أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

دمشق إمارة الثقافة العربية

أنه لأمر في غاية العجب أن تبقى دمشق تنتظر دورها إلى هذا العام لتكون عاصمة الثقافة العربية، وهي حاضنة العربية والعروبة منذ أقدم العصور..! لا أدري ان كان القائمون على أمر الثقافة في سوريا ودمشق قد نأوا بأنفسهم عن مسابقة أخذ الأولوية تواضعا منهم، أو انشغالات ما ـ لأسباب معينة ـ قد شغلتهم عن هذه التظاهرة.


حسبي ألا أجعلها هما يستحق التوقف عنده.. أما لماذا؟ ذلك أنها دمشق ـ لا غيرها ـ عاصمة الدنيا .. انها الشام .. أي أنها مدينة (سام بن نوح) الذي بناها .. أو «دمشق» بمعنى الزينة والجمال، التي دمشقها فأحسن دمشقتها.. وأنها جلق، وجيرون، وأم الفراديس .. أيضا هي (شام شريف).. من البلاد المقدسة! وقد وزعت هذا التشريف على كل ما حولها.


رآها رحالة العرب (ابن بطوطة الطنجي) في القرن الرابع عشر. فأخذته الدهشة لما رأى من السحر والجمال الرباني.. أو: «اذا كانت جنة الله في السماء فالشام على الأرض توازيها أو تحاذيها..». ويتصل الإعجاب بسحر دمشق وجمالها وألقها وعظمتها عبر العصور إلى عصرنا.. هنا نرى أمير الشعراء احمد شوقي يترنم بقيثارة شعره في هذه المآثر:


آمنت بالله واستثنيت جنته


دمشق روح وجنات وريحان


وماذا عساي أن أقول في هذه العجالة، وقد كانت دمشق عاصمة الدولة العربية الإسلامية الأولى بعد صدر الإسلام، التي دمغت بني أمية دمغة عربية لم تشبها شائبة، خلدها سعيد عقل بحنجرة فيروز وألحان الأخوين رحباني:


قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب


شآم ما المجد أنت المجد لم يغب


وكأني بتاريخ الدنيا يبدأ بدمشق، التي هي أول مدينة بعد الطوفان، على حد قول المقدسي، وانها مدينة العشرة آلاف عام قبل الميلاد، كما يقول الأثريون.. وهي (ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد..) كما جاء في الذكر، على رواية المقدسي..


ونعود إلى سعيد عقل وما تصدح به فيروز


قبلك التاريخ في ظلمة


بعدك استولى على الشهب


شآم يا ذا السيف لم يغب


يا كلام المجد في الكتب


هذه دمشق.. الدنيا كلها تلحق ببستان هشام فيها! هنا نشير إلى أن هشاما هذا هو ابن عبدالملك الخليفة الأموي المعروف. تغفو دمشق وتصحو، والعروبة في قلبها ووجدانها وخاطرها..


لن أسترسل كثيرا..


* جامعها الأموي ملأ الدنيا افتتانا وجمالا..


* بيمارستانها النوري مدرسة الطب الأولى..


* الظاهرية، المدرسة الجامعة والمكتبة الخالدة.


* ومن روحانيتها انطلق (بولص الرسول) بنور الإيمان ورسالة السماء إلى العالمين قبل الإسلام.


* ومن ديرتها تبوأ تخت البابوية سبعة بابوات كانوا المنارات الأولى في هذا المحفل.


* ومن ديرتها أيضا اعتلى عرش الإمبراطورية الرومانية سبعة أباطرة عظام، وإمبراطورتان، اسبغوا عليها مسوح الإنسانية الأولى.


ولا ننسى أن مأثرة الثقافة الأولى كانت الأبجدية التي أبدعتها (أوغاريت) من هذه الديرة، والتي أبدعت النوتة الموسيقية الأولى أيضا، وقد فجرت التاريخ، منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وما تبع ذلك من مآثر كللت وجه التاريخ إبداعا وإنعاما. أما في عصرنا، فقد عرفت الدولة ذات الهوية العربية لأول مرة بعد مئات السنين..


وجاء مجمعها العلمي عام 1918 مع علامة الشام (محمد كرد علي) ليعطي للغة العربية رونقها وبهاءها، ويعيد إليها طلعتها المشرقة الباسمة في خدمة الآداب والعلوم والفنون بلسان عربي مبين، لطالما تغربت عنه. كما احتضنت أولى الجامعات العصرية ـ الجامعة السورية ـ تتفرد بعز وعبقرية لا تضاهى في تدريس العلوم والطب والفنون والتقانة باللغة العربية، بكل شموخ واقتدار، فيما الجامعات العربية مازالت تدرس العلوم، وخاصة الطب بلغات أجنبية.


لذلك ولغيره ـ الكثير ـ تستحق دمشق أن تكون إمارة الثقافة العربية أو أميرة الثقافة العربية.. ومن ثم من تحترم اللغة والثقافة العربية في الحياة يمكن ان تكون وصيفة لها. وسوف ترى الدنيا في عاصمة الثقافة العربية عرسا وفرحا عربيا حقيقيا تستحق معه أن تكون أميرة الثقافة العربية

البيان
(153)    هل أعجبتك المقالة (166)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي