الحارث محمد النبهان، عضو الهيئة العامة للائتلاف الوطني، المنتمي لتيار مواطنة (العلماني)، وممثله بالخارج، والمعتقل السياسي السابق لمدة 14 عاماً، يعتبر أن "الجهاديين" في خندق الثورة في هذه المرحلة، لا يخشى حكومة إسلامية بعد رحيل الأسد، ويرى أن تعزيز ثقة الناس بالائتلاف الوطني يجب أن تقترن بعودة الجزء الأكبر من قياداته إلى الداخل ومباشرة العمل على الأرض... كان لـ "زمان الوصل" الحوار التالي معه حول التحديات التي تواجه الائتلاف "الجديد" وهواجس الثورة السورية والخوف من التطرف الديني من منظوره كسياسي علماني.
· لا مدخل إلى أي حل سياسي إلا برحيل بشار الأسد وأعوانه ومساعديه وتفكيك قمم الأجهزة الأمنية والعسكرية
· الائتلاف الوطني منفتح أمام انضمام من لم ينضم إلى الآن
· يجب أن يتواجد أعضاء الهيئة العامة للائتلاف على الأرض السورية
· هناك ضرورة لتعزيز تمثيل الثوار على الأرض في هيئات الائتلاف
· استشعر "الخارج" خطراً على الاستقرار الإقليمي فدفع في اتجاه "التوحيد"
· ظهر توجه أميركي وأوروبي وتركي وخليجي لـ "ضبط" مسار الثورة
· المطلوب من الائتلاف تجاوز التنافس الفئوي وتوحيد الخطاب السياسي والعمل العسكري
· تعيين سفراء مهم لوضع اليد على أموال الحكومة السورية في الخارج واستعادة الأموال المنهوبة
· لسنا معنيين بتقديم أي ضمانات لبشار وأعوانه ويجب أن تلاحقهم الحكومة السورية الجديدة لتقديمهم إلى القضاء
· بعد "ذهاب" بشار الأسد وكبار أعوانه هناك ضرورة وإمكانية "التصالح" مع الباقين
· الجماعات الجهادية جزء من خندق الثورة في هذه المرحلة
· لا أخشى اختيار الشعب حكومة إسلامية شرط أن ترعى ازدهار الحياة السياسية وتداول السلطة
· هل أصبح تشتت المعارضة خلفنا بعد ولادة الائتلاف الوطني؟ ماذا عن الذين لم يلتحقوا بالمركب الجديد..؟
لقد كان التوصل إلى وحدة شاملة فعلاً للمعارضة السياسية متعذراً في السابق، وسيظل كذلك إذا ما أخذنا فكرة الاشتمال بحرفيتها، الائتلاف الوطني يجمع الآن نسبة كبرى من أطر المعارضة السياسية السورية، وهو منفتح أمام انضمام من لم ينضم إلى الآن، ما يلزمنا فعلاً هو قيام شكل تنظيمي يكون إطاراً سياسياً وإدارياً لوحدة العمل على الأرض، وتعزيزاً فعلياً لهذه الوحدة، وخدمة لها في دوائر السياسة الدولية، وصولاً إلى إسقاط النظام واجتياز مرحلة انتقالية صعبة، يتوجها عقد مؤتمر وطني عام تنبثق عنه حكومة تمثيلية شرعية، وقد أحسن الائتلاف عندما اتخذ اسم "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، وكأنه يريد القول إن هذا الشكل قد وجد ليجمع بين الثوار والأطر السياسية أو "المعارضين" الذين يريدون أن يكونوا مع الثوار فعلاً.
أما عن الذين لم "يلتحقوا" بالمركب الجديد فهم قلة من حيث الوزن الحقيقي (وإن كانت بينهم شخصيات ذات وزن فكري آمل أن تساهم في هذا الجهد)، لا أحب استخدام كلمة الالتحاق في هذا المجال، وأفضل استخدام كلمة "انضمام"، كما أشير إلى ضرورة تعزيز تمثيل الثوار على الأرض في هيئات الائتلاف.
· يؤخذ على المجلس الجديد بأنه ترتيب قوى خارجية (قطري-أميركي..) وبالتالي لن يكون مستقلاً في قراره، كيف تعلقون؟
تتقاطع وتنعقد في سوريا جملة معقدة من خطوط السياسة الدولية والمصالح الجيوسياسية، لم يكن أحد يفضل "العبث" بالوضع السوري قبل بدء الربيع العربي، لا أميركا ولا تركيا ولا دول الخليج ولا إيران ولا روسيا ولا أوروبا، كان الجميع "مرتاحاً" لنظام الأسد ومتعايشاً معه، لكن الشعب ثار ولم يعد يقبل أي استمرار للنظام الذي عجز من جانبه عن "الحسم"، فكانت تلك هي المشكلة الحقيقية لهم جميعاً، فعمدوا إلى ترك الثورة "تتطاول" زمنياً، واختبأ كل منهم خلف الآخرين، ثم اختبأ الجميع وراء حجتين اثنتين: عدم وحدة المعارضة، والفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن. لكن ضراوة القمع من جانب النظام والإصرار البطولي المذهل من جانب الشعب الثائر جعل "تداعيات" ما يحدث في سوريا تهدد بالانتشار خارج حدودها، وتنذر بحالة من عدم الاستقرار الإقليمي الشامل، فضلاً عن الكلام الكثير على "التطرف الديني"، وهذا ما أدى إلى ظهور توجه أميركي أوروبي خليجي تركي "متوافق" على ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة تتسم -بالحد الأدنى- بحالة من "الضبط" لمسار الثورة عبر التعاطي الإيجابي مع المطلب الحقيقي الذي تصفع به وقائع الثورة على الأرض وجوه الثائرين والمعارضين السياسيين جميعاً، ألا وهو "وحدة عمل قوى الثورة"، من هنا جاءت الرعاية القطرية (ومن ورائها الأميركية والأوروبية والخليجية والتركية) لنشوء الائتلاف.
وأما مسألة استقلالية القرار فهي "ملعب واسع"، يحاول كل طرف دولي أو إقليمي ممارسة "نفوذه" على السوريين، ولا مفر أمامنا من الاستفادة من خطوط الدعم المتعددة، ليس لدينا هذا الترف الآن، إن تنظيم الدعم عبر "عنوان وصندوق موحدين" أفضل كثيراً من تركه يسير عبر خطوط متعددة، يفضي كل منها إلى خلق "دكان" سياسي أو عسكري لهذا الطرف الخارجي أو ذاك.
لقد استشعر "الخارج" خطراً على الاستقرار الإقليمي نتيجة هذا المسار، فدفع في اتجاه "التوحيد"، هذا واضح، وهذا الدفع في مصلحة السوريين (من ناحية استقلال القرار تحديداً) إذا ما توحدت إدارة العمل الثوري فعلاً، لأنه يتيح لهم قدرة معقولة على "إدارة" آثار هذا الدعم وهذه "النفوذات" التي هي ليست في وجهة واحدة ولا على قلب واحد.
· برأيكم ما المطلوب من الائتلاف كي يتمكن من إدارة الصراع ودفعه إلى تحقيق آمال وتطلعات الشعب؟
المطلوب كثير جداً، وهو يحتاج إلى عمل مؤسساتي واعٍ دؤوب مخلص يتجاوز آثار التنافس الفئوي، المطلوب توحيد الخطاب السياسي والرؤية السياسية، والتوافق الحقيقي على الخطوط العامة للمرحلة الممتدة من الآن حتى إسقاط النظام، وانعقاد المؤتمر الوطني السوري العام، الذي تنبثق عنه حكومة تمثيلية من غير إضاعة الوقت والاختلاف على ما سيعقب ذلك.
والمطلوب توحيد العمل العسكري بإنشاء قيادة عسكرية مشتركة تجمع التشكيلات المقاتلة على الأرض تحت إمرة مركز قيادة عسكري واحد، يمسك بخطوط الدعم والإمداد، ويضبط مسار العمليات العسكرية وينسقها في ظل القيادة السياسية الموحدة التي يوفرها الائتلاف، ويستمر في عمله إلى أن يجري دمج المقاتلين في الجيش الوطني أو عودتهم إلى حياتهم المدنية بعد النصر.
ولا بد من دعم وتنسيق عمل المجالس المحلية التي تدير شؤون المناطق المحررة، ومن العمل على تنشيط وإحياء الطابع المدني للثورة بمختلف أشكاله، ولا بد أيضاً من الاهتمام الكبير باجتذاب من لا يزالون في "المنطقة الرمادية"، والعمل منذ الآن على تخفيف تداعيات سقوط النظام، وخاصة فيما يتعلق بحفظ الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.
· ما أهمية تشكيل حكومة منفى الآن وإدارة سفارات في الخارج؟ ألن يستهلك هذا جهد الائتلاف على حساب تشكيل بنى تدير المعركة مع النظام وتنسق الجهود؟
لا أهمية لتشكيل حكومة وإدارة سفارات إلا بقدر ما يساهم هذا في خدمة تشكيل البنى وتنفيذ المهام التي أشرت إليها في إجابتي على السؤال السابق، لا بدّ لنا من شكل محدد يتولى إدارة المعركة وإدارة المناطق المحررة، وهذا من وظائف "الحكومة".
ولا بد لنا من إدارة علاقاتنا مع الخارج، وهذا من وظائف "الحكومة" أيضاً، ولا مبرر للخوف من الكلمات هنا: السفير ليس إلا موظفاً يمثل بلده لدى هذه الدولة أو تلك، ولعل من الفعاليات المهمة الآن لعمل السفراء وضع اليد على أموال الحكومة السورية في الخارج واستعادة الأموال المنهوبة، لكنني لست مع فكرة حكومة المنفى، يجب أن يكون جسم الحكومة موجوداً على الأرض السورية إلى أقصى حد ممكن، ويجب أن يتواجد القسم الأكبر من أعضاء الهيئة العامة للائتلاف على الأرض السورية أيضاً، وأن يكونوا مشتغلين مباشرين في العمل الجاري على الأرض بمختلف أشكاله، هذا مدخل ضروري إلى الفوز بثقة الشعب الثائر الذي مل كثرة المتكلمين.
· ما الملامح العامة لخطة إسقاط النظام؟ هل تبلورت لديكم إستراتيجية عامة بهذا الخصوص؟ ما الأولويات؟
هذا هو ميدان العمل الآن، وعلى الائتلاف أن يثبت نجاحه هنا، لا أريد أن أكرر ما قلته آنفاً، لكن الأولوية هي لتوحيد العمل العسكري، والإغاثي/المدني، والخطاب السياسي والإعلامي، والفعل الدبلوماسي، من خلال عمل مؤسساتي جدي يتعاون مع الجميع، ويوظف طاقات الجميع من غير استبعاد أو إقصاء، مع "تأجيل" الخلافات فيما يتعلق بصورة البلد فيما بعد إلى ما بعد.
· هل تستبعدون أي تسوية سياسية مع النظام؟ ولماذا؟
لا مجال لأي تسوية تُبقي على العصابة الحاكمة، ولا مدخل إلى أي حل سياسي إلا برحيل بشار الأسد والدائرة العليا من أعوانه ومساعديه الوالغين في دم الشعب، وتفكيك قمم الأجهزة الأمنية والعسكرية، يمكن أن يحدث هذا عبر واحد من اثنين: أن يرحلوا فتتحقق إرادة الشعب، أو أن يقتلعهم الشعب الثائر اقتلاعاً، من الأفضل للبلد طبعاً، اليوم وبالأمس وغداً، أن يختاروا الطريق الأول.
لكن الائتلاف والحكومة التي ستتشكل ليسا معنيين بتقديم أي ضمانات لهم، ولن يجيز الثوار لأحد أن يقدم أي ضمانات، ويجب أن تلاحقهم الحكومة السورية الجديدة لتقديمهم إلى القضاء العادل واستعادة أموال الشعب، أما بعد "ذهاب" بشار الأسد وكبار أعوانه، فما من عاقل لا يدرك ضرورة وإمكانية "التصالح" مع الباقين، ضمن مقتضيات العدالة الانتقالية، واستعادة الوحدة الوطنية التي أهدرها النظام، والمحافظة على مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش طبعاً، مع إعادة هيكلة حقيقية لها.
· هل لديكم موقف محدد من الجماعات الجهادية كجبهة النصرة وغيرها من التشكيلات غير السورية التي تقاتل على الأرض؟
هذه الجماعات جزء من خندق الثورة في هذه المرحلة، أما القول إنها "غير سورية" فهو غير صحيح في أكثره، في سوريا الآن جهاديون سوريون ومعهم جهاديون أتوا من بلاد مختلفة؛ وأكثرهم من بلاد عربية، لكنهم ليسوا بالكثرة التي "تواطأ" إعلام النظام وعدد من المنابر الإعلامية الخارجية، شرقاً وغرباً، على الإيحاء بها، وهم لا يشكلون عموماً كيانات مقاتلة "غير سورية"، لكن للجهاديين الإسلاميين المتشددين، سوريين وغير سوريين، برنامجاً محدداً واضحاً ألا وهو "إقامة الدولة الإسلامية" وفق صيغة بعينها يعتقدون بها، وهذا ليس برنامج الغالبية العظمى من الثوار، ولا برنامج العسكريين المنشقين، ولا الغالبية العظمى من المعارضة السياسية.
هل سيؤدي هذا إلى مشكلات؟ هذا ممكن، لكنها لن تكون مشكلات مستحيلة الحل، الأمر الجوهري هنا هو أن شكل سوريا المستقبل يجب أن يتحدد من خلال مؤسسات شرعية منتخبة تستطيع التعبير فعلاً عما يرتضيه الشعب السوري لنفسه، وأي تحديد عن غير هذا الطريق باطل.
· ما المطلوب بالنسبة للجيش الحر؟ هل أنتم قادرون على لعب دور فاعل بتوحيد وتنسيق جهوده؟ هل تتوقعون أن يصغي إليكم القادة العسكريون على الأرض؟
المطلوب بالنسبة للجيش الحر هو أن يكون موحداً في ظل قيادة عسكرية حقيقية توحد الجهد العسكري وتضبطه من مختلف النواحي، وتحرص على "خلوه" من كل برنامج سياسي يتجاوز إسقاط النظام، وتساهم في توفير البيئة السليمة لإجراء انتخابات حرة تفرز جمعية تأسيسية أو مؤتمراً وطنياً عاماً بعد سقوط النظام.
- بوصفك ممثل لحركة مواطنة العلمانية ومتحدر من أسرة تنتمي لإحدى الأقليات ألا تخشى من اعتلاء الإسلاميين لسدة الحكم بعد نظام الأسد؟
أنا مواطن سوري قبل أي اعتبار، ولست أخشى ما يقرره الشعب بإرادته الحرة، فهذا هو هدف الثورة من أساسها، وإذا اختار الشعب حكومة يغلب عليها الإسلاميون أو غيرهم فلا مشكلة في هذا، شريطة أن يكون ضمن آليات سياسية ترعى ازدهار الحياة السياسية في البلد وتسمح بتداول السلطة.
لن ينتهي التاريخ بسقوط نظام الأسد، وستظل حركة الشعب مستمرة، ولا أظن أن السوريين يمكن أن يسمحوا لأحد بأن يخدعهم ويركب ظهورهم بعد هذا القدر الأسطوري من البسالة والإصرار على نيل الحرية والكرامة، ولن يتمكن أحد من إنتاج "نظام الأسد" من جديد في سوريا، مهما يكن لونه أو اسمه.
سوف يختلف السوريون في أشياء كثيرة، وهذه سنة الحياة لكل البشر، لكن المعبر الوحيد للسوريين هو التوافق على شكل لإدارة الاختلاف الصحي فيما بينهم، أتمنى أن نصل قريباً إلى حالة لا يكون فيها لتعبيري "الأقلية والأكثرية" معنى في الحياة السياسية إلا من حيث أنها أقلية أو أكثرية سياسية فحسب، لكني أدرك أيضاً أن العبور إلى هذه الحالة لن يكون سهلاً، وأن سوريا ستعاني بعض الوقت من آثار الاحتقان الطائفي المديد الذي رعاه النظام وفاقمه طيلة عقود، ثم استخدمه سلاحاً في وجه الشعب عندما قامت الثورة.
· هل تستبعد كلياً انتصار النظام؟ متى تتوقع سقوطه..؟
لا أمل للنظام في الاستمرار أبداً، وهو لم يعد قادراً على الحكم بعد أن فقد كل شرعية، ولو صورية، في أعين المواطنين السوريين، وبعد أن أطلق قوى إجرامية لا يستطيع هو نفسه أن يضبطها ويسيطر عليها حتى إن أفلح في تحقيق انتصار عسكري تشير الدلائل كلها إلى أنه يفقد الأمل فيه على نحو متسارع.
لقد أرادها النظام حرباً تحرق البلد، ومضى في هذه الحرب بكل وحشية، لكنه يتكبد خسائر متعاظمة في كل يوم، لا أستطيع توقع موعد بعينه لسقوط النظام، لكني لا أظن أن ساعة انهياره التام بعيدة.
حوار: أسامة براء - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية