العودة للوطن بعد أن تضع الحرب أوزارها ولكن القدر لم يمهله ليعود..ثم ارتحلت الأسرة بعد ذلك إلي قرية 'الزبداني' الجبلية في سوريا وعاشت تواجه الفقر والجوع حتي استقر بها المقام في دمشق وفيها عمل غسان مع شقيقه غازي في وظيفة 'العرضحالجي' يكتبان الشكاوي للفقراء أمام المحكمة لنيل حقوقهم نظير قروش زهيدة من أجل إعاشة أسرة قوامها ثمانية أفراد بالإضافة لعدد مماثل يقيمون معهم، وراح غسان وشقيقه يتابعان الدارسة في مدرسة ليلية في الوقت الذي سافرت فيه فائزة للكويت للعمل معلمة هناك ضمن قافلة تضم أول دفعة للمعلمات الفلسطينيات.في السادسة عشرة حصل غسان من علي شهادة البكالوريا 'البريفيه'وانتسب غسان بجامعة دمشق والتحق في دائرة الأدب العربي فيها، وبدأ يعمل معلما للتربية الفنية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين المعروفة باسم ' الأونروا' والتي أنشاتها الأمم المتحدة في الثامن من ديسمبر عام 1949 وقبل إلتحاقه بالتدريس كان غسان قد عمل بأحد المطابع في عام 1955 بدمشق وطلبت منه حركة القوميين العرب 'أن يقوم علي تحرير جريدتها 'الرأي' ويومها أنتسب إلي تلك الحركة.. وبحلول العام التالي 1956 سافرغسان كنفاني إلي الكويت ليلحق باخته وشقيقه بها حيث عمل معلما للتربية الفنية والرياضة وتحسنت الأحوال المعيشية للأسرة في هذه الفترة وحصل الأن علي موافقة السلطات لممارسة مهنة المحاماة وكان معظم زبائنه من الفلسطينين المدفعين.. وفي نفس العام 1956 حاز علي الجائزة الأولي عن قصة 'القميص المسروق' في مسابقة جرت علي مستوي الوطن العربي وحاز علي 780درجة في حين جاءت القصة الثانية بمجموع 500 درجة فقط..وخلال السنوات الست التي قضاها غسان في مدارس الكويت الرسمية عمل بالصحافة وواصل نشاطه السياسي.في هذه الاثناء تعرف علي الفتاة الدنماركية 'آني' التي أمنت بعدالة قضية وطنه، تلك القضية التي وهبها دمه وعمره وتزوجا في نوفمبر 1961 بعد شهو واحد من وصولها من بلدها، وأثمر زواجهما ميلاد صبي في 24أغسطس عام 1962 حمل اسم 'فائز' وبنتا أطلق عليها اسم ليلي تيمنا ببطلة إحدي أشهر الروايات العربية بالإضافة لذلك فهواسم معروف في أوساط 'اللابيين' الذين تنتمي إليهم زوجته 'آني' في البلاد الاسكندنافية بالمنطقة القطبية الشمالية.. كان غسان يسكن في شارع الحمراء ببيروت وكان عليه في هذه الفترة أن يعيش بعيدا عن الأنظار لكونه لايحمل جواز سفر وفيها أنجز روايته الشهيرة 'رجال تحت الشمس' التي وضعته في مصاف كبار الكتاب العرب..ومنذ عام 1960م عمل محررا أدبيا لجريدة 'الحرية' الأسبوعية ثم أصبح عام 1963م رئيسا لتحرير جريدة 'المحرر' وهي تحمل وجهات نظر القوي الناصرية والتقدمية وبلغت في تلك الأونة مبلغا كبيرا لتصبح ثاني أكبر جريدة يومية من حيث التوزيع في سائر لبنان وبذل غسان قصاري جهده في العمل بمجلة فلسطين الأسبوعية وهي لسان حال القوميين العرب، وخلال عامي 64/63 وكانت هذه المجلة مرجعا وثائقيا هاما عن القضية وكانت توزع مجانا وتدعمها تبرعات من أصدقاء حركة القوميين العرب والتي بدأت في التحول إلي الاشتراكية العلمية في الوقت الذي كان العمل يجري علي قدم وساق لبدء الكفاح المسلح في فلسطين واثمر في خلال فترة وجيرة عن تأسيس الفرقة المقاتلة الأولي وهدفها الأول الأتصال بالعرب المقيمين داخل الأراضي التي تحت الاحتلال لأنشاء قاعدة للكفاح المسلح..وقدمت الحركة أول شهدائها من أجل تحرير فلسطين وأهدي لهم روايته 'ماتبقي لكم' وهي الرواية التي حازت علي جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عام 1966. كان غسان كنفاني الروائي والقاص والصحفي والفنان خير ممثل لنضال الشعب الفلسطيني والأديب الحق الذي عبر بصدق عن قضيته مصورا مدي قهرالأنسان للأنسان بصفة عامة، وكان نموذجا للفنان الذي يستعمل فيه بوصفه ممارسة إجتماعية حضارية وإنسانية صاقلا الوعي السياسي المنشود في زمننا المعاصر وهو أحد القصاصين القلائل الذين أعطوا في أعمالهم الإبداعية بعدا سيكولوجيا وكانت الأرض دائما إلي جوار الشخوص محط اهتماماته في أعماله جميعا..وكان علي غسان المثقف والمناضل أن يصبح علي طرف نقيض من الكثير من الأدباء المتعطشين إلي مكانه اجتماعية أعلي هروبا من ماضيهم وتنكرا لطبقاتهم ولو علي حساب معتقداتهم الدفينة وتسلقا لسلم السلطة مما يؤدي بهم في النهاية إلي خيانة رسالتهم الاجتماعية والقومية والإنسانية..والتحق غسان بهيئة تحرير جريدة 'الأنوار' اللبنانية وهي جريدة طليعية ناصرية الاتجاه حتي أصبح رئيسا لتحرير ملحقها الأسبوعي وكان يوقع مقالاته باسم 'فارس فارس'.كماعمل في مجلة 'الحوادث' حتي عام 1969 وكان يكتب تحت مستعار أيضا هو 'ربيع مطر' ثم بدأ يعد ذلك بعد العدة ليؤسس صحيفة 'الهدف' التي بقي رئيسا لتحريرها حتي يوم استشهاده وكان دافعه للكتابة والعمل المتواصلين هو سبيل من سبل النضال الفلسطيني وصدرت الأعداد الأولي في يوليو 1969 وتناول غسان في كتاباته مدي المعاناة التي تلقاها الشعب الفلسطيني علي ايدي جلاديه من الصهاينة في أكثر تجلياتها تعبيرا وتحولت الجريدة في خلال عاميها اللاحقين إلي واحدة من أفضل المحلات السياسية الأسبوعية في العالم العربي وترجمت العديد من مقالاته إلي كثير من اللغات الأخري.وإلي جانب ذلك الجهد المضني شارك غسان في وضع البرامج والبيانات السياسية التي تصدرها الجبهة وقام علي تصميم الملصقات الخاصة بالجبهة واستمر في الكتابة بلا انقطاع بالعديد من الاسهامات في مجلته حتي أصبح الناطق الرسمي باسم الجبهة وواجبه الأساسي أن يقص علي العالم أبعاد قضية وطنه.. قالت عنه جريدة الديلي ستار في عددها الصادر في 9 يوليو تموز 1972 صبيحة اليوم التالي لاستشهاده:'كان المقاتل الذي لم يطلق رصاصة واحدة، كان سلاحه قلما وميدانه صفحات الجرائد، لكنه آذي عدوه أكثر من رتل من المقاتلين'.وبسبب مقال نشره في مجلته هاجم فيه أحد الأنظمة العربية ثم سجن غسان كنفاني وقدمت نقابات واتحادات الكتاب والصحفيين علي مستوي الوطن العربي احتجاجات علي هذا الأجراء، ولعل مرض السكر الذي اصيب به خلال حياته بالكويت قد جعل إدارة السجن تلحقه بمستشفاها وقرأ في خلال هذه الفترة مسرحيات ستريند برج فضلا عن أعمال للكاتب الأيسلندي 'هالدورلأكسنس' الذي حاز علي جائزة نوبل في الأدب.. كمابدأ في كتابة روايته 'العاشق' التي لم يتمها وتحكي تاريخ النضال الفلسطيني منذ بداياته ضد السلطات البريطانية والقوات الصهيونية، ولكن القدر لم يمهله لينجزها كما كان يأمل في نفس العام الذي فقدناه فيه. هوي غسان الرسم إلي جانب كتاباته الصحفية والأبداعية وكان معظم اهتمامه ينصب علي رسم الخيول ولعب الحصان دورا هاما في قصصه ورواياته ويري أن الحصان بالنسبة لنا جميعا نحن العرب هورمز الجمال والشجاعة والأمانة والذكاء والصدق والحرية.في مجموعته القصصية 'عالم ليس لنا 1965' بدأ حبه للأطفال جليا وأهداها إلي أبنه فائز وابنة أخته لميس التي استشهدت معه وقد قدم غسان للمكتبة العربية في نفس العام كتابه 'أدب المقاومة في فلسطين المحتلة' وهي المرة الأولي التي كشفت للعالم العربي فيها وجود شعراء فلسطينيين لهم قامات فريدة من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد.أما في روايته 'أم سعد' التي كتبها عام 1969 فكان يرمز فيها إلي المرأة الفلسطينية ومدي ماتقدمه من بطولات، أما روايته 'عائد إلي حيفا فقد ظهرت عام 1970 ويترك غسان من ورائه روايتين لم ينجزهما ومسرحية غير منشورة.. قدمت السينما العربية علي شاشاتها روايته 'رجال في الشمس' وحصل الفيلم علي عدد من الجوائز في مهرجانات متعددة.وتم ترجمة أعماله إلي ست عشرة لغة ونشرت في 20 بلدا ومن مؤلفاته: موت سرير رقم 12 'قصص' 1961 وقد كتبها وهو يلازم الفراش وتحكي عن رجل يعيش مثل البومة في غرفة بعيدة وهي قصة موحية لأن البومة هي دليل شؤم وفي 'أرض البرتقال الحزين 'قصص' 1962 فسجل فيها مالم ينمحي من ذاكرته وقت النزوح من عكا في تلك الشاحنة التي حملته وأهله بعيدا عن الوطن رجال في الشمس 'رواية' 1963، عالم ليس لنا 'قصص' 1965،ماتبقي لكم 'رواية' 1966، القبعة والنبي مسرحية 1967، العاشق 'رواية غير مكتملة' 7172 ، برقوق نيسان 'رواية غير مكتملة' 7172، وفي مجموعته 'عن الرجال والبنادق' استمد وقائعا من حادثة وقعت بالفعل حين كان الصليب الأحمر يقدم مساعداته للاجئين الفلسطينيين ذات يوم شديد البرودة..هذا بالأضافة إلي مجموعة من الدراسات والمقالات السياسية والفكرية والنقدية.حصل علي جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان لأفضل رواية عن روايته 'ماتبقي لكم' 1974 ونال جائزة اللوتس التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا عام 1975م.وترجم المستشرق البريطاني 'دينيس جونسون دايفيز' قصته 'سريررقم 12' ضمن مجموعة مختارة من القصص القصيرة لأدباء عرب.وقبيل استشهاده بيوم واحد أخبر ابن خالته فاروق غندر بأنه واحد من ثلاثة من بين المستهدفين في الجبهة الشعبية.وكان يردد دوما 'إذا كان الإسرائيليون أذكياء فإن من الأفضل لهم أن يغتالونني إما في سيارتي أوفي سريري'.. وهكذا أنطوت صفحة رائعة من صفحات النضال العربي الفلسطيني لثائر عبر بقلمه خير تعبير عن نضال وكفاح بلاده بعد حياة مثيرة وضاءة لمبدع مناضل لم يكن من سبيل أمامه سوي الأستشهاد من أجل ثري وطن ظل يعشقه وعاش عمره القصير ينزف في كل لحظة من دمه وأعصابه وعروقه لقضية أمن بها ووهبها كل عمره.
غسان كنفاني .. شهيد يليق بوطن سليب..... محمد عبده العباسي
بور سعيد - مصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية