تمهيد:
كثيرة هي التحليلات التي كتبها صحفيون مختصون ومحللون سياسيون وباحثون خبراء في السياسة
الأمريكية الخارجية وعلائقها بقضايا الشرق الأوسط المعقدة والمتداخلة، القديمة منها والجديدة... وكثيرة هي القراءات التي قدمها هؤلاء وغيرهم في معرض تحليلهم للموقف الأمريكي الملتبس تجاه الثورة السورية، بشكل خاص، وأكثر منها الاستنتاجات التي قادهم إليها هذا التحليل، وما تضمنه من بحث عن الأسباب والعوامل التي تضافر مجموعها لصناعة هذا الموقف المثير للتساؤل والاستغراب، وعن الأهداف القريبة
والإستراتيجية التي رأوا أن إدارة أوباما سعت إلى تحقيقها من وراء اتخاذه ثم الثبات عليه إلى الآن.
وتقود قراءة عدد كبير من هذه التحليلات ودراستها إلى الاعتقاد بأن كثيرين من أصحابها قد قاربوا الحقيقة، لكنهم لم يستطيعوا الجزم بأن ما وصلوا إليه هو وحده الذي يُمثِّلها. وربما يعود ذلك إلى اقتصارهم، في استقاء معلوماتهم، على ما اعتبروه مصادر موثوقة فقط، رافضين الاعتماد على أي افتراضات خارج إطار هذه المصادر.
ولتوهُّمي أن الانطلاق من الافتراض في أي بحث ليس خطأ، لاسيما إذا كان يُوجَد في الواقع ما يوحي باحتمال أن يكون هذا الافتراض صحيحاً، رأيتُ الانطلاق في هذا البحث من جملة افتراضات استخلصتُ بعضها مما توصل إليه غيري في دراسته للثورة السورية، وبعضها الآخر من وثائق استطعت الاطلاع عليها.. ولأنها افتراضات، لا أنفي احتمال ألا يكون أيٌّ منها صحيحاً، وكذلك الاستنتاجات التي بُنيَت عليها. وربما هذا ما يجعلني لا أتردد في القول سلفاً: إن معظم ما ستتضمنه السطور التالية قد لا يجد على أرض الواقع قدراً كافياً من المعطيات التي تؤكد صحته أو تنفيها، لكنه مع ذلك يمتلك، كما أظن، قسطاً كافياً من القدرة على تحريض عقل قارئه ودفعه إلى الشك في الكثير مما يتوهمه البعض صحيحاً، وخصوصاً بالنسبة لموقف أوباما وإدارته تجاه الثورة السورية..
ولأن أي افتراض، مهما بدا متحرراً من منطق الواقع وُمحدِّداته، لابد أن ينبثق من جذر واقعي، فقد اعتبرتُ ما صدر عن كبار المسؤولين الأمريكيين من تصريحات تُوضِح مواقفهم وتطورها، تجاه الثورة السورية وتطوراتها،الجذرَ الواقعي الذي انبثقت منه الرؤية الافتراضية التي سيعرضها هذا البحث لموقف أولئك المسؤولين، وعلى رأسهم أوباما، تجاه هذه الثورة. وفيما يلي عرضٌ مختصر لأهم المحطات التي مر بها هذا الموقف، كما رسمتها تصريحات أصحابه..
لمحة عن أبرز محطات الموقف الأمريكي تجاه الثورة السورية
1) تَأَخَّر إعلان الإدارة الأمريكية، ومعها دول أوروبا الغربية، عن تأييدها للثورة السورية، قياساً بتأييد ما سبقها من ثورات الربيع العربي. كما تأَخَّر أوباما في دعوته الرئيس السوري إلى التنحي، على الرغم من يقينه بأن لا أهمية لهذه الدعوة ولا فاعلية.
2) قيام إدارة أوباما بالضغط على حلفاء الولايات المتحدة العرب والإقليميين، وفي مقدمتهم دول الخليج وتركيا، داعية إياهم للتريث في دعم الثورة بالمال أو بالسلاح، بل حتى بالتصريحات.. وربما هذا ما جعل موقف النظام العربي الرسمي يبدو ضعيفاً وفاتراً، وأن يظل كذلك إلى ما قبيل نهاية السنة الأولى من عمر الثورة. وقد انعكس هذا كله سلباً على صياغة الموقف الرسمي لجامعة الدول العربية التي وجدت أن أقصر الطرق للتخلص من الإحراج والارتباك اللذين سببهما لها عجزها عن اتخاذ قرار لصالح الثورة السورية، إحالة ملفها إلى مجلس الأمن.
3) بعد صيرورة الملف إلى مجلس الأمن، وإفشال روسيا والصين صدور أي قرار عنه يدين النظام السوري، سارع الأمريكيون والأوروبيون إلى إطفاء شعلة الأمل في نفوس السوريين بدعوة قواهم الثورية إلى الحوار مع النظام ومحاولة التوصل معه إلى حل سياسي، قد يفضي إلى قبوله بمبدأ تداول السلطة سلمياً...
4) كانت هذه الدعوة تأكيداً صريحاً لرفض المجتمع الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة التدخلَ العسكري لحل الأزمة السورية، والإصرار على أن البديل الأفضل لمثل هذا التدخل هو فرض عقوبات اقتصادية متتابعة على النظام السوري، ثم على رئيسه مباشرة.. ومن اللافت أن رفض الأمريكيين لفكرة التدخل العسكري، بأي شكل، كان مبكراً جداً، كما يتضح من تاريخ جواب وزيرة الخارجية الأمريكية عن سؤال شبكة (سي بي إس) الأمريكية لها إن كان من المتوقع تدخّل الولايات المتحدة في سورية على غرار تدخلها في ليبيا بفرض حظر جوي.. ففي المقابلة التي أجرتها معها الشبكة المذكورة بتاريخ (28/3/2011)، أجابت كلينتون عن هذا السؤال، بـ (لا) قاطعة وكبيرة.. ولتعليل إجابتها هذه قالت: (إن كلاً من هذه الأوضاع له خصوصيته.. لكن من المؤكد أننا نأسف بشدة للعنف في سورية).
5) وهنا، يبدو من اللافت فعلاً قيامُ الأمريكيين بتكرار تصريحاتهم المؤكِّدَة لرفض إدارة أوباما التدخلَ العسكري في سوريا، والتتابع السريع لهذه التصريحات، بدليل أنه لم يكن يفصل بين كلٍّ منها والذي يليه سوى فاصل قصير، وكأن الغرض من ذلك طمأنة النظام ورئيسه بهدف تشجيعه على الاستمرار في قمع شعبه وعلى تصعيد وتائر هذا القمع ضده.
6) وكأن هذه الدرجة من إلحاق الأذى بالسوريين لم تكن كافية في نظر ممثلي إدارة أوباما، فقرروا توفير الذرائع التي تسوغ للنظام تصعيد القمع ضد الثوار والمدنيين إلى حدود أعلى من قبل، وذلك حين راحوا يزعمون أنهم بدأوا يوفرون للمعارضة المسلحة بعض المساعدات العسكرية غير الفتاكة، من مثل المناظير الليلية وأجهزة الاتصال المتطورة، ثم بعض أنواع البنادق وما شابه.. وقد نفى مسؤولو الجيش الحر مراراً وتكراراً حصولهم على مثل هذا النوع من المساعدات، كما نفوا صحة تصريحات الأمريكيين والأوروبيين وحتى الخليجيين والأتراك بخصوص إرسال هؤلاء وأولئك لأطنان من المساعدات الإنسانية الغذائية والدوائية فضلاً عن الخيام.. لكن العاملين في أجهزة إعلام النظام الذين يعلمون أكثر من غيرهم أن كل المساعدات السابقة كانت محض كلام، وأنه لم يصل منها شيء إلى الثوار على أرض الواقع، اغتنموها فرصة، وراحوا يستخدمون تصريحات من سَمَّوا أنفسهم أصدقاء سوريا لتأكيد الزعم بأن نظامهم يتعرض لمؤامرة كونية، وأن الثوار ليسوا سوى مأجورين يتحركون في فلك هذه المؤامرة، وأنه لا توجد ثورة أصلاً ولا ثوار، كما أكد الرئيس السوري نفسه في خطابه الأخير الذي ألقاه في مبنى الأوبرا بساحة الأمويين.
7) وعلى الرغم من كل سلبيات الموقف الأمريكي من الثورة السورية، وما سببته للسوريين من أذى، لا نعدم، بين الفينة والفينة، مسؤولاً أمريكياً بارزاً أو باحثاً ذا شأن يخرج علينا لينفي صحة اتهامنا لإدارة أوباما بالتواطؤ مع النظام ضد ثورة الشعب السوري، وفي محاولة لتأكيد هذا النفي، نرى ذلك المسؤول الأمريكي يرغي ويزبد وهو يؤكد تنصل بلاده ورؤسائه من أي مسؤولية عما جرى ويجري في سوريا، مُلقياً بها كاملة على عاتق رئيس النظام وحده! وقد كان أوباما نفسه أول من أصدر مثل هذا النوع من التصريحات، بعد أسابيع فقط على انطلاق الثورة السورية، وذلك في سياق كلمة ألقاها يوم (23/4/2011)، ووَجَّه اللوم فيها للرئيس السوري قائلاً: (عوضاً عن الاستماع لشعبه، يتهم الأسدُ الخارجَ بالتآمر عليه).
8) أما الفترات الفاصلة بين كلِّ تصريح أمريكي وآخر، فلم تكن فترات صمت ولامبالاة فحسب، بل كانت وقتاً يستثمره الأمريكيون، من وراء الكواليس، للضغط بكل ثقلهم على مؤيدي الثورة السورية العرب والإقليميين لمنعهم من التمادي في دعمها، ولاسيما بالسلاح والمال.. وتراهم، في نفس الوقت، يغضُّون الطرف عامدين عن كل شحنات الأسلحة التي تتدفق على النظام من حلفائه الروس والإيرانيين، وهم يعلمون علم اليقين أنها ستستخدَم في قتل المزيد من السوريين وهدم بيوتهم وتشريدهم..
9) ومن اللافت أن كثيراً من السوريين عزوا موقف أوباما السلبي وإدارته تجاه ثورتهم، إلى خوفه من إغضاب إسرائيل التي مارست الضغط بكل قوتها على كل حلفائها في العالم، وعلى رأسهم حليفها الأمريكي، من أجل عدم التدخل في الأزمة السورية والإسراع في حلها بإسقاط نظام الأسد، وفاءً منها لهذا النظام الذي حمى حدودها مع سوريا طيلة أربعين سنة.. وليقين أوباما بتأثير إسرائيل الكبير على اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ولحاجته إلى دعم هذا اللوبي له كي يفوز بولاية رئاسية ثانية، فقد قرر إرجاء اتخاذ قراره بالتدخل المباشر لإسقاط الأسد ونظامه، إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.. وكم كانت خيبة أمل الذين ذهبوا هذا المذهب في التفكير كبيرة، حين لم يُغيِّر أوباما ساكناً في موقفه تجاه مأساة السوريين، وبقي مُصرّاً على ضرورة حلِّ أزمتهم سلمياً، عبر الدخول في حوار مع النظام الذي قتل منهم ما يزيد على ستين ألفاً، واعتقل ما يزيد على المليون، وشرَّد نحو خمسة إلى ستة ملايين آخرين...هذا، مع يقينه، كما يقول السوريون، بأن كل محاولات المجتمع الدولي لعقد حوار كهذا، يُنقذ النظام ويُثبِّت أركانه، قد باءت بالفشل، وكذلك كل محاولات تقطيع الوقت بالمهل اللامجدية، ابتداءً من مهمة الدابِّي، مروراً بمهمة كوفي عنان، وانتهاء بمهمة الأخضر الإبراهيمي.
وبعد، فإن جملة المعطيات الآنفة، لابد أن تطرح الكثير من التساؤلات التي مازال معظمها بحاجة إلى إجابة لم يستطع كثيرون تقديمها. وفيما يلي عرض سريع لأبرز هذه التساؤلات وأهمها.
تساؤلات
1) لماذا أسرع أوباما وإدارته في تأييد ثورات تونس ومصر وليبيا، وكان حازماً في دعوة طغاتها إلى التنحي، وتأخر في تأييده للثورة السورية وفي دعوة الأسد إلى التنحي، ثم راح يُراوح على أرضية الغموض والتردد تجاه قوى المعارضة، ولاسيما المسلحة منها التي حاول حتى تجفيف مصادر تسليحها الضعيف أصلاً؟
2) هل يعود هذا الموقف من أوباما إلى خصوصية الوضع السوري وتعقيداته المحلية والإقليمية والدولية، كما صرَّح أكثر من مسؤول وإعلامي أمريكي، الأمر الذي أدَّى إلى تخوُّف أوباما من أن ينتهي تدخُّله في الأزمة السورية إلى نقيض ما يسعى إليه، أم أن هذا الموقف، كما يقول محللون آخرون، يعود بالدرجة الأولى، إلى قوة حلفاء النظام في المنطقة والعالم، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والصين، والخشية من أن يؤدي التدخل العسكري المباشر لإسقاط نظام الأسد إلى الدخول في حرب طويلة الأمد وباهظة التكاليف مع هؤلاء الحلفاء؟
3) أياً كان سبب اتخاذ أوباما لموقفه السلبي والغامض تجاه الثورة السورية، فقد كان الإصرار على التزام هذا الموقف إلى الآن، خطأً سياسياً فادحاً ارتكبه أوباما على صعيد السياسة الخارجية وصعيد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، ذلك أنه أبدى الولايات المتحدة في موقع العملاق الضخم الذي بدأ يفقد قوته الهائلة، على حلبة السياسة الدولية، وخصوصاً على حلبة هيئة مثل الأمم المتحدة التي شهدت قدرة اثنين من خصوم الولايات المتحدة على إفشال رغبتها في إصدار قرار أممي يُسوِّغ لها التدخل العسكري في الأزمة السورية، أو إصدار قرار يُدين الفظائع التي يرتكبها النظام يومياً بحق شعبه، وذلك حين استخدم هذان الخصمان، وهما روسيا والصين، حق النقض/الفيتو/، ثلاث مرات، ضد صدور أي قرار عن مجلس الأمن الدولي ضد النظام السوري.
4) وهنا يبرز سؤال هام، يطرحه أعضاء المعارضة السورية بإلحاح وغضب ولوم لأوباما وإدارته، وهذا السؤال هو: هل الولايات المتحدة بحاجة حقاً، إلى موافقة مجلس الأمن للتدخل العسكري في سوريا وإنهاء مأساتها، أم أنها راحت تتذرع بالفيتو الروسي/الصيني، لتبرير عدم تدخلها، وذلك لأنها لا تريد التدخل أصلاً؟
5) إذا كانت الإجابة عن السؤال السابق بتأكيد عدم الرغبة الأمريكية في التدخل، فإن مثل هذه الإجابة سرعان ما تطرح سؤالاً جوهرياً ومثيراً حول حقيقة موقف روسيا والصين في مجلس الأمن، وشلِّ قدرته على اتخاذ موقف إيجابي ضد النظام السوري، وهذا السؤال هو: هل كان موقف هاتين الدولتين، مبدئياً ونزيهاً، كما أكد أكثر من مسؤول فيهما، أم كان حصيلة اتفاق غير معلن بين حكومتيهما وإدارة أوباما، كما يؤكد بعض المحللين، لتوفير ذريعة تُسوِّغ عدم التدخل الأمريكي في الأزمة السورية، مقابل ثمن تم الاتفاق عليه، وظل طيَّ الكتمان إلى الآن؟
6) وإذا كان الفيتو الروسي/الصيني متفقاً عليه مع واشنطن، كما يرى البعض، فما غاية أوباما وإدارته من إبرام هكذا اتفاق؟ وهل يمكن أن يكون هذا الموقف ترجمةً عملية على أرض الواقع لضغوط اللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، بطلب من حكومة إسرائيل، كما يقول محللون آخرون؟
7) إذا كان الأمر مجرد اتفاق فعلاً، أي مجرد تلبية أمريكية لطلب إسرائيلي، فما غاية إسرائيل من هذا الطلب، وهل يعني، في حال ثبوت صحته، أن نظام الأسد كان عميلاً لها، كما يروج البعض، أم أن إسرائيل تريد إطالة أمد الثورة السورية، لإلحاق أكبر قدر من التدمير في البنية التحتية السورية وفي الجيش السوري، هذا فضلاً عن تمزيق النسيج الاجتماعي السوري، لإضعاف سوريا ما بعد الأسد، وإلهائها بترميم داخلها وإعادة ترتيب بيتها، عن التفكير بالحرب مع إسرائيل؟
8) ولكن إذا لم تكن إسرائيل هي مصدر الضغط على أوباما لمنعه من اتخاذ هذا الموقف البطيء والغامض والمتردد تجاه الثورة السورية، فماذا يمكن أن يكون دافعه إلى اتخاذ هذا الموقف والثبات عليه إلى الآن؟
9) وعلى افتراض وجود دافع خاص لدى أوباما دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف، فما عساه يكون هذا الدافع، وماذا يمكن أن تكون أهدافه القريبة والبعيدة، ثم هل هو موقف مبدئي ثابت غير قابل للتغيير، أم أنه يمكن أن يتغير فيما لو حدثت تغييرات موازية أو مشجعة في بعض المواقف السورية والعربية والإقليمية والدولية؟
10) أخيراً، وفي حال استمرار موقف الولايات المتحدة وأوروبا بعدم التدخل، وبالسماح للمأساة السورية بالاستمرار إلى أجل غير مسمى، ألا تعدُّ إدارة أوباما والمجتمع الدولي المؤتمر بأمرها مسؤولين عن هذه الجريمة واستمرارها، أم يتحملها النظام وحده بكل جرائرها، كما يقول الأمريكيون أنفسهم؟
آراء في تحليل موقف أوباما وإدارته تجاه الثورة السورية
لن يتم تقديم إجابة مباشرة عن كل واحد من التساؤلات السابقة على حِدَة، بل سيتم تقديم عرض ملخص لآراء محللين وباحثين كُثُر حاولوا الإجابة عنها. ولأن آراء هؤلاء كانت مختلفة ومتباينة، رأيت جمع ما تشابهَ منها إلى بعضه، في حزمة واحدة، فكان الناتج ثلاث حُزَمٍ رئيسة، أظنها أحاطت مجتمعةً بمجمل ما أثارته تلك التساؤلات.
الحزمة الأولى:
بعيداً عن استمرار نزيف دم السوريين اليومي، وعن الخسائر المادية الباهظة التي يتكبدونها، وبعيداً عن معاناتهم آلام هتك الأعراض والتشرد والموت مرضاً أو جوعاً أو قهراً وكمداً، رأى بعض المحللين أن خط المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم هو الذي فرض على إدارة أوباما، وما يزال، أن لا تلتفت أدنى التفات إلى كارثة السوريين الإنسانية المستمرة، لمحاولة وقف تفاقمها، أو الحد منها على الأقل.. وذلك لأن استمرارها يخدم، في رأيهم، مصالح واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط والعالم، وفي مقدمتهم إسرائيل، وبالتالي، فليس بوسع أوباما أو غيره، حتى لو أراد، أن يتخذ موقفاً يمسُّ بتلك المصالح، آنياً أو مستقبلاً، ليُثبت فقط أن راية الحرية والديمقراطية التي ترفعها الولايات المتحدة ليست كلاماً فارغاً، بل لها رصيد على الأرض، وإن يكن ضئيلاً..
وليؤكد هؤلاء رأيهم هذا، يوردون كلاماً لنتنياهو يُبيِّن فيه تعاون إسرائيل مع الولايات المتحدة في مراقبة الحدث السوري وتطوراته، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة أي احتمال مفاجئ قد يؤدي إلى حدوث تغييرات بعيدة المدى ضد مصالح الطرفين، في الشرق الأوسط... ولعل ما يهم إسرائيل أكثر من حماية مصالحها والمصالح الأمريكية، أن تضمن أمنها وتُحافظ عليه، في إطار قدراتها المحدودة كدولة صغيرة، ذلك أن الأمن بالنسبة لإسرائيل يُعدُّ مسألة حياة أو موت. وبالتالي، فإذا كان طول الأزمة السورية سيزيل عدواً قوياً لإسرائيل ممثلاً بشعب سوريا وجيشها وليس بنظامها، كما يقول باحثون أمريكيون وإسرائيليون، فإن من الطبيعي أن تضغط إسرائيل بكل قوتها لمنع حلفائها في المجتمع الدولي من الإسراع في حل هذه الأزمة، لاسيما وأن بديل نظام الأسد، مازال مجهولاً إلى حد كبير، وإن كانت الملامح الإسلامية هي الغالبة على مظهره وسلوكه حتى الآن.
وبالانتقال من الحليف الإسرائيلي، إلى غيره من الحلفاء الأوسطيين، وبخاصة العرب الخليجيين والأتراك، فسنجد أن ما يُقلق الخليجيين، بالدرجة الأولى، احتمال أن يؤدي انتصار الثورة السورية إلى زعزعة استقرار أنظمتهم، وبالتالي، فحماية هذه الأنظمة أهم عندهم من حماية مصالح بلدانهم. وأما الأتراك فالوضع معكوس إلى حد ما، بمعنى أن الأتراك يخشون أن يؤدي استمرار الأزمة السورية إلى الضرر بمصالحهم الاقتصادية والنجاحات الواسعة التي حققوها خلال السنوات العشر الماضية، هذا بالإضافة إلى خشيتهم من الانجرار إلى صراعات مع بعض دول الجوار المتحالفة مع النظام السوري، وبخاصة الجارين الروسي والإيراني.
إن المخاوف السابقة كلها تتضافر مع بعضها لتصنع منظومة فاعلة في ردع الولايات المتحدة وحلفائها عن نصرة الثورة السورية التي يرون في إطالة أمدها مصلحةً لجميعهم، لأنها ستنهك في النهاية كلا طرفي الصراع، وبالتالي، لن يستطيع أي واحد منهما، بعد انتصاره على الآخر، أن يهدد مصالح الأمريكيين وحلفائهم في المنطقة، لأن انشغاله بالشأن الداخلي لن يُتيح له مثل هذه الفرصة، إلا بعد مرور زمن طويل على وقف القتال واستقرار الأوضاع.
الحزمة الثانية:
مقابل هؤلاء، ثمة محللون آخرون عزوا التباس الموقف الأمريكي تجاه الثورة السورية وغموضه وتذبذبه وما نتج عنه من سلبيات إلى عدم رغبة أوباما وإدارته أصلاً، في فتح صراع جديد، في الشرق الأوسط، بعدما انسحبوا من العراق وباتوا على وشك الانسحاب من أفغانستان أيضاً، لاعتقادهم أن الحروب الخارجية التي شنتها إدارة بوش الابن التي سبقتهم قد أنهكت الاقتصاد الأمريكي دون طائل، وهم مازالوا يسعون جهدهم لمعالجته وتعافيه، ويصرون على الاستمرار حتى يحصلوا على النتيجة التي يريدون.وقد بدا هذا الهدف واضحاً في خطاب القسم الذي ألقاه أوباما بمناسبة بدء ولايته الثانية، عبر تأكيده أن عقداً من الحروب الخارجية قد انتهى بالنسبة للولايات المتحدة.. فحسب غالبية المحللين، لم يعنِ أوباما بعبارته هذه أن الولايات المتحدة تنوي تقليص نفوذها في العالم، بل عنى أن عصر الحروب الكبيرة والمباشرة والمكلفة، أي الحروب الغبية، قد انتهى وبدأ عصر الحروب غير المباشرة، أي تلك التي يمكن أن تكون استخباراتية أو بواسطة الطائرات دون طيار، أو حروباً بالوكالة، أو عن طريق العقوبات الاقتصادية وغير ذلك من أشكال الحروب التي يراها أوباما ذكية وغير مكلفة.
وعلى افتراض صحة هذه القراءة التحليلية لعبارة أوباما الآنفة، يمكن القول إن أوباما قد بدأ، ومنذ ولايته الأولى، خوض حربه ضد إيران، على جبهتين رئيستين، هما العقوبات الاقتصادية التي بدأت تؤتي أكلها الآن، وتوريط إيران ومعها العراق في الأزمة السورية التي رأى أن تدخُّل الأمريكيين بها تدخُّلاً عسكرياً مباشراً قد يعود عليهم بأوخم العواقب، جراء إصرار الروس والإيرانيين، بدعم من الصينيين، على التمسك بالأسد وإبقائه مع نظامه في السلطة، بالغاً ما بلغ الثمن.. لذلك، وبسبب خوف أوباما وإدارته من وضع الولايات المتحدة على سكة المواجهة مع هذا الثلاثي الدولي والإقليمي، رفض التدخل في الأزمة السورية عسكرياً...
لكن، ولأن إظهار اللامبالاة تجاه ما يرتكبه النظام السوري من فظائع قد يؤدي إلى تشويه صورة الولايات المتحدة كنصيرة لتحرر الشعوب من طغاتها، ويُظهر نفاق ادعائها حملَ راية الديمقراطية ومبادئها في العالم، قررت إدارة أوباما دعم الثورة السورية بالكلام فقط، أي بشجب فظائع النظام والتنديد بها تارة، وإطلاق التهديدات الجوفاء ضد النظام تارة أخرى، بالإضافة إلى فرض عقوبات اقتصادية عليه، لا تردعه عن المضي في نهجه القمعي ولا تدفعه حتى إلى مجرد التخفيف من ممارسته. وإذا ما لامها أحد على هذا الموقف المتخاذل فلن تعوزها الذرائع التي تُسوِّغ بها تخاذلها، من مثل عدم توحُّد أطياف المعارضة السورية في كتلة واحدة، أو وجود إسلاميين متشددين بين صفوفها، كجبهة النصرة، تخشى واشنطن أن تصل مساعداتها العسكرية والمالية إلى أيديهم، فيستخدمونها في شنِّ أعمال إرهابية ضد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة والعالم، على غرار ما كانت تفعل القاعدة..
وليس بعيداً عن هاتين الذريعتين أخرى ثالثة تتمثَّل في زعم إدارة أوباما أن معطياتٍ وَصَلَتْها تدعمُ، في معظمها، الاعتقاد بأن ما يدور في سوريا لم يعد ثورة شعبية بل حرباً أهلية بين أكثرية سنية وأقلية علوية تعضدها أقليات أخرى، تضم المسيحيين والدروز والأكراد، وهؤلاء يخشى معظمهم من احتمال قيام الأكثرية السنية باضطهادهم، فيما لو نجحت ثورتها بإسقاط النظام وإقامة حكم إسلامي متشدد على أنقاضه.
ويرفض الأمريكيون اتهامهم بوصول العنف والدمار في سوريا إلى هذا الحد، بسبب تقاعسهم عن نصرة شعبها في ثورته ضد الأسد ونظامه، مؤكدين أنهم ليسوا هم السبب بل سياسات الأسد الدموية التي ضيَّعت سوريا وأهلها، ودعمُ حلفائه الإقليميين والدوليين له، وفي مقدمتهم الإيرانيون والروس.
وفي إطار الدفاع الإعلامي عن الموقف الأمريكي وتبرير تقاعسه عن نصرة ثورة شعب رفع نفس شعارات الحرية والديمقراطية التي تتشدق الولايات المتحدة بحمل لوائها في العالم، يؤكد كثيرون أن للأزمة السورية خصوصية تجعلها لا تشبه أي أزمة أخرى في العالم، ولا أي ثورة من ثورات الربيع العربي، بما فيها الثورة الليبية... فالوضع معقد جداً في سوريا، ولا يمكن مقارنته بما كان عليه وضع ليبيا حين ثار شعبها ضد القذافي، ومن أبرز سمات تعقيده عدم وجود إجماع دولي على ضرورة التدخل العسكري في سوريا، كما أن ليبيا كانت ضعيفة عسكرياً بالمقارنة مع ما تحتويه ترسانة الأسلحة السورية من أسلحة كثيرة ومتطورة بينها الكثير من أسلحة الدمار الشامل، هذا فضلاً عن أن القذافي لم يكن لديه حلفاء أقوياء كأولئك الذين للنظام السوري، وقبل هذا كله وبعده، قدرة الثوار الليبيين على توحيد صفوفهم تحت قيادة واحدة، مقابل عجز السوريين عن فعل الشيء نفسه، حتى الآن.. وإذا كان ثمة من يلوم الأمريكيين، والمجتمع الدولي ككل، لأنهم لم يلعبوا أي دور لتوحيد صفوف الثوار السوريين، فإن العذر واضح، وهو طبيعة المجتمع السوري الذي يتكون من طوائف وأديان وعرقيات مختلفة، يصعب التوفيق بينها.. وآخر الأعذار هو أن الولايات المتحدة قد خرجت للتو من حربين خارجيتين، ولا تنوي الدخول في حرب جديدة تكلفها مبالغ طائلة، ما لم تشعر إدارة أوباما أن الأزمة السورية وتداعياتها بدأت تُهدد الأمن القومي الأمريكي، أو أمن إسرائيل، عندها فقط يمكن أن تتحرك الآلة العسكرية الأمريكية لإسقاط نظام الأسد ووضع حد لحمام الدم المتدفق منذ سنتين.. وحسب بعض المحللين، فإن هذا الموقف هو الذي سيلتزم به أوباما في فترة ولايته الثانية، على الصعيد الخارجي.. وكل من لا يلمس هذا بوضوح، فهو مصاب بتشويش في الرؤية السياسية، ولن يحصد سوى خيبة أمل كبيرة وقاسية..
ولاشك أن ثمة ذرائع أخرى، غير التي سبق عرضها آنفاً، يسوقها الأمريكيون لتسويغ تقاعسهم عن نصرة الثورة السورية.. وعلى الرغم من أن كل هذه الذرائع باتت مكشوفة لكل ذي عقل وعينين، نرى الأمريكيين يصرون عليها لنفي مسؤوليتهم الكاملة عما حدث ويحدث في سوريا.
الحزمة الثالثة:
محللون آخرون أوصلهم بحثهم إلى اكتشاف سبب ثالث لغموض الموقف الأمريكي وسلبيته تجاه الثورة السورية، وهذا السبب يكمن، كما يرون، في تفكير أوباما ونهجه السياسي، بالدرجة الأولى.. فحسب هؤلاء، لأوباما نهج سياسي من الصعب إنكار خصوصيته التي تُميزه عن مناهج كلِّ من سبقوه إلى كرسي الرئاسة الأمريكية... وبالتأكيد ليس المقصود بهذا الكلام مديح الرجل أو ذمّه، بل محاولة العبور إلى عمق نهجه السياسي، في التعامل مع مشكلات بلاده والعالم، وإضاءة جانب من آلية هذا النهج وبعض الأهداف التي يسعى إليها.. لأن مثل هذه المحاولة تبدو، في نظر أصحاب هذا الرأي، شرطاً لابد منه لمعرفة أسباب الموقف الذي اتخذه تجاه الثورة السورية، ومحاولة تفسيره واستشفاف غير المعلن من غاياته إن أمكن.
ويحاول آخرون يُشاطرون أصحاب هذا الرأي رأيَهم، أن يُضيئوا جانباً من ماهية هذه الغايات، فتراهم يشيرون إلى وجود علاقة قوية بين العوامل والأهداف الصانعة للموقف الأمريكي من الثورة السورية، وبين الأهداف الإستراتيجية البعيدة المدى للسياسة الأمريكية في صراعها ضد العديد من القوى الإقليمية والدولية، على الساحة شرق الأوسطية.
وبعد،
فمن بين هذه الحزم الثلاث من الآراء، تبدو ثالثتُها الأكثرَ قدرةً على لَفْت الانتباه وإثارة الاهتمام والتفكير، مقارَنَةً بالحزمتين الأخريين اللتين يتراءى للباحث فيهما وفي كثير غيرهما مما تَضمَّنته دراساتٌ وبحوث ومقالات اهتم مؤلفوها بدراسة المواقف العربية والإقليمية والدولية تجاه الثورة السورية، أن معظم هؤلاء المؤلفين والمحللين قد قاربوا الحقيقة، لكنهم لم يستطيعوا الجزم بأن ما وصلوا إليه يُمثِّلها. وربما يعود ذلك إلى اقتصارهم، في استقاء معلوماتهم، على ما اعتبروه مصادر موثوقة فقط، رافضين الاعتماد على أي افتراضات مستقاة من خارج إطار هذه المصادر، أو حتى مُستَنْتَجَةً منها.
لذا، ومن خلال هذه الزاوية المحددة في النظر للحزم الثلاث آنفة الذكر، سيتم التركيز، تالياً، على الحزمة الثالثة، لاعتمادها على الافتراض سواء في تصور سمات خاصة لنهج أوباما السياسي، أو في تحديد أهدافٍ لسياسته، تم افتراضُها استنتاجاً من تحليل حركيته في معالجة مشاكل بلاده الداخلية وعلاقاتها الدولية المختلفة والمعقدة، خلال فترة ولايته الأولى، وما أسفرت عنه هذه المعالجة من نتائج وتداعيات، في منطقة الشرق الأوسط تحديداً، خلال فترة ما عُرِف بالربيع العربي خصوصاً. على أمل أن تقود مناقشة هذه الأهداف إلى جلاء حقيقة موقفه الملتبس تجاه الثورة السورية، أو جلاء جانب منه على الأقل، قد يساعد جلاؤه في تصوُّر ما يمكن أن يكون عليه ذلك الموقف تجاه هذه الثورة، خلال فترة ولايته الثانية.
أهداف مُفتَرَضة لموقف أوباما تجاه الثورة السورية:
1) تحجيم التأثير الإسرائيلي في السياسة الأمريكية
منذ فوز أوباما بمنصب الرئاسة الأمريكية، لم يَرُق لنتنياهو ولا راق نتنياهو له.. ومع أن البعض يعزو للعامل الشخصي دوراً كبيراً في صياغة محددات العلاقة التي ربطت بين الرجلين، يرى آخرون أن ما يراه كلٌّ منهما مصلحةً لبلاده هو الذي صاغ نوعية علاقته بالثاني، وليس تنافر شخصيتيهما وطرق تفكيرهما فحسب.
ولعل الميدان الأوضح لتنافرهما كان في اختلاف رؤيتيهما لملف إيران النووي، ولما ينبغي أن يكون ردُّهما على سعيها المحموم لامتلاك سلاح نووي بمساعدة روسية.. فبينما يرى نتنياهو أن الرد الأفضل ينبغي أن يكون عسكرياً، يرى أوباما أن العقوبات الاقتصادية من جهة، ومحاولة عزل إيران إقليمياً ودولياً من جهة أخرى، أفضل على المدى البعيد، وأقل كلفة، من الرد العسكري المباشر.. وبعد انطلاق الثورة السورية وانحياز إيران الصارخ لجانب النظام ضد هذه الثورة، والذهاب بعيداً في هذا الانحياز إلى حد ضخِّ مليارات الدولارات وإرسال الأسلحة والرجال لمساعدة الأسد على قمع الثائرين ضده، فإن أوباما الذي أدرك، كما يبدو، مقدار تصميم السوريين على التخلص من نظام الأسد، بالغاً ما بلغ الثمن، رأى استغلال اندفاع قادة طهران لدعم هذا النظام، وإصرارهم على إخماد الثورة ضده، بتركهم يغرقون أكثر فأكثر في المستنقع السوري الذي كلما تقدموا داخله خطوة زادوا في إنهاك اقتصاد بلادهم، الأمر الذي سيحدَّ من إصرارهم على المضي قدماً في برنامجهم النووي، لسبب بسيط واحد هو عجزهم الاقتصادي عن دفع تكاليف الاستمرار فيه إلى حد التمكن من امتلاك السلاح النووي.
هذه الرؤية الافتراضية لما عليه موقف أوباما من الملف النووي الإيراني، جعلته يرى في إصرار نتنياهو على ضرب إيران عسكرياً، بمساعدة الولايات المتحدة أو بدون مساعدتها، تهوراً سياسياً وعسكرياً غير محمود العواقب، وباهظ التكلفة جداً، في مقابل تحقيق نفس الهدف بدون كلفة، وبأسلوب مضمون النتيجة سلفاً، هو الذي تمت الإشارة إليه آنفاً.
وتُظهر الأحداث المتسارعة على الساحة شرق الأوسطية عموماً، والساحة السورية خصوصاً، أن تفكير أوباما صحيح إلى درجة كبيرة، بدليل أنه بدأ يؤتي أُكلَه على أرض الواقع.. فمن جهة انخفض سعر العملة الإيرانية إلى نحو النصف، وثمة معطيات كثيرة تؤشر إلى معاناة الاقتصاد الإيراني لأزمة خانقة.. ومن جهة أخرى، باتت إيران أقل خطورة على إسرائيل والخليجيين، بعد زيادة المؤشرات على احتمال تفكُّك الدولة في سوريا التي ضعف جيشها وانهار اقتصادها تقريباً، كما تذكر صحيفة معريف استناداً إلى تقدير وزارة الخارجية الإسرائيلية. وبديهي أن يؤدي ضعف سوريا وانشغال نظامها في قمع الثائرين ضده، إلى تراجع قدرة حزب الله على المشاركة في أي مواجهة عسكرية محتملة مع إيران، هذا على افتراض وجود عداء حقيقي بين الثلاثي إيران وإسرائيل وحزب الله.
إلى ذلك، ثمة من يذهب أبعد في تحليل موقف أوباما تجاه نتنياهو، فيرى أنه حاول، ومنذ البداية، تحجيم نفوذه في الولايات المتحدة والحد من صلفه وغروره من جهة، وتحجيم تأثير إسرائيل في القرار الأمريكي الخارجي من جهة أخرى، ولاسيما في منطقة حيوية كمنطقة الشرق الأوسط، لكن دون المساس بأمن إسرائيل ومستقبلها. وربما يكون أوباما قد نجح في مسعاه هذا، على الصعيد الشخصي، بشكل خاص، فقد أدى فتور علاقة نتنياهو برئيس الولايات المتحدة إلى تراجع في عدد مؤيديه الإسرائيليين، كما أفصحت عن ذلك نتائج فوزه الهزيل في الانتخابات الأخيرة، كما أدى إلى فتور حماس اللوبي الصهيوني في دعم سياساته ضد الفلسطينيين، ولاسيما سياسته الاستيطانية التي ظن أنه بالإصرار على تنفيذها يمكنه إعلان تفوقه على الرئيس الأمريكي الذي ما فتئ يدعوه إلى الكف عن المضي في نهج الاستيطان.
أسلوب آخر ردَّ به أوباما على نتنياهو وإسرائيل معاً، تمثَّل في غضِّ طرف مدروس عن صعود الأخوان إلى سدة الحكم في مصر، وكذلك في تونس وليبيا.. وعلى نقيض ما يذهب إليه نتنياهو وكثير من الإسرائيليين خلفه، قد لا يكون من الخطأ التصور أن أوباما يرى في استمرار الثورة السورية، وزيادة تحولها إلى صراع مسلح مع النظام، بداية لتحوُّل سوريا إلى نقطة استقطاب وجذب لكثير من ممثلي أطياف الاتجاهات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وهؤلاء لن يحاولوا دخول سوريا من أجل مشاركة ثوارها في إسقاط نظام الأسد فحسب، بل من أجل الجهاد ضد إسرائيل أيضاً... وعلى هذا، ربما يكون صحيحاً القول أن أوباما بتركه زمن الثورة السورية يطول قد مهَّد لتحويل الجبهة السورية التي ظلت هادئة طيلة السنين الأربعين الماضية إلى جبهة مشتعلة وبشدة، ضد إسرائيل...
ومع أن ما سبق قد لا يعدو كونه محض افتراض لا دليل عليه، لكنه لا يمنع من القول إن إسرائيل، في ظلِّ تحولات عربية حصل بعضها كما في مصر، وبعضها مازال مُحتَمَلاً كما في سوريا، لا يمكنها أن تعيش معزولة سياسياً، بل ستزداد حاجتها أكثر إلى شريك قوي يساعدها في مواجهة المخاطر المحيطة بها، وليس لها من مساعد كالولايات المتحدة حليفتها القوية والمخلصة.. ولذلك رأى كثيرون من اليهود الإسرائيليين والأمريكيين على السواء أن إفساد هذه العلاقة مع الحليفة الأقوى أمر غير مقبول، لأي سبب مهما كان، خصوصاً وأن نتائجه السلبية التي بدأت تتكشف لا تُبشِّر إسرائيل بخير، وفي مقدمة هذه النتائج إقبال الأمريكيين على فتح حوارات جادة مع ممثلي النظام الإسلامي الجديد في المنطقة, وهذا بديهي لأن واشنطن مضطرة، في ضوء هذا الحراك الإقليمي المتصاعد، إلى البحث عن شركاء حقيقيين لمساعدتها في الحفاظ على استمرار نفوذها في المنطقة لا على تقليصه.
ويبدو أن واشنطن قد وجدت في تركيا مثل هذا الشريك، كما يُستشَف من تطوُّر العلاقات التركية/الأميركية خلال السنوات الأخيرة، وها هي تجد في حركة الأخوان المسلمين في مصر شريكاً ثانياً، وليس بعيداً أنها لن تمانع في التعاطي مع أي فصيل إسلامي يمكنه أن يتسلم مقاليد الحكم في سوريا، إذا أبدى مرونة سياسية وفهماً لطبيعة العلاقات الدولية ومعادلات المصالح التي تتحكم في تحديد المسارات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط.. وهذه كلها تطورات يصعب على إسرائيل إدارة الظهر لها، أو الحلول محل أي شريك أوسطي جديد للولايات المتحدة والقيام بدوره إقليمياً ودولياً، لافتقار إسرائيل، وخصوصاً في المرحلة القادمة، إلى أيديولوجية مقبولة في وسط عربي يزداد انزياحاً نحو الإسلام، بالإضافة إلى كونها دولة صغيرة ومحدودة الموارد والثروات أيضاً. وهذا كله، يعني أن نطاق المناورة سيزداد ضيقاً أمام إسرائيل، في المرحلة القادمة، الأمر الذي سيؤدي إلى ازدياد اعتمادها على القوى الخارجية، لكنها لن تجد هذه القوى تُسرع إلى نجدتها كما في الماضي، بسبب تضارب مصالحها ومصالح حلفائها الجدد في الشرق الأوسط مع المصالح الإسرائيلية، وهو ما يعني في المحصلة، أن إسرائيل على أعتاب مستقبل ستواجه خلاله مصاعب أكثر في طريقة اتخاذ قراراتها، وفي تنفيذ هذه القرارات.. الأمر الذي ينبغي أن يدفعها إلى زيادة الإبداع في سياستها الدبلوماسية، وليس إلى زيادة الانحراف نحو التطرف اليميني ذي الطابع الديني/الشوفيني البغيض.
2) إعاقة المشروع الإيراني في الشرق الأوسط
قد لا يكون خطأً الافتراض القائل إذا كانت إستراتيجية أوباما في التعاطي مع الملف الإيراني تقوم على أساس تجنُّب الدخول في حرب عسكرية مباشرة ضدها، تفادياً لكلفتها الباهظة عسكرياً وبشرياً، إلا أنَّ تجنُّبَه الدخول في حرب كهذه لا يعني تخلِّيه عن أهدافها، بل يعني أنه وجد أسلوباً آخر لتحقيق نفس الأهداف بكلفة أقل وتأثير أبعد، وذلك من خلال الاستمرار في إنهاك إيران اقتصادياً بعدة طرق، كما سبقت الإشارة، أهمها: زيادة العقوبات الاقتصادية عليها، وزيادة عزلتها إقليمياً ودوليا، وزيادة توريطها في المستنقع السوري، وزيادة دفعها إلى رفع وتائر تسليحها والإنفاق على تطوير ترسانتها العسكرية دون توقُّف، وغير ذلك من طرق أخرى تؤدي مجتمعةً، في النهاية، إلى إضعاف قدرة إيران على المضي في مشروعها لامتلاك سلاح نووي من جهة، وعلى إعاقة مشروعها التوسعي الرامي إلى جعلها قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، على حساب النفوذ الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي، من جهة أخرى.
ولعل من الواضح لكل من يمعن الفكر في هذه الإستراتيجية أن زيادة توريط إيران في الأزمة السورية هي أقصر الطرق إلى إضعافها وأكثرها خطراً على مشروعَيها النووي والتوسعي وأشدها فتكاً باحتمالات تحقيقهما. وذلك لأن إصرار قادة إيران على بقاء النظام السوري يستنزف الكثير من أموالها، ويجلب لها ولهم عداوة معظم الشعوب العربية والإسلامية المتعاطفة مع الثورة السورية، كما يزيد من نقمة شعبهم عليهم لاعتقاد غالبية أبنائه بخطأ سياستهم.. وربما كان إدراك أوباما لهذه المعطيات جميعاً وراء تركه المجال مفتوحاً أمام إيران للتورُّط أكثر فأكثر في المستنقع السوري، موقناً أن نتائج تورُّطها فيه ستحقق لأعدائها، على المدى البعيد، أكثر مما يحققه دخولهم في أي حرب عسكرية مباشرة ضدها، حتى ولو انتصروا فيها.. وهذا التقدير سليم إلى حد بعيد من الناحية السياسية، ومقبول إلى حد بعيد أيضاً من الناحية الإستراتيجية، لكن تَرْكَ السوريين وحدهم يسددون ثمنه الفادح من دمائهم وأرواحهم وممتلكاتهم، يُعدُّ ظلماً فادحاً لهم، وخطأً على المدى البعيد، قد يُضطر العالم لدفع أثمان باهظة من أجل تصحيحه.
سؤال هام
إذا كانت إيران وإسرائيل عَدُوَّتين لدودتين لبعضهما، كما تدَّعيان، وإذا كانت نتائج تورُّط أيٍّ منهما في الأزمة السورية سلبيةً النتائج عليها، كما ترى إدارة أوباما، فلماذا حَرِصَتَا، وما تزالان، على التورُّط في هذه الأزمة أكثر فأكثر، بدعم نظام الأسد والحيلولة دون سقوطه؟
للوصول إلى إجابة دقيقة عن هذا السؤال، قد يكون من الأفضل الابتعاد قليلاً عن نظرية المؤامرة التي يتم فيها تصوير إسرائيل وإيران والنظام السوري وحزب الله اللبناني كحلفاء في السر يتظاهرون بالعداء لبعضهم في العلن. فبعيداً عن هذه النظرية التي يطعن بها كثيرون، يمكن القول إن معطيات الواقع ومتغيِّراته قد تدفع أحياناً عدوَّين لدودين إلى العمل منفصلين على تحقيق هدف واحد، يرى كلٌّ منهما في تحقيقه خدمةً لمصالحه، بطريقة ما...
من زاوية النظر هذه، وعلى خلفية افتراض صحتها، يمكن الإجابة عن السؤال السابق كالتالي:
في الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط تُعَدُّ سوريا منطقة أمنية أساسية لإسرائيل وذراعاً طويلة لإيران.. وعلى الرغم من العداء المعلن بين هاتين القوتين الإقليميتين، إيران وإسرائيل، تعتقد كلٌّ منهما أن نظام الأسد ضمانة أساسية لأمنها. ولا يعني هذا المعطى اتهام النظام السوري بالعمالة لإسرائيل، بل يعني أنه نظام يعرف حدود المخاطرة ولا يتجاوزها، وهذا ما يهم إسرائيل وداعميها الأمريكيين والأوروبيين.. كما أنه نظام ذو خلفية طائفية وطبيعة براغماتية تُساعد إيران في مشروعها الرامي إلى تحويلها لقوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط.. وبهذا، شكَّل نظام الأسد نقطة التقاء لمصالح العدوين الإيراني والإسرائيلي.
فمن جهة إسرائيل، ترى أن سقوطه يُهدِّد أمنها باحتمال أن يخلفه نظام إسلامي معادٍ لها، وهو ما يعني اختلال كامل نظام التوازن الأمني الإقليمي الذي ساد، منذ اتفاق فكِّ الارتباط مع إسرائيل، في منتصف عام 1974، والذي لم تطلق سوريا بعد توقيعه، رصاصة واحدة من الجولان على إسرائيل، مكتفية بادعاء العداء لها وتبني قيادات المقاومة الفلسطينية العاملة ضدها، بالإضافة إلى دعم حزب الله اللبناني الذي ينسب لنفسه شرف تحرير الجنوب اللبناني من قبضتها. ولكن، مع أن النظام السوري قد قام بكل هذا، إلا أنه لعب، وفي نفس الوقت، دور الحامي لإسرائيل من قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، عن طريق هيمنته على قرارها مقابل السماح لها بالإقامة على الأرض السورية، وتقديم الدعم الإعلامي والمادي المحدود لها.
ومن جهة إيران، مكَّنها النظام السوري من مدِّ نفوذها بعيداً داخل لبنان، عبر حزب الله الذي لعب دور الحليف المشترك لكليهما، كما ساعدها على التغلغل بشكل كبير داخل العراق، والهيمنة على قراره السياسي والعسكري، وعلى تخليصه من قبضة الأمريكيين ووضعه تحت سلطة حكّام طهران.. وكان لا يتوقف عن وعد الإيرانيين بأنه سيبذل كل ما بوسعه لمساعدتهم في تحقيق حلمهم التوسعي الذي لا يكتفي ببسط سلطانهم على العراق ولبنان فقط، بل على جانب كبير من دول الخليج العربي الغنية بالنفط أيضاً.
لهذا، وعلى افتراض الصحة في جملة المعطيات السابقة، ربما لا يبدو مستغرَباً أن يتفق الإسرائيليون والإيرانيون على حماية نظام الأسد، وذلك عبر محاولة كلٍّ منهما إقناع أصدقائه في العالم بعدم التدخل ضد هذا النظام بغية الإسراع في إسقاطه.. وإذا كانت إيران قد نجحت في إقناع روسيا والصين بتقديم دعم لا محدود للنظام السوري، فإن قرار إدارة أوباما بعدم التدخل العسكري المباشر لإسقاط النظام السوري لم يكن حصيلة نجاح إسرائيل في إقناع حليفتها الأمريكية بذلك، كما يظن كثيرون، ولكن لأن هذه الإدارة قد وجدت أن إطالة عمر النظام يخدم مصالحها ومصالح حلفائها أكثر من تسريع سقوطه.. وربما لذلك، رأى (فريدريك هوف) الذي تولى الملف السوري في الخارجية الأميركية، طيلة السنوات الأربع الماضية، أن مما يثير السخرية فعلاً اتهام النظام السوري وإيران وحزب الله للإدارة الأمريكية بتسليح الثوار السوريين، وكذلك اتهام الكثير من أولئك الثوار لها بأنها لا تفعل ما يكفي لنصرتهم.
ووصف هذه الاتهامات بأنها مثيرة للسخرية ينبع من قناعة (هوف) وغيره بأن من يتهمون إدارة أوباما بها لا يعرفون حقيقة موقفها تجاه الثورة السورية، ولا كيفية استثمارهم لها في خدمة مصالحهم شرق الأوسطية، والإيقاع بأعدائهم الذين تأتي إيران في مقدمتهم... ومن الممكن شرح هذه الكيفية بالقول: حين تُبدي إدارة أوباما قدراً من اللامبالاة بالثورة السورية يدفع السوريين ومؤيديهم إلى حدود الإحباط واليأس من إمكانية إسقاط النظام، فإنها تُعطي بذلك الأمل لإيران بأن بقاء الأسد ونظامه في السلطة أمر مازال ممكناً إذا استمرت طهران بدعمه اقتصادياً وعسكرياً.. ولاشك أن إدارة أوباما حين تُعطي إيران مثل هذا الأمل، فإنها تفعل ذلك لإضعافها، تمهيداً لثنيها عن الاستمرار في برنامجها النووي الذي يُشكل خطراً على حلفاء واشنطن في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل. ذلك أن أوباما على يقين من أنه كلما نجح باستدراج إيران إلى الغوص أكثر في المستنقع السوري، كلما أضعف قوتها أكثر في حرب تبدو نتيجتها واضحة بالنسبة له. فهو على يقين من أن نظام الأسد سيسقط، في النهاية، ولكنه سيكون قد دمَّر سوريا الدولة قبل سقوطه، إلى الحد الذي سيبقيها منشغلة بنفسها لعقود، كما سيكون قد استنزف إيران إلى الدرجة التي تضطرها للقبول صاغرة بالتنازل عن برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها..
وبعد، قد يكون كل ما تضمنه هذا التحليل محضُ افتراض، لكنني أقول: إنه ليس افتراضاً لا جذر له البتة في تربة الواقع، وإلا كيف نُفسِّر تراجع إسرائيل مؤخراً، عن تهديد إيران بالخيار العسكري، لإجبارها على التخلي عن مشروعها النووي، وتزايد الأحاديث في دوائر صنع القرار الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية عن وجود معطيات جديدة تدفع إلى الظن باحتمال قبول طهران التنازل عن مشروعيها النووي والتوسعي مقابل رفع العقوبات عنها، خاصة بعد هبوط سعر الريال فيها إلى النصف مؤخراً؟
3) إضعاف روسيا والحيلولة دون تمكينها من استعادة نفوذها الدولي
يبدو أن الخطة الأمريكية المفترَضَة، في سياق هذا البحث، للتعاطي مع ملف الثورة السورية، لا تهدف إلى إضعاف إيران فحسب، كما تمت الإشارة آنفاً، بل إلى إضعاف روسيا أيضاً، وبنفس الطريقة، أي بدون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معها، بل بدفعها إلى مزيد من التورُّط في الأزمة السورية، عن طريق تضخيم مخاوفها من سقوط نظام الأسد، وفي مقدمة هذه المخاوف:
أ) اضطرار روسيا إلى تفكيك قاعدتها العسكرية في (طرطوس) التي تُعدُّ آخر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط، ثم خروجها من سوريا بعد ذلك على نحو مذل لابد أن يؤثر سلباً على هيبتها ونفوذها الدوليين، كما يتوقع كثيرون، وبالتالي، على جملة مصالحها في الشرق الأوسط بشكل خاص، تلك المصالح التي باتت مهدَّدَة، بعد ثورات الربيع العربي، كما تقول دراسة إسرائيلية، ليس بسبب تعاظم المنافسة الغربية والصينية لها فحسب، بل بسبب النتائج السلبية للموقف الروسي ضد ثورتي الشعبين الليبي والسوري أيضاً.
ب) ضعف موقفها في الشرق الأوسط، فحسب الدراسة آنفة الذكر نفسها التي أعدها (تسفي مجين)/خبير الشؤون الروسية في مركز بحوث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، ثمة (تحديات عظيمة ستواجه مكانة روسيا وسياستها في الشرق الأوسط، بعد تضعضع سلطة الرئيس الأسد، لأن إسقاط نظامه، وما يستتبعه إسقاطه من حَلٍّ للمحور "المتطرف" الإقليمي الذي تقوده إيران، سيضعف موقف روسيا الإقليمي إلى حد كبير)، كما سيحرمها من تحقيق طموحها بالحلول بديلاً عن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، اعتماداً على مواقفها الداعمة للعرب في صراعهم مع إسرائيل من جهة، وعلى خلو ماضيها من أي محاولة لاستعمار أي بلد عربي في الماضي من جهة أخرى..
ج) الخشية من الطابع الإسلامي لثورات الربيع العربي، وهي خشية أشار إليها أكثر من باحث ومحلل، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين الروس رفيعي المستوى، في مقدمتهم بوتن نفسه. ومصدر هذه الخشية احتمال أن يؤدي مسار الثورات العربية الراهنة إلى أسلمة كاسحة لمنطقة الشرق الأوسط، لاسيما وأن بعض الدول السنية الكبيرة الغنية والفاعلة، كالسعودية، تدعم هذا الاحتمال في إطار سعيها إلى صياغة جبهة إقليمية سنية موحَّدة لمواجهة مدِّ إيران الشيعية في المنطقة، وهو ما ترفضه روسيا بشدة، ليس لأنها حليفة قوية لإيران فحسب، بل لخشيتها من امتداد هذا النفوذ السني الأوسطي إلى حديقتها الخلفية أيضاً في القوقاز والشيشان وغيرهما من البلدان الإسلامية التي مازالت موسكو تفرض هيمنتها عليها بالحديد والنار.
د) الخوف من سوء العلاقات مع تركيا التي انحازت حكومتها إلى جانب الثورة السورية ضد نظام الأسد. إذ يتخوف الروس من أن يقوم الأتراك بِرَدِّ فعل سلبي ضدهم، بعد سقوط هذا النظام، الأمر الذي سيضر كثيراً بكمٍّ كبير من المصالح الاقتصادية المشتركة بين بَلَدَي الطرفين. وربما لهذا يحاول الروس عدم تصعيد نبرة انتقادهم للموقف التركي المؤيد للثورة السورية، على أمل أن يستثمروا ذلك مستقبلاً بالطلب من الأتراك لعب دور الوسيط مع دول العالمين العربي والإسلامي لتأمين بعض مصالح روسيا في هذه الدول التي صار لتركيا دور ومكانة كبيران فيها.
إن جملة هذه المخاوف، وأخرى عديدة غيرها، لعبت دوراً كبيراً في دفع الروس إلى دعم نظام الأسد ومحاولة منع سقوطه، وقد نجح الأمريكيون والأوروبيون في التقاط هذه المخاوف ببراعة، ثم ضفرها مع بعضها وتحويلها إلى حبل متين لفُّوه حول عنق روسيا، ثمَّ شدُّوها به إلى المستنقع السوري، راغبةً في البداية، وراغمةً بعدما اكتشفت متأخرةً أنها خُدعَت إلى حدٍّ لم تَعُدْ تستطيع بعد بلوغه التراجع أو الهروب...
4) استرداد السيطرة على العراق بعد الانسحاب منه عسكرياً
كان من المدهش والمستغرَب في آنٍ معاً، أن نرى الأمريكيين ينسحبون من العراق، على ذلك النحو المذل، بعدما كلفهم احتلاله وإسقاط نظام صدام حسين الذي كان فيه تريليونات الدولارات وآلاف القتلى، ثم يتركونه لقمة سائغة لإيران/الدولة التي يصفونها دائماً بالعدو!... إن من الأسئلة الهامة التي أثارها هذا الانسحاب وما تزال تنتظر إجابة منطقية ومقنعة: لماذا فعلت إدارة أوباما ذلك؟ ألأنها أدركت أن البقاء في العراق مستحيل، أم بسبب معاناة اقتصادها الكثير من المصاعب التي سببتها له الأزمة المالية العالمية التي لم تُحلّ إلى اليوم بشكل كامل؟ أم لأنها أدركت أن لا مجال لمنع الإيرانيين من الهيمنة على قرار العراق السياسي بعدما نجحوا في التغلغل داخل معظم مؤسساته السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ أم كان لإدارة أوباما غاية أخرى ما تزال غير واضحة الماهية والمعالم إلى الآن؟ وهل يمكن أن تكون هذه الغاية التحضير لتقسيم العراق إلى دويلات طائفية وعرقية تناصب بعضها العداء، كما أشارت صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) مثلاً، في أحد أعدادها الشهر الماضي، خصوصاً بعدما هيأت الثورة السورية الأرض العراقية لمثل هذا الانقسام، جرَّاء انقسام العراقيين تجاهها إلى مؤيد لها ومعارض؟ وهل حقاً لتركيا يدٌ في هذا الاتجاه، أم أن ما يقال عن محاولاتها استمالة الأكراد في إقليم كردستان، على خلفية تماثلها المذهبي معهم، هو محض افتراء على تركيا؟ وماذا عن دور إسرائيل في السعي إلى تفتيت الدولتين العراقية والسورية؟ وهل لكل هذه التساؤلات صلة ما وثيقة بصناعة موقف إدارة أوباما تجاه الثورة السورية، وما عساها تكون نوعية هذه الصلة؟
لن تتضمن السطور التالية إجابات مباشرة عن جملة التساؤلات الآنفة، بل سيتم التركيز فيها على بيان أهمية العراق في المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد من جهة، وأهميته في المشروع التوسعي الإيراني ذي الصبغة الطائفية الفاقعة من جهة أخرى، وكيف حاولت إدارة أوباما أن تتجنب الاصطدام مع الإيرانيين، على سكة تناقضِ مشروعها مع مشروعهم، بترك العراق لهم مؤقتاً، ثم استرداده منهم دون قتال عن طريق جرِّ وكلائهم فيه، والمقصود حكومة المالكي، إلى الغرق في مستنقع الأزمة السورية أيضاً، بدعم نظام الأسد اقتصادياً وعسكرياً ولوجستياً ضد الثائرين ضده من السوريين.. وفي الواقع، تقول نتائج سعي الأمريكيين، في هذا الاتجاه، بأنهم حققوا نجاحات ملموسة على الأرض... ولكي نُدرك أهمية ما حققوه، قد يكون من الضروري إلقاء بعض الضوء على أهم العوامل الصانعة للموقف العراقي تجاه الثورة السورية.
أهم العوامل المُكَوِّنَة للموقف العراقي تجاه الثورة السورية
1) التركيبة العرقية والمذهبية المعقدة للعراق، ودورها في جعله أكثر دول الجوار تأثراً بتداعيات الثورة السورية.. وربما لا يحتاج هذا المعطى إلى برهان يؤكد صحته، إذ يبدو تأثير هذه التركيبة جلياً في حالة الاحتقان السياسي السائدة على ساحة العراق السياسية، بين الشيعة المؤيدين للنظام السوري اصطفافاً وراء ائتلاف "دولة القانون" الذي يتزعمه رئيس الحكومة المالكي، وبين السنة العرب المؤيدين للثورة السورية والمصطفين وراء قادتهم الذي خرجوا إلى الشارع العراقي منذ شهر تقريباً ليكونوا قادة لحراك الربيع العراقي، وبين السنة الأكراد الموالين للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني الذي سعى، خلال تموز 2012، إلى الإطاحة بالمالكي، ويضاف إلى هذه المكونات الثلاثة الرئيسة أخرى أصغر وأقل تأثيراً في المشهد السياسي العراقي، كما يضاف إليها التكتلات التي تمَّ تشكيلها على أساس سياسي كحال "القائمة العراقية" التي يرأسها إياد علاوي، والتي تضم أطيافاً متباينة عرقياً ومذهبياً، من المجتمع العراقي، ولكنها متوافقة سياسياً.. ومن اللافت أن كل المكونات الداخلة في تركيبة النسيج العراقي، باستثناء المصطفين وراء المالكي، يتهمونه وحزبه والموالين له، بالسعي إلى التفرُّد بالسلطة.
2) وقوع حكومة العراق الحالية وسط معادلة متناقضة الطرفين، هما إيران والولايات المتحدة. ومن الملاحَظ أن تناقضهما، ظاهرياً على الأقل، ليس بسبب تناقض مصالحهما في الشرق الأوسط فحسب، ولا بسبب الموقف من إسرائيل فقط، وإنما بسبب تناقض موقفيهما تجاه الثورة السورية، إذ بينما تعلن إيران انحيازها ودعمها المطلق للنظام السوري ضد الثائرين ضده، تزعم الولايات المتحدة أنها تؤيد السوريين في ثورتهم ضد ذلك النظام.. ولأن نظام المالكي منقادٌ مذهبياً إلى الطرف الإيراني، لا يستطيع أن يرفض له طلباً، ويخاف، في الوقت نفسه، من الطرف الأمريكي الذي لم يترك جيشُه العراقَ إلا منذ فترة وجيزة، فقد وجد المالكي نفسه، وكذلك حزبُه وحكومته في موقف المضطر إلى إرضاء خصمين في آن واحد، وقد اختلفا حول موضوع واحد أيضاً هو موضوع الثورة السورية.. ويبدو أنه وجد خيرَ المواقف أكثرها تحايلاً، فانحاز إلى الطرف الإيراني سرّاً وعلانية، بينما تظاهر بالخضوع للأمريكي علناً... وبتعبير أكثر وضوحاً ودقة: أعلنت حكومة المالكي رفضها للتدخل الخارجي في الشأن السوري، ولتنحية الأسد عن منصبه بالقوة، وعارضت فرضَ عقوبات اقتصادية عربية ودولية على النظام، كما عارضت تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، لكنها بالمقابل أعلنت تأييدها بالكلام فقط للثورة السورية. ومقابل هذه الخطوات العلنية أرسلت سرّاً، وبأمر من طهران، المال والسلاح والرجال لدعم النظام السوري ضد الثائرين عليه. وحين اعترضت الولايات المتحدة على هذا الموقف، وطالبت حكومة المالكي بوقف تمرير الأسلحة الإيرانية والروسية إلى النظام السوري، عبر الأراضي والأجواء العراقية، تظاهرت هذه الحكومة بالخضوع والامتثال للأمر الأمريكي، وقامت بتفتيش طائرتين إيرانيتين لم تجد فيهما سلاحاً بالطبع، بينما سمحت لعشرات غيرهما بالمرور وهنَّ محملات بالأسلحة لقتل الشعب السوري. وبالطبع لم تَغِبْ هذه الحيلة الصبيانية عن فطنة الأمريكيين، لكن أوباما أَسَرَّها لغايةٍ في نفسه، وتظاهر بأنه لم يرَ ما فعل مراهقو السياسة العراقية.
3) اضطرار المالكي، بضغط من إيران، إلى تغيير موقفه تجاه الأسد، من النقيض إلى النقيض، وذلك بعد انطلاق الثورة السورية ضده... فمن المعروف، أن المالكي لم يكن ليتوقف عن اتهام النظام السوري ورئيسه بالمسؤولية عن أعمال العنف التي اجتاحت العراق منذ نهاية 2009، إلى ما قبيل بدء الثورة السورية، كما لم يكف المالكي عن مطالبة الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية لمحاسبة المتورطين في تلك التفجيرات.. ومن المعروف أيضاً، أن النظام السوري حاول الانتقام من المالكي برفض دعمه لتولي رئاسة الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في آذار 2010، وفازت فيها (القائمة العراقية)، لولا ضغط إيران على الأسد لدعم بقاء المالكي في منصبه، فوافق الأسد على الطلب الإيراني رغم تفضيله إياد علاوي. ولذلك كان على المالكي، في المنطق الإيراني، أن يردَّ المعروف للأسد ببذل كلِّ جهده لمنع السوريين من إسقاطه ونظامه.
4) خوف النظام العراقي الموالي لإيران من أن يؤدي انهيار النظام السوري إلى تأسيس حكم سني في دمشق، الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى اختلال في ميزان القوى العراقي الداخلي لصالح القوى السنية المعادية لنوري المالكي وحكومته، ومثل هذا الاختلال، إن حدث، لابد انه سيُضعِف حظوظ المالكي وحزبه في البقاء، مستقبلاً، كمُكَوِّن قوي ومؤثر في المعادلة السياسية العراقية. ولعل مما يزيد هذا التخوف قوة، في قناعة المالكي وحزبه، يقينُه بأن النظام الذي سيخلف نظام الأسد بعد سقوطه لن يكون ودوداً مع المالكي، بل ربما حاول تنغيص حكمه انتقاماً منه لدعم نظام الأسد.. وهذا نقيض ما يشعر به أعداء المالكي من الأحزاب والقوى السياسية العراقية السنية والكردية المؤيدة للثورة..
5) خشية حكومة المالكي وبقية الأحزاب العراقية المؤيدة لها والمعادية على السواء، من احتمال تحوُّل العراق إلى ساحة جديدة للمواجهة بين حليفيها اللدودين: إيران والولايات المتحدة. وذلك لقناعة المالكي وغيره من السياسيين العراقيين عموماً بأن إيران، ومن أجل تعويض خسارتها التي باتت محتملة في سوريا، فيما لو سقط نظام الأسد، لن تتردد مطلقاً في بذل كلِّ جهد ممكن لبسط هيمنتها على كامل العراق، لإحلاله محل سوريا كنقطة تواصل بينها وبين حلفائها الآخرين في المنطقة، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى اشتعال الساحة العراقية بالصراعات من جديد، وبدعم من الحكومة السورية الجديدة، لتكون النتيجة خسارة المالكي لمنصبه وربما لحزبه ولمستقبله السياسي ككل، هذا إذا لم تصل الخسارة إلى رأسه أيضاً...
6) التخوف من أن يؤدي سقوط النظام السوري الحالي، سواء حافظت سوريا على وحدتها الجغرافية أم تم تقسيمها، إلى تحولها لبؤرة جذب قوية للجهاديين الإسلاميين الذين لابد أن يتسرب عدد كبير منهم إلى العراق، لإشعاله مرة أخرى بالفتن الطائفية ذات الخلفية الانتقامية التي تطال الشيعة وحدهم.. وإذا حدث مثل هذا التطور، فلن ينتج عنه فقدان حالة الأمن والاستقرار الهشة فحسب، بل تهديد حكم الشيعة ككل أيضاً، لاسيما في ظل احتمال أن يتحول الخطاب السياسي للتيارات الجهادية، بعد انسحاب الأمريكيين من العراق، نهاية 2011، إلى دعوة للجهاد ضد الشيعة وحكومتهم وحلفائهم الإيرانيين، على خلفية مذهبية تتهم حكومة المالكي بالعمالة لإيران وتكريس سيطرتها على مفاصل صنع القرار السياسي والعسكري في العراق، كما تتهمها بالصدور عن خلفية طائفية في دعمها للنظام السوري.
7) التخوُّف من أن يؤدي تأسيس نظام إسلامي على خلفية مذهبية سنية، في سوريا، إلى اختلال في توازن القوى الإقليمي لصالح من يسمون اليوم (معسكر السنة)، وفي مقدمتهم تركيا التي زاد توتر علاقاتها مع العراق بسبب اتخاذ كلٍّ منهما موقفاً نقيضاً لموقف الآخر، تجاه الثورة السورية.. هذا بالإضافة إلى اختلاف البلدين بسبب اتهام أردوغان للمالكي ونظامه بانتهاج سياسة إقصاء وتهميش حكومي واقتصادي وعسكري، ضد سنة العراق واضطهاد المعارضين منهم..
وبعد، فهذه العوامل، وأخرى غيرها، ساهمت مجتمعةً في صياغة الموقف العراقي تجاه الثورة السورية وفي تطوُّره.. وثمة معطيات ومؤشرات عديدة تومئ، ولو من بعيد، إلى أن هذه العوامل كانت واضحة لمتخذي القرارات في إدارة أوباما، وقد تمَّ أخذها بعين الاعتبار، وتمَّ بناء العديد من المواقف الجزئية والمرحلية عليها، كما تم تقييم الكثير من خطوات أداء المالكي وحكومته على مختَلَف الصعد، داخلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً.. وفي مقدمة هذه الخطوات وأكثرها إثارة لدهشة العراقيين وإغضاباً للأمريكيين، قيام نوري المالكي بزيارة لروسيا في 9/10/2012، وَقَّع خلالها صفقة أسلحة روسية للعراق بقيمة أربعة مليارات وثلاثمائة مليون دولار.. وصحيح أن تلك الصفقة لم تتم، بسبب ما شابها من اتهامات بالفساد من قبل الطرفين العراقي والروسي، إلا أنها، مع ذلك، أثارت الكثير من التجاذبات السياسية الداخلية والمخاوف الإقليمية والعربية، وكثير من غضب الشعب العراقي.
فداخلياً، رأى فيها خصوم المالكي من السنة العراقيين خطوة باتجاه التحضير لديكتاتورية شيعية تحت قيادته، بينما رأى فيها الأكراد خطوة عدائية ضدهم.. وثمة طيف واسع من العراقيين رأوا، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية، أن الصفقة كانت، في الواقع، تنفيذاً لأمر إيراني، أراد مصدروه مكافأة روسيا على موقفها الداعم للنظام السوري، بالسلاح والخبرة، بالإضافة إلى استخدام حق الفيتو لمنع المجتمع الدولي من إدانته، أو اتخاذ قرار يسمح لأعضاء مجلس الأمن بالتدخل العسكري المباشر لإسقاطه.
وخارجياً، تُبين الظروف التي زامنت الزيارة أنها ليست موجهة ضد أي طرف إقليمي أو خارجي، وخصوصاً الولايات المتحدة التي يعلم المالكي علم اليقين أن من الغباء المطلق اتخاذ موقف الضد تجاهها.. وبالتالي، فلا مجال مطلقاً لتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها لحكومته، قبل سحب قواتها من العراق، وفي مقدمة هذه الخطوط، قرارها القطعي بالعمل على منع تأسيس أي تحالف بين روسيا وإيران والعراق وسوريا، بهدف دعم إيران على مواجهة الضغوط الدولية التي تُمارَس ضدها بسبب ملفها النووي، أو يساعد روسيا على استعادة نفوذها الذي فقدته في الشرق الأوسط، أو يُوفِّر مخرجاً للنظام السوري من مأزقه الحالي في مواجهة الثائرين عليه وينقذه من تأثير العقوبات الدولية ضده.
في ضوء مجمل ما سبق، وعلى افتراض صحته، يبدو أن إدارة أوباما كانت على علم كامل بكل خفايا الصفقة العراقية مع روسيا، وكذلك بحجم الدور الإيراني في رسم السياسات العراقية الداخلية والخارجية، وحتى بخفايا موقف حكومة المالكي تجاه الثورة السورية وبالعوامل الصانعة لذلك الموقف، وهذا كله يعني، في المحصلة، أنها تركت المالكي يتصرف، وحكومته، بحرية في الاتجاهات التي اختارها بنفسه، أو فرضتها إيران عليه، وكان غرضها، كما يبدو، من تركه يفعل ما يشاء، إغراقه في المزيد من مستنقع كراهية شعبه له، ولارتباطه بإيران ارتباط تبعية مذل، كما يبدو أنها كانت تنتظر انطلاق ربيع عراقي وشيك لن يستطيع المالكي، بعد انطلاقه، أن يستمر في تنفيذ أوامر إيران، أو مساعدة النظام السوري، لأنه سيكون عندئذ منشغلاً تمام الانشغال بالدفاع عن منصبه الذي يبدو أن إدارة أوباما ترى حتمية خسرانه له، ومن ثم خسران حزبه وكذلك الذين يدعمونه لرصيدهم في العراق، الأمر الذي يعني في النهاية استعادة واشنطن للعراق من إيران دون حرب عسكرية مباشرة معها.
للبحث صلة
د. أثال العاص - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية