أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ماتعلّمتُ من الشعب الأمريكيّ.. وحكومته!.... أمل عريضة

شمعة كل عام لتشرين

 اندلعَ صوتُ قصفٍ فجاءةً في هدوء ليل الضواحي الأمريكية.

تذكّرتُ صفاراتِ الإنذار التي انطلقت في بداية النهار، وتبعتها مكبّراتُ الصوت محذرة من احتمالِ مرور اعصار..

 الحقيقة أنّي انتظرتُ هذا الاعصارَ ساعاتٍ، ولم يأتِ سوى الرعد والبرق والريح والمطر الغزير.

 سكنت جميعها في المساء مخلّفة عندي شعوراً بارداً بالفراغ بعدما منّيتُ نفسي بمعانقة قوّة طبيعية لم أرها في بلادي.

 مع ذلك لمّا تواصلَ صوتُ القصفِ ليلاً شعرتُ بالخوف، وتردّدتُ في النظر من نافذتي.. ماذا لو اختارتني صاعقة وفجّرت روحي الغريبة؟!

انتصرَ فضولي أخيراً وعانقتُ النافذة.. كانت نوافيرُ من اللهب حمراءَ وخضراءَ ترقصُ منفردة أو متخاصرة .

وشلاّلاتٌ كسنابل القمح وأشجار الحكايات تتدفق من كلّ صوبٍ نحو السماء.

ودموعٌ ذهبية تنهمرُ من هذه وتلك فوق وجنات الظلام. وأصواتُ الانفجاراتِ تؤكّدُ من خلال فوضى الإيقاع إقاعَها الخاص.. إنّها الإشارة الأولى إلى احتفالات عيد الاستقلال القادم بعد أسبوع.

 اعتادَ الشعبُ الأمريكيّ أن يبدأ مبكّراً بتمجيد هذه الذكرى حيث يشترك الأصدقاءُ وأهالي الحي الواحد بإقامة كرنفالات للألعاب النارية- التي تمنعها الحكومة- وقد يسبقُ هذا الصخبَ الملون حفلاتُ شواء في الهواء الطلق.

 لبّيتُ دعوةَ بعض الجيران باحترام بالغ، لكنّ شعوراً حادّاً بالغيرة راح ينمو داخلي.. لماذا لايحتفلُ الشعبُ في بلادنا- وأعني الشعبَ لاالحكومات- بعيد الجلاء؟

 لماذا تركنا مناسباتٍ جديرة بكلّ الاحترام والخشوع لحكوماتنا تحتفلُ بها كأنّها من إنجازاتها الخاصة؟ ولماذا أيضاً كلّما ازدادَ احتفاءُ حكوماتنا بمناسباتنا الوطنية والقومية قلَّ فرحُنا وتمجيدُنا لهذه المناسبات؟

هل كان أولئك الشهداء والأبطال الذين صنعوا الجلاء من أبناء المسؤولين في الحكومة حتى نأخذ منهم موقفاً؟

ولماذا صارَ معظمنا يكره المهرجاناتِ الرسمية، ويُساقُ مرغماً إلى المسيراتِ حتى لو كانت لتأييد أهلنا في فلسطين أو للوقوف ضد الحرب على العراق؟

الجوابُ ببساطة:

 لأنّ مسؤولاً حكومياً لابدّ أن يطلّ في كلّ عيد متوّجاً رأسه بأكاليل غارٍ ضفرها شهداؤنا، ومزيّناً صدره بأوسمة مناضلينا.. نافثاً في أسماعنا قعقعة شعاراتٍ متورّمة من فراغها وممّا اجترّت من أنفاس ملاحمنا البطولية الماضية.

لكن إن كان طبعُ الحكومات العربية السطوَ والاستيلاءَ على أمجاد الأمّة وكنوزها الإنسانية، فإنّ مسؤولية الشعب أن يفحصَ قيمه ويغربلها ممّا علقَ بها من طفيليات.

أعيادُ الجلاء والشهداء ليست أعيادَ ميلاد للحكومة.

وحربُ تشرين التحريرية بالتغاضي عمّن قادها ومانتيجتها تستحقّ منّا وقفة خشوع وإجلال لأنّ من استشهد فيها هم أهلنا.

في الولايات المتحدة وحتى هذا الزمن لاتُمنحُ إقامة لأيّ سوريّ خدمَ في الجيش عام 1973 لأنّه لابدّ أن يكون شارك في حرب تشرين ضدّ إسرائيل.

هكذا في بلد يساندُ إسرائيلَ يحافظون على أحقادهم، ولاينسون ثأرهم رغم مايدّعون من سلام، بينما يسخرُ معظمُ السوريين اليوم إن سمعوا خطابات حكومية تشيد بتلك الحرب. لقد رأيتُ الشعبَ الأمريكيّ يحتفي بعيد استقلاله على طريقته رغمَ أنف الحكومة.

 وتعلّمتُ من هذه الحكومة- بطريقة رد الفعل- أن أشعلَ شمعة كلّ عام لتشرين.

(210)    هل أعجبتك المقالة (202)

سامر رضوان

2007-07-11

الاستاذة أمل عريضة أتابع ما تكتبين بكل حب وانتظار ..أجد أنك تلخصين ما يجيش في صدر كل سوري ..مع أمنياتي بالتوفيق.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي