مقدمة لابد منها :
حقيقة ً لم نعد ندري فيما اذا كان هناك حكما ً مبرماً غير قابل لأي شكل من أشكال الطعن بحقنا كشعوب مضمونه هو ابقاؤنا متخلفين عن بقية الأمم الأخرى في الأخذ بالحقائق العلمية التي تسهل الحياة وتدفع الى التطور .. نحن كشعوب نظل خائفين مترددين في الأخذ بالعلم ..نريد أن نتأكد ويطول بنا المقام ونحن مترددين خائفين .. المنطق يقول أن من يشكك في هذا الجانب يجب أن يكون بمستوى منتج العلم ان لم يكن أكثر خبرة منه وهنا من حقه البحث والاستقصاء والتجربة لكي يتأكد ويطمئن . أما أن يبقى مترددا بسبب جهله أو قلة خبرته أو تقصيره بحق نفسه عن الأخذ بالعلم ثم يحكم على شعوب كاملها بالفرملة والمراوحة الى أن يقضي الله أمرا ً كان مفعولا ً فهو وبحق جريمة ترتكب بحق هذه الشعوب وتعطيلا ً لقدرة أجيال عن اللحاق بركب العلم والتطور والحضارة وبالتالي هو حكما ً ظالما بحق هذه الشعوب يتركها تتخبط في ظلام التخلف والجهل .
لدينا جانبان في حياتنا يفرملان أية حركة الى الأمام .. هما القانون ثم الفقه .
فالقانون ان لم يكن متابعا لتطور المجتمع وراعيا ً لحاجاته المستجدة بحكم التطور من زاوية مصلحة الفرد ثم المجتمع فان القانون في هذه الحالة يصبح اداة فعالة لتكريس التخلف وابقاء المجتمع في حالة المراوحة معطلا ً لابداعات الفرد والمجتمع ..
أما الفقه فهو بالتوازي يجب أن يراعي مايطرأ من مفاهيم وعلاقات جديدة تفرزها عملية التطور وحالة العصر بحيث يكون سباقا ً يسهل ويعبد الطريق لهذا التطور أو على الأقل يسير معه بالتوازي .. أما أن يدخل هذه التطورات في باب الحرام والحلال والكفر والايمان والأصول والفروع .. الخ .. ثم يبدأ بقياس مفاهيم المجتمع وتطوراته العصرية على مراحل وأحقاب وعصر سابق يفتقر الى المكتشفات العلمية الحالية فهذا والله قمة التعطيل والاساءة التي تنال أو ماتنال من مضامين الدين التي يجب أن تكون دافعا للتطور لامعرقلا ً له . ان هذا يقتضي وجود طبقة من رجال الفقه المتخصصين الذين هم على المام وسعة اطلاع بتطورات العصر ومتابعين لها ليتمكنوا من المزاوجة بين الرؤيا الايجابية للدين أو الشريعة وواقع الحياة المعاصرة من منظور علمي بحت قابل للتأقلم المنطقي مع حاجات المجتمع . أما الاعتماد على طبقة غارقة بالفقه والتشريع الفقهي وجزئياته والبحث في تفاصيل ثم نسج تفاصيل دون سعة اطلاع والمام بحقائق العصر ومستجداته فهذا يسيء الى المجتمع وموروثه ويبقي المجتمع غارقا ً في مراحل تجاوزها الزمن ولم تعد تفي بالحاجة ولاتتلائم مع القوانين وبذلك يعطلون أية قدرات على النمو والتطور .
هذا واقع حقيقي وأكيد يتوجب علينا تجاوزه بكافة الاشكال مع مراعاة المنظومة الأخلاقية لعقائد المجتمع بحيث يكون التطور منطقيا وعقلانيا ً وليس متفلتا ً بمعنى أن لانخلط التطور العلمي القانوني والاجتماعي والاقتصادي العقلاني بثقافة الاستهلاك وماتفرزه من انحراف ثم نزعم أننا نتطور.
ان من يرى في الحقيقة العلمية أي تعارض مع العقيدة والمقدس هو حقيقة يسيء للمقدس والدين من حيث لايدري لأن المقدس في حقيقته يجب أن يكون منبعا وباعثا ً للعلم ومشجعا ً للعقل الباحث والمدقق والمكتشف .
ان المرجع في الفقه الشرعي يتوجب أن يكون هو المقدس وما ينبثق عنه منطقيا ً وليس تراكم كمي وكيفي لاجتهادات ثبت أن القسم الأعظم منها كان مراعيا ً لواقع سياسي وتوجهات الطبقة الأقوى عبر العصور بغض النظر عن حاجات المجتمع الأخلاقية والاقتصادية والعلمية . وبالتالي فان النظر الى المقدس بعيون سليمة متسلحة بالعلم يتيح المجال واسعا ً للتناغم وحاجات المجتمع وبالتالي تكريس احترام المقدس ومنظومته الأخلاقية التي تساعد على النمو والتطور بشكل سليم والا فان النتائج ستكون عكسية وسلبية للغاية . وهذه السلبيات نعاني منها ضياعا وتخبطا ً وتخلفا ً وبالتالي صراعات وهمية كاذبة تزيد من حالة تخلفنا .
- ان من بين أسباب كثيرة دفعت الى هذه المقدمة قضية مهمة وأساسية تشكل نموذجا ً متميزا ً لترددنا أمام العلم دون أي مبرر وان وجد المبرر فهو مصطنع ومتخلف لارابط بينه وبين القانون والفقه وانما وضع بشكل مقصود لابقاء المجتمع في مرحلة زمنية متخلفة تسهل السيطرة عليه وخنق روح الابداع لدى أجياله . ان هذا الدافع أو السبب هو طريقة تناول ( البصمة الوراثية ) . أو الحمض النووي في الفقه والقانون وتعثر العمل بها انطلاقا ً من قاعدة ( ان الانسان عدو مايجهل ) فلماذا يكون القرار بيد من يجهلون هذا العلم لابل يرفضون التعرف عليه مكتفين بما هو بين ايديهم من آراء وتفسيرات واجتهادات باتت متخلفة للغاية ومعرقلة متمسكين بها وكأن السماء سوف تنطبق على الأرض اذا ماغادروها أو حتى اعادوا قرائتها . مع التأكيد على أن هناك فقهاء متنورين تعاطوا معها بايجابية كما أن هناك رجال قانون ايجابيين ايضا ً يصارعون لتطوير القانون والأخذ بالتطور .
- لقد اعتدنا أن نكون آخر الأمم التي تتعاطى مع العلم والمكتشفات العلمية فالى متى سوف يستمر ذلك . الى متى سنبقى رهينة عدد محدود من الكسالى الذين ضبطوا عقولهم على مرحلة زمنية سابقة لايريدون مغادرتها ويمنعوننا من التحرك الى الأمام وان حدث فبخطوات بطيئة قاتلة . ان هذا قد شكل ضغطا ً هائلا ً بات قريبا ً من حافة الانفجار وان حدث فانه سيطيح بكل شيء السلبي والايجابي على حد سواء وعندها سنندم ولن ينفع الندم لأن هذه المجتمعات تعيش فوضى معرفية وان تراكمها السلبي سوف يفاقمها الى الحد الذي يعلم الله ماهي آثارها وانعكساتها .
تمهيــد :
إن البصمة الوراثية لم تعد خيالاً ، فقد ترجمت إلى واقع عملي ، وقامت شركات كبيرة في أوروبا وأمريكا باستثمارها منذ سنة ألف وتسعمائة وسبع وثمانين م ، وأثبتت نجاحها حتى غزت ساحات المحاكم واستقر العمل بها في أوربا ، وبدأت بعض الدول العربية والإسلامية في التمهيد للعمل بها .. وقريباً في ظل الثورة المعلوماتية التي يعيشها العالم اليوم ستتوفر تلك البصمة لآحاد الناس بأجر مناسب.
* وأول من أطلق اصطلاح البصمة الوراثية هو البروفيسور " إليك جيفرى " .
وجاء " إريك لاندر " ليطلق اصطلاحا آخر ألا وهو "محقق الهوية الأخير" بعد التيقن من اشتمال حمض الـ د .ن .ا , على كل الخصائص الأساسية المطلوبة وتحمله لكل الظروف السيئة المحيطة كارتفاع درجة الحرارة ، حيث يمكن عمل البصمة الوراثية من التلوثات المنوية أو الدموية أو اللعابية الجافة والتي مضى عليها وقت طويل كما يمكن كذلك عملها من بقايا العظام والشعر والجلد.
لابل أن التحليل قد طبق على المومياءات وتمكن من نسب هوية المومياء ( الملكة المصرية حتشبسوت ) مؤخرا ً .
عندما ظهرت البصمة الوراثية لأول مرة وتم استخدامها فى أول حالة بشرية لتحديد الأبوة لأحد الأشخاص بناء على طلب مكتب الهجرة لفض نزاع فى مكتب الجنسية سنة 1985م.
واستنكر الناس في أمريكا وأوروبا عامتُهُم وخاصتُهُم هذا الكشفَ العجيبَ الغريبَ ، ورفضوا التسليم بنتائجه في منازعاتهم ، فما كان من رواد البصمة الوراثية إلا الصبرُ والرفقُ بالناس والعملُ على شحذ الرأي العام وتقديم التسهيلات الآتية :
(1) قيام بعض شركات البصمة الوراثية بإنشاء قسم خاص يضمُ خبراءَ عالميين،لإجراء التحليل والدفاع عنه لدى المحاكم، وذلك بشرح طريقته للقضاة وغيرهم ممن يريد الاقتناع بالحقيقة .
(2) تخصيص قسم تدريبي في شركات البصمة الوراثية لتأهيل الكوادر في كافة بلدان العالم .
(3) قيام بعض شركات البصمة الوراثية في أمريكا، بخدمات وطنية كبيرة بتصنيف البصمات الوراثية للمجرمين المشهورين ووضعها في بنك خاص تحت تصرف الحكومة وأعلنت عن استعدادها لإنشاء مثل هذا البنك في أية دولة ترغب في هذه التقنية ، وحازت بذلك هذه الشركات على ثقة الحكومة الأمريكية وكثير من الحكومات الأخرى.
(4) قيام بعض شركات البصمة الوراثية بإنشاء قسم خاص لتحكيم نتائج المختبرات في العالم عن طريق فحص العينات دون الإشارة إلى مصادرها ومطابقتها مع نتائج المختبرات الأخرى وتصدر بذلك تقريرا موثقا خلال 48 ساعة .
وبهذه التسهيلات وبمزيد من الصبر استطاع الأطباء توعية الناس بحقيقة البصمة الوراثية فانتشر العمل بها والاحتكام إليها فى الأدلة الجنائية فى أكثر الدوائر القضائية عن طمأنينة وقناعة. *
- يتبع .
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية