لا تقتصر أصوات الليل على عواء الكلاب ومواء القطط، بل تتعداها إلى تلك الأصوات التي يتسبب بها البشر أنفسهم.
أنا لست ضدّ السهر والساهرين . فالكثير من المهن تتطلّب سهر الليالي كالأطباء والممرضات الذين يسهرون على راحة المرضى، والقيّمين على المرافق الحيوية كالنجدة والإسعاف والإطفاء والكهرباء الذين يبقون ساهرين على خدمة المواطن، إضافة إلى عمال الطباعة وأصحاب المخابز، وكثير من العمال في القطاعات الإنتاجية التي تتطلب استمرار العمل فيها ليل نهار دون توقف. كما أن هناك عدداً من أصحاب المواهب الإبداعية الفكرية والأدبية الذين تتفجر مواهبهم في سكون الليل كالشعراء والكتاب، أولئك الذين يتخذون من الليل ملهماً مترجمين أفكارهم وأحاسيسهم على الورق.
إلا أن الأمر لا يقتصر فقط على هذا الجانب الإنساني المشرق والإيجابي من سهر الليالي. بل هناك بعض الأشخاص الذين لا يحلو لهم التعبير عمّا يجول في خاطرهم من أفكار وصراعات- وذلك نتيجة لضغوطات اجتماعية لا حصر لها يواجهونها يومياً ولا مجال للخوض في تفاصيلها الآن- إلا على نحو مزعج يتخطى حدود الأدب واللياقة، دون احترام لمشاعر الآخرين وظروفهم الصحية والنفسية والحياتية.
فها هم مجموعة من الشبان العائدين في نهاية الليل بعد انتهاء سهرتهم يتحدثون بصوتٍ صارخٍ وبمزاجية عالية، معبّرين عن مشاعرهم السلبية والإيجابية التي خلّفتها تلك السهرة. وهذه مجموعة أخرى عائدة من أحد النوادي تحلل فيما بينها الطريقة والتكتيك الذي تمت به لعبة الورق أو الطاولة، وتتناقش في سبب ربح أحدهم وخسارة الآخر دون استثناء لبعض عبارات الشتم والسبّ التي يطلقها هذا أو ذاك. وتلك جماعة أخرى تتسكع في الظلمة مطلقة العنان لنفسها متحدثة عن آخر أخبار المغنيات أو الفنانات، مبدية الإعجاب بأغنية "ليك الواوا"، مردّدين نغماتها. وها هو سائق السيارة الذي يعكر صفو الليل "بتشفيطه" الحاد وبوق سيارته المزعج الذي لا مبرر له والصوت المرتفع لآلة التسجيل وكأنه (استريو) متنقل دون أن يلوي على شيء. وها هو شاب لا يسعه الانتظار ليصل إلى بيته يستخدم ميزة الراديو في جهازه الخلوي، لا من شدة ولعه بالطرب "الأصيل"، بل على سبيل الافتخار والتباهي بإمكانيات جهازه ومواصفاته الفنية. وهذا هو الجار الذي يطيب له أن يرفع صوت التلفاز أو آلة التسجيل على نحو يفرض فيه قسراً على ساكني البناء سماع ما يريد أن يسمعه. وذلك آخر يروق له أن يحضّر وجبة طعام في الساعة الثالثة والنصف صباحاً، فتصحو من سباتك العميق على أصوات قرقعة الصحون والأواني ومدقة الثوم المتعمدة التي كان من الممكن أن تتم عملية التحضير من دونها بامتلاك قليل من الإحساس بمشاعر الآخرين، لتتابع مجبراً عملية التحضير عن بعد دون أن تنال منه لقمة (لا حامضاً ولا حصرماً). وأحياناً يأتيك اتصال هاتفي خاطئ في الساعة الثالثة صباحاً ليوقف قلبك مئة مرة ريثما تعلم أنه ما من أخبار سيئة وأنك لست المطلوب. وأخيراً وليس آخراً، تصل سيارة جمع النفايات بهدير محركها المميز فتصحو على أنغامها ويطير النوم من عينيك.
كل ذلك يجري في هدوء الليل دون اكتراث للذين يغطّون في نومهم أو يكبّون على دراستهم وتحصيلهم العلمي أو الإحساس بأولئك الذين يعانون وطأة المرض وعذابه.
فرفقاً بنا يا بني البشر أو (يا خفافيش الليل) يا من اتخذتم من الليل نهاراً ثانياً.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية