للمشككين بنوايا إعادة الإعمار هناك فرق بين الاستثمار و الاستعمار و علينا أن نبدأ علاقتنا مع الآخر دون عُقد بناء على المصالح المشتركة.
العقوبات الاقتصادية لاتسقط نظام"العصابات القذرة" لكنها أثرت على المنتفعين من الدائرة الضيقة.
الزراعة مريضة و المعامل لا تعمل سوى بــ10% من طاقتها.
500 مليون دولار من الرساميل الصناعية السورية دخلت مصر.
توقف السياحة رفد سوق البطالة بمليون عاطل جديد عن العمل.
ليس جديداً الحديث عن النهج التدميري الذي اتبعه نظام الأسد في سوريا، فقد نتج عن بطش قواته دمار هائل للبنية التحتية و لملايين المنازل في المناطق الثائرة، تحت ضربات أثقل الأسلحة وأعنفها بدءاً بالمدفعية والدبابة و ليس انتهاءً بصواريخ بعيدة المدى "سكود" مروراً بالطيران الحربي و المروحي، الأمر الذي فرض على المتابعين لشؤون سوريا المستقبل جدول أعمال يتصدره همّ إعادة الإعمار.
كان ذلك الموضوع في صلب حديث مطوّل أجرته "زمان الوصل" مع د.أسامة قاضي المنسق العام لمجموعة عمل اقتصاد سوريا في الإمارات و رئيس المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن.

يرى القاضي أن الاقتصاد السوري يرقد حالياً في غرفة العناية المشددة، مشيراً إلى أنه، بكل أسف، سيلفظ أنفاسه في أية لحظة، فالزراعة مصابة بمرضين أساسيين: الأول قتل المزارعين وأهل الأرياف واعتقالهم، والثاني تقطيع أوصال الطرق.
و المعامل لا تعمل سوى بــ10% من طاقتها بحسب محدثنا الذي أكد الهروب المتسارع لرؤوس الأموال ومنها 500 مليون دولار من الرساميل الصناعية السورية دخلت مصر، يُضاف إلى ذلك توقف السياحة الأمر الذي رفد سوق البطالة بمليون عاطل جديد عن العمل.
و يعتبر د. أسامة أن استقرار الليرة السورية ما هو إلا استقرار وهمي بمثابة "علاج المرض بقتل المريض"، مشيراً إلى أن الثورة ساهمت في دعم الليرة بأموال الإغاثة عندما تدخل أموالها بالعملة الصعبة البلاد ليجري تحويلها بغية تنفيذ الأعمال الإعاثية.
و يرد القاضي على المشككين بنوايا إعمار سوريا بعد الأسد، حيث يصف بعضهم تلك الخطوة بإعادة الاستعمار، فيقول "هناك فرق بين الاستثمار والاستعمار".
و يتساءل في هذا الصدد "هل ألمانيا التي تلقت (مشروع مارشال) مستعمرة، و كوريا الشمالية وكوبا تتمتعان بالحرية والاستقلال؟! لافتاً إلى أن "علينا أن نبدأ علاقتنا مع الآخر دون عُقد، ولكن بناء على المصالح المشتركة" مذكّراً بأن الصين لوحدها فيها استثمارات أمريكية أكثر من 500 مليار دولار "فهل الصين مستعمَرة؟!"
و يشكك رئيس المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في واشنطن بقدرة العقوبات الاقتصادية على إسقاط النظام لأنه "مافيوي" غير أنه اعترف بفاعليتها من حيث الضغط على الحلقة الأولى من المنتفعين العسكريين والمدنيين من "أشباه رجال الأعمال".
و يأتي القاضي على ذكر اللاجئين السوريين مؤكداً انها مسألة لايمكن لتركيا والأردن استيعابها وتحملها، و"لايمكن للعالم أن يظل شاهداً على كل هذه الدماء دون حسم لصالح الشعب".
و هذا النص الكامل للحوار الذي انفردت به "زمان الوصل" لتضع الرأي العام السوري والعربي والعالمي بتفاصيل مشاريع الإعمار والبناء مابعد سقوط النظام وتنمية الوطن من رجل يقع في تقاطع المسؤولية مع العلاقات الدولية :
*أربعة محاور لاقتصاد المستقبل
- باعتباركم المنسق العام لمجموعة عمل اقتصاد سوريا كيف تخططون لمستقبل اقتصاد سوريا؟
إن مجموعة عمل اقتصاد سوريا تعمل بجد بمنسقيها السوريين ومستشاريها على محاورها الأربع التي اتفقت عليها أكثر من ستين دولة وعشر منظمات دولية وهي: 1) الإجراءات الإسعافية الاقتصادية من اليوم الأول لسقوط النظام لستة أشهر 2) والتنسيق مع الدول المانحة 3) رسم السياسات الاقتصادية والإصلاحات على الأمد البعيد 4) مجتمع رجال الأعمال ودورهم في الاقتصاد السوري، وقد عقدت ثلاثة مؤتمرات رسمية: الأول في 24 مايو 2012 في أبوظبي، والثاني في 9 ايلول/سبتمبر 2012 في برلين، والثالث في 21 نوفمبر في دبي بعنوان الشراكة للاستثمار في سوريا المستقبل وحضره أكثر من 500 رجل أعمال سوري وأجنبي، وقد أعلن رجال الأعمال السوريون في الخارج عن استعدادهم لاستثمار أكثر من خمسة مليار دولار فور سقوط النظام، كما أعلنت الإمارات عن استعداد كبرى الشركات للدخول للسوق السورية من مثل طاقة وإعمار وموانئ دبي والموانئ الجافة وغيرها.
كما تقوم مجموعة عمل اقتصاد سوريا بالعمل على كتابة خارطة اقتصادية تفصيلية في عشرين قطاعاً اقتصادياً بالتعاون مع خيرة الخبرات الاقتصادية السورية، ويعد هذا مشروعاً وطنياً يقدم هدية للحكومة القادمة كي يكون هادياً لها في طريق إعمار سوريا الجديدة. إضافة لقيام أكثر من خمس ورشات عمل مع خبراء دوليين حول مواضيع حيوية مثيرة. وأُبشّر السوريين أننا قاربنا على الانتهاء من الخارطة التفصيلية الاقتصادية بحول الله، ونعتزم القيام قريباً جداً بخمسة ورشات عمل في غازي عنتاب بالتعاون مع المجالس المحلية الثورية فيما يخص المياه والزراعة والتشريعات الاقتصادية والمالية والإسكان والإدارة المحلية.
* بين الاستعمار و الاستثمار
-البعض يعد مشاركة الدول في إعادة إعمار سوريا بمثابة استعمار جديد فمارأيكم؟
أقّدر قناعة الناس بنظرية المؤامرة في كل نواحي حياتهم، وذلك لأنه كانت لدينا مشكلة التصالح مع الذات والتصالح مع الآخر ولم نفلح في كليهما لأسباب الإدارة الفاشلة في العهد البائد، ولكن هناك فرق بين الاستثمار والاستعمار، نحن نضع رؤية ونهيئ دول العالم لأن تدخل سوريا كمستثمرة في هذا البلد العظيم الذي دمره النظام، وسنحاول أن نأخذ مانستطيعه من هبات ومنح، وسنحاول جهدنا ألايكون على كاهل سوريا أي ديون من جراء إعادة الإعمار، فهل سنغافورة مستعمرة؟ وماليزيا والإمارات مستعمرة؟ وهل ألمانيا التي تلقت مشروع مارشال مستعمرة؟ وهل كوريا الشمالية وكوبا يتمتعان بالحرية والاستقلال الوطني؟ إن الصين لوحدها فيها استثمارات أمريكية أكثر من 500 مليار دولارفهل الصين مستعمَرة؟
أعتقد أن جمال هذه الثورة أنها ثورة مفاهيم، وعلينا أن نعيد النظر في الخريطة المفاهيمية التي كانت لدينا، لأننا كنا نعيش حالة مرضية سياسية، ولم يكن لدينا ثقة بقدرات وطننا، والثروة البشرية الرائعة التي لدينا، وعلينا أن نبدأ علاقتنا مع الآخر دون عُقد، ولكن بناء على المصالح المشتركة، فمصلحتنا ببناء البلد المدمر بعد الزلزال السياسي والعسكري، ومصلحة الدول أن تحقق أرباح دون إثقالنا بالديون إن شاء الله. ونحن لازلنا نُعدّ الخطط الاقتصادية، وهي رؤية وطنية غير ملزمة لأية حكومة، ومصرّون على أن يكون معدّو الخطة سوريين، مستفيدين من الخبرات الدولية، ومجتمع رجال الأعمال السوري والعربي والدولي.
-ماهي المعايير التي تبحثون عنها في الباحث السوري؟
1- القناعة بسقوط النظام والتأكد من عدم خدمته للنظام بعد الثورة
2- خبرة مهنية تتجاوز العشر سنوات في أماكن صنع القرار في الوزارة، أو المؤسسة، أو القطاع الذي يعمل فيه, مثلاً وزير أو مساعد وزير, أو شخص لديه اطلاع على مفاصل الأمور وحيثياتها، و نقاط الضعف و القوة في المؤسسة أو القطاع الذي يعمل فيه، و ما الخطوات القصيرة و متوسطة و طويلة الأمد التي يجب اتخاذها للنهوض بهذا القطاع أو المؤسسة بعد سقوط النظام.
3- خبرة في مجال إعداد الأبحاث. طبعاً نحن لانريد بحثاً أكاديمياً بالمعنى الأكاديمي الصارم ولكنها ورقة خطة سياسة عمل القطاع المراد تناوله من اليوم الأول لسقوط النظام، بمعنى ماذا على الحكومة أن تقوم به منذ أول يوم خطوة بخطوة...في النتيجة نريد خارطة طريق اقتصادية واضحة المعالم لالبس فيها نذكر فيها ماذا يحتاج القطاع من رجال الأعمال السوريين والدوليين ودول العالم الصديقة وبالأرقام التقديرية العلمية.
نحتاج باحثين في أكثر من خمسة عشر قطاعاً اقتصادياً ، وبمكافآت رمزية، وبإمكان المؤهلين إرسال سيرهم الذاتية إلى بريد مجموعة عمل اقتصاد سوريا.
*المندوب الإيراني الروسي اللاسامي
- الدكتور أسامة قاضي، بعد مرور أكثر من عشرين شهراً على الثورة السورية، كيف تنظرون إلى الحراك الشعبي السوري ومآلاته في ظل عدم وضوح أي أفق سياسي؟
لاشك أن الحراك الثوري دخل في طور جديد، وأصبح له جناح عسكري مُنظّم، وذلك بعد فشل العالم في إنقاذ أرواح الشعب السوري المظلوم، فلم يجد الشعب أمامه سوى أخذ زمام المبادرة والدفاع عن نفسه وأهله وأرضه وعرضه وماله، بعد أن استباح النظام الأسدي كل المحرمات، ممارساً القتل والتعذيب الوحشي، وقصف الآمنين براجمات الصواريخ والمدافع وحتى بالطائرات الحربية.

هذا الطور الجديد من المقاومة يحتاج إلى تنظيم عالٍ لم يعتد عليه السوريون من قبل، لأنهم اكتفوا لمدة عام بالتظاهر السلمي الذي جوبه بآلة النظام الهمجي، فبدأ التنظيم على مسارين، واحد سلمي صوته منخفض نسبياً أمام دوي المدافع، والآخر عسكري وهو يمثل تحرير سوريا من "الانتداب الإيراني-الروسي في سوريا" الممثل برأس النظام وهياكله العسكرية والأمنية، وواقع الحال أن التشكيلات الثورية المسلحة تنتظم بشكل أفضل يوماً بعد يوم عن طريق تشكيل مجالس عسكرية للمحافظات لتوحيد الصف، وتنظيم الخطط الفعالة.
رغم أن المندوب الإيراني في سوريا "بشار الأسد" يحاول استخدام السلاح الوطني الذي اشتراه الشعب للدفاع عن أرضه من أجل قمع التحرك العسكري إلا أن سيطرته على الأرض تنحسر يوماً بعد يوم، ولايستطيع أن يعمل كدولة على الإطلاق في معظم أرجاء سوريا.
الوضع العسكري بقيادة الجيش الحر مدعوماً بالكتائب ذات التشكيل المدني هي التي تغير الخارطة السياسية وهي التي تدفع باتجاه الحل النهائي، لأن المندوب "غير السامي" مصرّ على استباحة الشعب السوري وإذلالهم ولم يتصالح معهم يوماً، بل حتى لم يخاطبهم يوماً إلا عن طريق وسيط إلى هذه اللحظة، شاعراً بلامشروعيته الدستورية والسياسية.
لا أعتقد بالخروج من هذه الأزمة سياسياً إلا عن طريق تخلي رأس النظام عن السلطة، ومهمة دول العالم دعم الحراك الثوري الفعلي وتأمين مايلزم لنجاح مهمته في الانتصار، ولعل البدء بمنطقة آمنة وحظر جوي فوق المناطق الشمالية بداية صحيحة للغاية، وخاصة أن الأرض بيد الثوار في معظم المحافظات الشمالية، ولولا الطيران لكانت شمال سوريا تحررت منذ أشهر، وإن مسالة اللاجئين السوريين أصبحت مسألة لايمكن لتركيا والأردن استيعابهما وتحملهما، ولايمكن لدول العالم أن تظل شاهداً على كل هذه الدماء التي تسيل دون أن تحسم المسألة لصالح الشعب.
أعتقد أن الوضع على الأرض في صالح الثورة، وأن واقع هذه القوة يترجم بتغيير خطاب الدول الداعمة لرأس النظام، والتي كان آخرها مؤتمر المعارضة في دمشق الذي طالب بتنحية الرئيس والخلاص من كل أشكاله وركائزه الأمنية، وبحضور ممثلي روسيا والصين وإيران، إضافة لتصريحات الحكومة الروسية التي تشير إلى عدم تحفظها على بقاء الأسد في الحكم ورفضهم لإعطائه اللجوء السياسي.
*اقتصاد مشلول القطاعات
- هلّا وضعتنا في صورة الوضع الاقتصادي داخل سوريا، في ظل الأزمات المعيشية المتفاقمة؟
لم يعد هناك قطاع اقتصادي واحد في سوريا لم يُصب بالشلل أو بالعجز الشديد، فالزراعة مصابة بمرضين أساسيين: الأول قتل المزارعين وأهل الأرياف واعتقالهم، ومعلوم أن كل أرياف سوريا ثائرة تقريباً، والنظام يقتل شبابها، وهم اليد العاملة في الأراضي، ويلاحقهم بعد أن لبّوا نداء الوطن وانخرطوا مع الثورة وتركوا الفلاحة، وسجن أهلها وحرق بعض أراضيها ومواشيها،وهذا كان له الأثر الكبير حتى على عملية جمع المحاصيل، لأن الفلاحين لم يعودوا يشعرون بالأمن حتى أثناء عملية الحصاد أو الزرع.
والأمر الثاني: هو تقطيع أوصال الطرق بين المحافظات، وأحيانا داخل المحافظة الواحدة، مابين حواجز للنظام، وحواجز للجيش الحر، إضافة لبعض قطاع الطرق، وكذلك القصف العشوائي من النظام، مما جعل إيصال المحاصيل الزراعية على قلتها صعبة لامتناع السائقين عن شحنها خوفاً على حياتهم، أو مكلفة للغاية لارتفاع تكلفة الشحن، مما رفع أسعار المنتجات الزراعية خاصة إذا ماأضفنا إليها ارتفاع أسعار المحروقات وشحّها في كثير من الأحيان.
أما في مجال الصناعة فالمعامل تعمل بأقل من 10 بالمائة من طاقتها في أحسن تقديرات، بعد أن هربت معظم الرساميل السورية وأصحابها إلى دول العالم، من مثل مصر التي دخلها قرابة ال 500 مليون دولار من الرساميل الصناعية السورية، والتي تشكل خسارة هائلة للبنية الصناعية السورية، وستكون مهمة إقناعها بالعودة بعد سقوط النظام تحدياً هائلاً.
بطبيعة الحال التجارة تأثرت للغاية بسبب شلل شبه كلي للصناعة والزراعة، ولذا فقد هبطت التجارة للحدود الدنيا التي لاتتعدى الإيفاء بالحاجات والمستلزمات الأساسية للاستهلاك المحلي، وإذا علمنا أن التصدير النفطي متوقف بشكل شبه كامل بسبب العقوبات الاقتصادية المطبقة على النظام - التي لاتطبق بشكل كامل على أية حال- فإن هذا الوضع المأساوي رفع نسبة البطالة الذي تجاوز برأيي 60% ولم يبقَ سوى الموظفين الحكوميين وبعض الخدمات الأساسية، وبعض الأرياف لم يعد فيها طبيب واحد بعد ملاحقة وقتل الأطباء لمعالجتهم الجرحى، وكان أول طبيب يقتله النظام في حلب الدكتور صخر حلاق رحمه الله.
أما الخدمات فشبه معدومة بعد هروب الخبرات العلمية خشية على حياتها أو هم نزلاء المعتقلات، وأحب أن أذكر أنه كان يعمل في مجال المطاعم والفنادق والسياحة في سوريا حوالي مليون عامل ولكن وبسبب انعدام النشاط السياحي بشكل شبه كلي في سوريا فنحن أمام مليون عاطل عن العمل إضافي فقط من تعطيل قطاع واحد، ولقد كان هناك نصف مليون عاطل عن العمل في سوريا قبل الثورة.
إن الحياة في سوريا لم تعد تطاق في ظل هذا الانهيار الاقتصادي شبه الكامل، ومع انعدام الأمن، وتعطل العمل التعليمي، وانقطاع الماء والكهرباء بشكل مستمر وأحيانا القطع المتعمد على المدن والأرياف الثائرة، ومع سياسات التهجير المتعمد من قبل النظام من خلال قصفه الآمنين، فإن الواقع المعيشي أصبح أكثر من مقلق، والاقتصاد السوري في غرفة العناية المشددة وبكل أسف سيلفظ أنفاسه في أية لحظة.
* مقتل الليرة السورية
- هل الليرة السورية لا تزال صامدة حتى الآن؟ أم أن هناك محاولات للتغطية على القيمة الحقيقية لها من قبل النظام وحلفائه؟
أستغرب من رئيس وزراء النظام ومن نائبه أن يخرجا بتصريحات مطمئنة، ومتناقضة، ومتشائمة، في آن معاً لدرجة تؤكد على التعاطي الاعتباطي الخالي من أي تنسيق بين أجهزة الدولة، فضلاً عن تبلّد الحس الوطني الذي سيحاسبهم عليه التاريخ. إن الاستقرار الوهمي لليرة السورية الذي سرعان ماسينهار – لو استمر النظام بمحاربته لشعبه- هو بمثابة "علاج المرض بقتل المريض" وهو عملياً يرجع لثلاثة أسباب:
o الأول هو انخفاض الطلب على الدولار لأن الحركة التجارية والصناعية انخفضت أكثر من 90 بالمائة ومعدل التنمية الاقتصادية أكثر من -25 سالب بالمائة.
o الثاني سجن عدد كبير من الصرافين بحجة ضبط الأسعار، وملاحقة كل من سحب من حسابه الخاص مبالغ أكبر من المسموح له.
o الثالث هو التدخل الكبير للبنك المركزي في بيع مالديها من عملات أجنبية لضبط السعر،وأتفق مع تقرير معهد التمويل الدولي بأن الشهر الأول من عام 2013 لن يبقى من احتياطي العملات الأجنبية شيء! أو في أكثر الأحوال تفاؤلاً سيبقى 1-2 مليار دولار، ولكنني أختلف مع تقرير معهد التمويل في أن التضخم بلغ 40 بالمائة، لأن هذا الرقم شديد التحفظ فمعدل التضخم جاوز ال 200-300 بالمائة، ومعدل البطالة جاوز ال 60%، ومعدل التنمية الاقتصادية جاوز ال -30 % (سالباً)، ولايمكن للناتج القومي السوري لعام 2012 أن يتجاوز نصف رقم 2010، وأية أرقام سوى ذلك هو مجانبة للواقع الاقتصادي السوري الحالي.
الحقيقة أنه من ضمن العوامل التي ساعدت على استقرار سعر الليرة السورية حوالي ال 80 ليرة سوريا (وقد هبطت مؤخراً لأكثر من 100 ليرة سورية) لكل دولار هو:
1- انخفاض الطلب الكلي على العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد وذلك بسبب الهبوط الحاد في الإنتاج وشبه توقف العجلة الاقتصادية.
2- التعامل الأمني مع مؤسسات الصرافة ووضع العشرات من الصرافين في السجن على طريقة "معالجة المرض بقتل المريض".
3- أن الأموال الإغاثية والداعمة للثورة أُرسلت بمئات الملايين من العملات الصعبة لإغاثة الأهالي ولشراء مايلزم للحراك الثوري، فبذلك تكون الثورة أيضاً هي ممن ساهم في دعم الليرة السورية. لكن يقيناً لو تركت الليرة السورية لسعر السوق لكان سعر الدولار على الأقل هو ضعف ماهو عليه الآن والتي هي بحدود 70ليرة سورية للدولار (كان 47.5 ليرة للدولار قبل بدء الثورة) علماً أن الحكومة حاولت أن تعوّم العملة منذ أشهر فوصل سعر الدولار إلى حدود ال 100 ليرة خلال أسابيع.
أرجو أن أسجل هنا نقطة للتاريخ، وهي أنه لايسعدنا انخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية لأنها عملة تخص الوطن، وللأسف سيصعب عودتها إلى سعر أفضل في المستقبل بعد سقوط النظام، خاصة فيما لو -لاسمح الله- هبطت إلى حدود مخيفة، وهو المرجّح، وعندها سنحتاج مساعدة دول أصدقاء سوريا بشكل حقيقي بعد أن نعيد عجلة النمو الاقتصادي بالدوران مرة أخرى.
*الحكومة الانتقالية و التاءات الثلاث
- مارأيك بضرورة تشكيل حكومة انتقالية وماهي تركيبتها؟
أعتقد أن الثورة تنضج ومرت وتمر بمراحل عديدة أسميها "التاءات الثلاث" فكانت بدايتها مرحلة التعارف: وذلك من خلال عقد المؤتمرات "الشعبوية"، حيث بدأت عملية التجمع والتعارف وبناء الثقة ومن ثم مرحلة التعاضد من خلال تشكيل مجلس وطني يعبر عن معظم مكونات الشعب السوري، وتشكيلاته السياسية وتوجهاته الإيديولوجية ولكن المرحلة المقبلة هي مرحلة التولّي و هي مرحلة تنهمك فيها الثورة بتشكيل حكومة مؤقتة تقوم بتسيير أعمال الدولة حتى سقوط النظام، وانتخابات مجلس شعب وتشكيل حكومة والتصويت على تعديل بعض مواد دستور 1951 المختلف عليها.
اقتراحي أن يتم التشاور بين ثلاثة جهات: 1- الاثتلاف الوطني بما فيه المجلس الوطني السوري 2- الجيش الحر والمجالس العسكرية،3- المجالس المحلية والحراك الثوري السلمي، ويتوافق بين الجهات الثلاث فقط لاغير على شخص رئيس الوزراء، بمعنى أخر تقوم كل جهة بترشيح 3-5 أسماء ثم يقوم ممثلو تلك الجهات الثلاث بالنظر لسيرهم الذاتية ويغربلوا الأسماء المرشحة تبعاً لكفاءاتهم حتى يتوافقوا على اسم شخص، شريطة أن يكون مستقلاً، ونزيهاً، وذا سمعة حسنة، ومشهوداً له بالكفاءة، والأهم أن يكون لديه خبرة في مؤسسات الدولة لاتقل عن خمسة عشر عاماً - مثلاً- وأن يكون من التكنوقراط الذين هم على دراية بإدارة شؤون الدولة.
ويوقع ممثلو تلك القوى على وثيقة شرف بأن لايتدخلوا في شؤون تشكيل الحكومة، وأن يدعموا تلك الحكومة، ويكونوا في خدمة تلك الحكومة، ويعملوا من خلالها، وأن يقدموا المصلحة الوطنية على العصبيات الحزبية والطائفية والإثنية.
يكون من أولى صلاحيات رئيس الوزراء المتفق عليه هو انتقاء حكومة تكنوقراط لتسيير الأعمال دون تدخل من أي من هذه القوى، لأن الشعب السوري يحتاج خاصة في مراحله الأولى حكومة تدرك كيفية تسيير أعمال مؤسسات الدولة وتؤمن احتياجات أفرادها.
* لا لتسييس الحكومة
- لماذا لايكون شخص رئيس الوزراء ممثلاً لحزب سياسي مثلاً؟
برأيي أن هناك ضرورة وطنية الآن لعدم تسييس الحكومة المؤقتة، لأن الحالة السياسية والثقافة الحزبية كانت شبه معدومة، والحياة الديمقراطية بحاجة لوقت لإنضاجها، ولن تنضج مالم يسقط النظام الحالي، وتُعطى للناس أريحية العمل السياسي ضمن مناخ صحي، من إعلام ونشاط ثقافي وسياسي حر، وذلك بعد انتخابات مجلس الشعب، أما قبل ذلك فسيكون هناك تمثيل مُضلل لبعض القوى السياسية التي لم تمارس السياسة إلا على مستوى ضيق جداً، بسبب القحط السياسي على مدى خمسة قرون، ومن مارس السياسة سابقاً فقد مارسها سراً، ومارسها كمناضل للديكتاتورية، ومارسها كمحارب، ولكن ممارسة السياسة تحت ضوء الشمس واستخدام أجهزة الإعلام بحرية والتنافس بحرية مع الأحزاب الأخرى يختلف حكماً بأدواته وآليات تواصله وممارسته عن الممارسة السرية للأحزاب.
أعتقد أنه لاتوجد في سوريا أحزاب سياسية بالمعنى العلمي منذ حلّ الأحزاب السياسية قبيل الوحدة السورية المصرية، بل هناك قوى ضعيفة وتوجهات سياسية، لكن لاتوجد هناك حياة حزبية، وأعضاء بعض الأحزاب والحركات تتراوح مابين العشرات إلى عشرة آلاف في أحسن أحواله، من أصل 23 مليون سوري! بل إن هناك أحزاب على ضعفها انقسمت على نفسها، وهناك قوى صوتها مرتفع في الإعلام وشعبيتها شبه معدومة، وهناك قوى لها متعاطفون، ولكن التعاطف شيء وعضوية الحزب وممارسة العمل الحزبي شيء آخر تماماً، فقد تتوقع –تاريخياً- مثلاً أن يكون الدكتور مصطفى الزرقاء ومعروف الدواليبي متعاطفين مع حزب الأخوان المسلمين لكنهما "حزبياً" خرجا من صفوف حزب الشعب.
* حزب المعاقين
إنني أجزم بأنه حتى حزب البعث لم يكن حزباً بالمفهوم السياسي، لأنه كان حزب ل" ذوي الاحتياجات الخاصة" ولم يكن حزباً "طبيعياً"، فقد احتاج مناخاً خاصاً من العسكرة والأمن والديكتاتورية السلطوية حتى يعيش، ويحمي نفسه من "فقدانه المشروعية الشعبية"، وكان بمثابة "حزب الرئيس" وأداة له، ولم يكن فيه أي مجال للمنافسة مع أقرانه من "الأحزاب" ولاحتى ضمن صفوفه، ولم يستطع أي من أعضاء حزب البعث أن ينافس على أمانته العامة، بل الطريف أنه كرّس مفهومي "التأبيد" و "التوريث" في الأمانة العامة، ولم يقبل بتداول السلطة داخل أروقته وجرى تكميم أفواه حتى أعضاء الحزب أنفسهم، واُستخدم "كأداة للرئيس" ولم يكن حزباً يمارس حريته السياسية بل متسلطاً على باقي الأحزاب ومفروضاً بقوة العسكر والأمن وأخيراً الشبيحة.
إن أي تمثيل "سياسي" في حكومة مؤقتة لتسيير أعمال لايعكس بحال من الأحوال واقع "التوجهات الجَمعية" للشعب، لذا فقد عرضت فكرة حكومة التكنوقراط من خلال التوافق على رئيس الوزراء فقط على الكثير من الجهات وراقت لهم، ولكن عارضها كما هو متوقع بعض ممثلي "الأحزاب".
لذا فإنني أتمنى من القوى الثورية والمعارضيين الوطنيين أن يطالبوا رسمياً بالتوافق على اسم رئيس الوزراء فقط، وألايتدخل أحد في تشكيل الحكومة سوى شخص مجمع على خبرته الطويلة في مؤسسات الدولة ومعروف بنزاهته وتاريخه الناصع، والحقيقة هناك الكثير من الأكفّاء.
- إلى أين وصلت مرحلة تشكيل حكومة انتقالية من قبل المجلس الوطني السوري؟
فيما أعلم فإن الائتلاف والمجلس الوطني لازالا في طور المشاورات، وأتمنى ألا تتدخل المعارضة في تشكيل الحكومة، لأن هذا بلاشك سيستغرق وقتاً طويلاً، وهو يحول دون دخول سوريا في نفق التوافقات والمحاصصات الكريهة، بل على الائتلاف والمجلس الوطني برأيي المتواضع أن يتوافقا مع القوى الثورية والمجالس العسكرية والجيش الحر على اسم رئيس الوزراء فقط لاغير.
- هل سيعترف المجتمع الدولي بهذه الحكومة فيما لو شكلت؟ هل من ضمانات؟
هذه هي النقطة الأكثر أهمية التي كنت أريد ذكرها استكمالاً للإجابة السابقة، لأن أية حكومة مؤقتة وفي ظروفنا السياسية والإنسانية العصيبة تحتاج لمشروعيتين: مشروعية ثورية من قبل الحراك الثوري بشقيه المدني والعسكري، ومشروعية دولية لأن الحكومة يجب أن تكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري، وأن ترصد لها ميزانية دولية لاتقل عن 5 مليار دولارتوضع تحت تصرف الحكومة، ولاتكتفي بمعسول الكلام والوعود من دول العالم التي لاتترجم بشفافية على الأرض، وذلك باستخدام مؤسسات حكومات دول شقيقة فاسدة تأكل نصف المبلغ باسم "مصاريف إدارية" ومن ثم تدفع قسم كبير من المبلغ لمشافيها الخاصة باسم معالجة الجرحى حيث تقدم فواتير بأضعاف المبلغ الحقيقي لسرقة ماتبقى من معونات للسوريين، وإن اي دعم عسكري يجب أن يكون من خلال وزارة الدفاع التي بدورها تدعم المجالس العسكرية بمهنية وحرفية عالية، ويُعَدّ بعدها أي دعم مالي أو عسكري خارج الحكومة المؤقتة بمثابة خيانة لوحدة الوطن، ودعم غير شرعي، وهذا يجب أن يتفق عليه مع أصدقاء الشعب السوري.
* المعركة بين دمشق و حلب
- ما هي آخر الأنباء عن اشتباكات حلب، وهل باتت معركة دمشق على الأبواب؟
المعارك في حلب كبيرة وحشود المتطوعين في الحراك الثوري تكبر يوماً بعد يوم، والكل يتطلع إلى "بنغازي سوريا"، وهناك تقدم يومي ولكن تكلفته البشرية والمادية باهظة جداً، فالنظام لم يترك مجالاً للعمل السلمي في حلب بل قمعه بوحشية حتى وصل به الأمر لإحراق جسد أطباء من حلب بعد التعذيب بطريقة لم يشهدها التاريخ، فالقوى الثورية في حلب تتقدم ولكنها دائم الشكوى من نقص العتاد والإغاثة، وبدأ بعضها يعتقد أن العالم لايقدم الدعم اللازم لإسقاط النظام بل لتدمير مؤسسات الدولة، لأن السيطرة على كل المنطقة الشمالية يحتاج دعماً عسكرياً نوعياً حقيقياً، لكنه للأسف لايُعطى إلا بقدر يكفي لاستمرار المعركة وليس حسمها.
أعتقد أن الحراك الثوري في دمشق مختلف تكتيكياً عن حلب من خلال تركيزه على عمليات نوعية من مثل استهدافه مبنى الأمن القومي والأركان وآمرية الطيران وقريباً القصر الجمهوري، وذلك نظراً لصعوبة الظرف الأمني والعسكري في العاصمة التي حشد النظام فيها معظم مالديه من قوى حتى يسيطر على "مظهر الدولة"، ولكنه رغم ذلك لم يتخلَّ عن وحشيته في ذبح الناس في أحياء دمشق من مثل داريا والحجر الاسود والميدان وبرزة وغيرها.
*العقوبات لاتُسقط العصابات القذرة
- هل تعتقد أن العقوبات الاقتصادية يمكن أن تسقط النظام السوري؟
إن الحكومات المدنية تتأثر بارتفاع أي مؤشر اقتصادي، وقد سقطت حكومات بسبب ارتفاع معدل البطالة أو نسب التضخم، أو في حال أي فشل في الأداء، أما الحكومات الهمجية التي تشابه في سلوكها "أحطّ أنواع العصابات القذرة" فلاينفع في إسقاطها الضغط الاقتصادي، ولكن ماتفعله الضغوطات الاقتصادية وخاصة وضع اسماء بعينها على قائمة العقوبات الاقتصادية أنها تضغط على الحلقة الأولى من المنتفعين العسكريين والمدنيين من "أشباه رجال الأعمال"، وقد نفعت لحد كبير من انفضاض جماعات غير قليلة من الحلقة الأولى والثانية حول النظام، وباتوا يتواصلوا مع المعارضة خفية وعلناً من أجل تقديم أوراق اعتمادهم للثورة وعدم إدراج أسمائهم على أية لائحة، وقاموا ولازالوا بدعم الثورة والثوار في الداخل في الخفاء وتعهدوا بوقف دعم الشبيحة، لذا فإنني كنت ولازلت أعتقد أن العقوبات الاقتصادية شرط لازم ولكن غير كاف لإسقاط النظام.
النظام يتحمل وحده مسؤولية كل مايجري من تدمير وقتل للأبرياء بعد مافوت عشرات فرص الحلول السلمية، والانتقال الآمن للديمقراطية كباقي شعوب الأرض، فالسوريون حسموا أمرهم في أنهم أحرارٌ تنجبُ أحرار، ولن يكونوا "عبيداً في مزرعة الأسد"، و "التنمية إنسان" كما قال أمارتيا سن الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، فعندما ياتي طاغية ليقتل الإنسان فماذا بقي من التنمية.
رئس التحرير ومحمود عثمان - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية