يكتوي المواطن السوري في اليوم أكثر من مرة، وهو يرى أخاه في الوطن يبتسم على شاشة التلفزيون العربي السوري، ويتهمه بالإرهاب والعمالة والمخدرات وحبوب الهلوسة وكل أساليب الانحراف الأخلاقي.. ويتساءل هذا المواطن.. لماذا يفعل أخي في الوطن كل هذا .. ويتهمني بتهم دنيئة ويجعل منى مجرماً.. حتى باتت شاشة الوطن مصدراً للتفرقة لا للوحدة.. تلك الشاشة التي ألفها السوريون طوال عقود صارت مصدراً للسم والغضب.. لكن هلّا شققنا عن صدور هؤلاء الذين يخرجون علينا بنشرات أخبار مسممة وتتجاهل غالبية الشعب السوري.. أحمد الفاخوري المنشق حديثاً عن التلفزيون.. ذلك الإعلامي المتميز بصوته الجهوري يضعنا في صورة الحياة الحقيقية للإعلاميين ويصف لــ"زمان الوصل" طريقة انشقاقه وهروبه الدرامي إلى مصر.. فإلى تفاصيل الحوار:
متى فكرت بالانشقاق.. وما هي الطريقة التي خرجت بها من سوريا ؟
منذ بداية الثورة، كانت فكرة الانشقاق عن التلفزيون الرسمي السوري قائمة، لكن الظروف التي يعرفها كل السوريين إذا فكر المرء بالانشقاق كانت هي العائق (مصير الأب – الأم - الأسرة..)، كل هذه الأمور كانت العائق.. وحين تواصلت مع الزميل الإعلامي موسى العمر تعهد بمساعدتي وعندها بدأت الخطة المنظمة للخروج بعيداً عن الأنظار.
(الجيش الحر أمّن خروجي)
ما هي الخطة؟
الخطوة الأولى كانت إرسال أبي ووالدتي وإخوتي إلى خارج البلاد.. بعدها قال لي الزميل موسى العمر " شو بدك أنا مستعد لمساعدتك.. وعن أي طريق تريد أن تهرب" .. بعد ذلك.. بدأ التخطيط الحذر والمنظم، فقد انقطعت عن التلفزيون باعتباري متعاقداً معهم ولست موظفاً.. وذهبت إلى حلب.. وقرأت من بعض المواقع الموالية للنظام خبراً يقول أنه تم فقدان الزميل أحمد الفاخوري.. وكان هذا الخبر لحظة إعلان قتلي من قبل النظام.. هنا تواصلت مع الزميل العمر. وعدت إلى دمشق... من أجل بعض الترتيبات وكنت متنكراً، وخرجت من دمشق إلى يبرود، ومن ثم إلى بلدة مورك في حماة، منتقلا إلى حاس في إدلب .. ثم إلى باب الهوى إلى تركيا.. وصولاً إلى العاصمة القاهرة.. وكل هذه الترتيبات كانت برعاية الجيش السوري الحر.
وماذا عن زوجتك وأولادك ؟
كانت في سوريا وسبقتني بأيام قبل أن أخرج للمرة الأخيرة.
(نظارة وشارب وسائل التمويه)
قلت أنك كنت متنكراً .. ما هي وسائل تنكرك ؟
"حلقت عالصفر" .. وأطلقت الشوارب ووضعت نظارة سوداء بشكل دائم.. وبالفعل كانت عملية ناجحة، حتى أنني ذات يوم مررت بجانب إحدى الزميلات من التلفزيون ولم تتمكن من معرفتي بهذا الشكل.
هل صحيح أنك تعرضت للتحقيق.. ولماذا؟
نعم .. حقق معي الفرع 218 وذلك بعد غيابي عن التلفزيون وعودتي تم القبض عليّ على مدخل التلفزيون، والسبب كانت أفكاري المعلنة التي كانت ترفض الحل الأمني والقتل اليومي، ولولا تدخل وزير الإعلام لما خرجت من غرف التحقيق.
هل تربطك علاقة جيدة بوزير الإعلام؟
أبدا.. لكن علم باعتقالي واتصل بأمن الدولة وطلب إطلاق سراحي.. وقال لي الضابط المحقق عند خروجي اذهب إلى وزير الإعلام وبالفعل خرجت واجتمعت معه لمدة ساعة.
الكثير يقول للمنشقين.. الآن فكرتم بالانشقاق؟
أقول لكل من يسأل هذا السؤال.. نحن كنا في سجن، الإعلاميون يخضعون لرقابة مخيفة.. منع من السفر ..وصعوبة معاملة جواز السفر.. ورقابة حتى من المحيطين بك.. لقد فكرت بالانشقاق منذ البداية ولكن في النهاية نجحت.. وأطلب من كل السوريين الذين كانوا يشاهدونني على شاشة التلفزيون السماح.. ولا يغرّكم خروج المذيع وهو يتلو النشرة الإخبارية.. صدقوني هناك الكثير ممن يريدون الانشقاق ولكن لا يستطيعون، اعذروهم فأنا أعرف ظروفهم.. لكن في المقابل هناك مذيعون وصحفيون أكثر قذارة وإجراماً من الشبيحة.. ولن يتخلوا عن النظام حتى يسقط.. وهم يعملون معه حتى النهاية.. ولا أريد الدخول في أسماء.
(محمد سعيد لم ينشق.. والله وحده أعلم بمصيره)
هل لديك معلومات عن محمد سعيد.. من قتله... وهل انشق ؟
دعني أصحح أمراً مهماً.. محمد سعيد زميل عزيز وغالٍ عليّ.. لكنه حقيقة لم ينشق.. فُقد في ظروف غامضة.. هناك من يقول جبهة النصرة قتلته.. وهناك من يقول النظام قام بتصفيته.. لكن الله وحده أعلم بمصير محمد سعيد.
كيف هي الأجواء في مؤسسة التلفزيون ومؤسسات الإعلام الأخرى ؟
لا يمكن لأحد أن يعمل بهذه الأجواء.. للأسف إنها أجواء طائفية.. والكل يراقب الكل.. ويتصيده على الكلمة.. وبصراحة ثمة خطأ يرتكب بحق زملائنا الإعلاميين من الطائفة العلوية، فليس كلهم يؤيدون النظام، صدقني أكثر من نصفهم ضد النظام.. لكن ذنب العلوي المعارض أكبر من ذنب السني.. والغالبية في مؤسسة التلفزيون هم ضد ممارسات النظام القذرة ضد المدنيين.
في السابق كان العمل في بيئة جميلة.. كنا نتقاسم "الليرة" في الأزمات.. كانت أجواء حميمية حقيقية.. لكن بعد الثورة بدت الأمور في أسوأ حالاتها.
هل لك أن تصف لنا شعورك عندما تقرأ النشرة الإخبارية وأنت تعرف أنها كاذبة؟
حقيقة كنت أحمل جبلاً على كاهلي حين تأتي النشرة الإخبارية.. وكنا نتبادل الأدوار مع الزملاء، فالفقرة التي يصعب عليّ تقديمها كانت تتولى مهمتها إحدى الزميلات أو الزملاء.. وكذلك العكس.. وطوال الثورة تحاشيت البرامج الحوارية.. ولم ألتقِ أي أحد في برنامج سياسي عن الثورة.. باستثناء البرامج القانونية باعتباري خريج حقوق.. فكنت أحاور المختصين بعيداً عن الشأن السياسي اليومي.
كيف تصف قناة الدنيا. ؟
صمت الفاخوري وقال: هذا القناة أعلنت طائفيتها بشكل سافر ضد الشعب السوري.. وكل المذيعين فيها طائفيون وينتمون إلى طيف سياسي متشدد.. أنا لا أتصور أن يضحك أحد على جثث الأطفال السوريين سوى قناة الدنيا، ولا أتصور هذا الكم من الكذب .. وخصوصاً فقرة "التظليل الإعلامي" المقيتة.. إنها أكثر فقرة تستفز السوريين.
وبالمناسبة لا أستبعد أن يظهر سالم الشيخ بكري متهكما كعادته وأن يفبرك بعض الأمور على انشقاقي.. هؤلاء في تلفزيون الدنيا.. أقول لهم كشف الله عن أبصاركم.
هل تربطك علاقة مع بكري ؟
أبدا .. أنا لا أعرفه كزميل في استديوهات الصوت.. وآسف كل الأسف على ابن كفر بطنا .. وأتساءل.. كل هذا الدمار الذي حل ببلدك وبلدتك ومازلت تتهكم!
عبد الله رجا - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية