أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لا خلاص للبنان إلا بمؤتمر محلي إقليمي غربي مسؤول ... أحمد منصور

 تحيط بلبنان ثلاث جهات تحدد مصيره:

 الجزء البري الأطول: سوريا والأقصر إسرائيل والثالث البحر الذي يعني الغرب البعيد القريب، أما الجهة الرابعة فليست سوي سماء الله الواسعة. كما أن التقسيمات الطائفية المتداخلة فيما بينها علي مستوي ثماني عشرة طائفة تتزايد مع الزمن وتزيد من حدة الصراع بينها علي أرضه.

 سياسة لبنان مع الخارج ـ كسياسة أي بلد ـ يحدّدها وضعه الداخلي، الكثرة الكاثرة من هذه التجمّعات البشرية تتنازع فيه المواقع والمكاسب دون شفقة. لكل منها علاقته مع المحيط الخارجي المباشر وغير المباشر. سوريا تعتبر البلد امتداداً طبيعياً لها.

 لئنْ غدا دولة مستقلة فلأنّ القرار كان قرار سايكس بيكو الذي ملّحته المارونية السياسية وباركته الأمم المتحدة والجامعة العربية. إنسحاب سورية بالقوة ـ شحطاً علي وجهها ـ سبَّبَ لها مرارة لن تنساها وهذا ما شكل شغلها الشاغل منذ ذلك الوقت للبحث عن طريقة تعيدها إلي أندلسها المفقود. فقد كانت محنة سورية قبل منتصف السبعينات في القرن الماضي تتلخص في أنها لا تستطيع القبض علي لبنان ولا تركه ـ نظراًً لأن كل تغيير سياسي في سورية كان يُطبخ في بيروت ـ أما بعد ذلك التاريخ فقد اكتشفت سورية وسيلة للسيطرة علي البلد فسادت فيه ومادت ثلاثين عاماً. لكأنَّ البلد غدا محافظة جديدة لها ولا ينقصها الا اختيار تاريخ لضمّه نهائياً ولم يكن في بالها أو بال سواها بأن الأرض ستنخسِف من تحت أقدامها فجأة بمصرع الشهيد رفيق الحريري الي داخل حدودها التي انطلقت منها.

لبنان تعتبره سورية عتبتـها بل مصطبتها علي العالم ولو خُيّرت سورية ـ حسب تصوري ـ بين ان تكسب العالم وتخسر لبنان لفضلت خسارة الأول وعدم خسارة الثاني. وسورية بعد تعثر فريق الرابع عشر من آذار ـ تماسكت من جديد بعد ان استوعبت صدمة الانسحاب واستفاقت منها واستقوت بشكل أو آخر بجماعة الثامن من آذار الممثلة بالعشرات من الذين خسروا مقاعدهم ومصالحهم في بلد المرام والجاه والمنفعة بامتياز، بالاضافة الي الحلفاء السابقين والطارئين. يعني نجاح السلطة القائمة بالنسبة لسورية ـ نجاح قيام الدولة اللبنانية أي نجاح المؤسسة العسكرية في بلاد الأرز في السيطرة علي الأرض وتشكيل قوة رادعة في وجه الخارج والداخل في نفس الوقت، وهذا ما سيكون في المحصلة انتصاراً للغرب حيث يُجسد لبنان بابه نحو المنطقة.

وهكذا يبدو لبنان مركز أو منتصف الاتجاهين المتعاكسين من الشرق إلي الغرب ومن الغرب الي الشرق. فالقرار اذن بزعزعة جناح السلطة الحاكم، والمحاولات ـ بطبيعة الحال ـ لا تعرف التوقف كما لا تعرف أصحابها، وكلما سقطت الواحدة أعقبتها الأخرى.

 ولذلك تحرّكت عبقريات حلفاء الجيران فانتزعت الجنرال عون وتياره الأقوي في الشارع المسيحي الذي كلف حليفها اللبناني الأقوي حزب الله حوالي أربعين لقاء للتوصل معه فقط الي التفاهم. إنّ أخطر محاولة قامت كانت حوادث طرابلس، والنهر الذي غدا نارياً منذ شهر ونيّف والذي يصعب التكهن بالقضاء القريب عليه رغم سقوطه النظري من الناحية العسكرية ـ ناهيك عن التفجيرات الرهيبة المتنقلة من حي الي حي ومن مدينة الي مدينة ومن طائفة الي أخري والتي يستعصي اكتشافها ، كذلك الاغتيالات النوعية المحكّمة... نضيف علي ذلك ان الخطر المتجول انتقل الي الجنوب الأقصي بعد أن فشل في الجنوب الأوسط.

 الوجود الإسرائيلي الآن في مرمي الصواريخ من جديد وكذلك قوات الأمم المتحدة، والناس في لبنان تعودوا علي سماع الكذب المُحكم والمفبرك والمُعَلّب سابقاً والذي يحتاج تفكيكه ونزع ألغامه الي الكثير من الوقت والكفاءة المتقدمة. كما أن الفُجر والعُهْر في النفي والإحكام في التفجيرات وعجز السلطة في الكشف تشكل عوامل سلبية تؤدي الي احباط معنويات السكان وإذكاء حركة النزوح من البلد، فمئات الألوف ينتظرون الفرصة المناسبة لدفع حركة التصحير في البلد أكثر فأكثر.

 فبحسب استقصاء احدي المحطات التلفزيونية : 66 % من شباب البلد 18ـ25 سنة أصبحوا في الخارج والآلاف المؤلفة سيما من المسيحيين ينتظرون الفرصة المؤاتية ليغادروا البلد.

الوضع يُدغدِغ المخيلات الغاضِبَة الحالمة بزلزلة الأرض وحسم الأمر فترسم الخطط المبسطة في بلد لا يعرف الا الحقد وتحالفات الليل التي يمسحها النهار بأسرع مما يتصورون، لأن الكثيرين لا يدركون تمام الإدراك تاريخ هذا البلد العجيب الغريب. الذين يريدون اشعال البلد ما يزالون يصرون علي نفي ذلك في لغتهم الاجتماعية اليومية، فحتي ولو كانت قياداتهم بالفعل لا تريد ذلك،

فان مئات الآلاف من العاطلين عن العمل والمحرومين المسلحين حتي الأظفار والانياب يتحرقون لإحراق البلد والسطو علي ما يتوقون اليه فيه، وكل الذين يردّدون: ما راح يصير شيء وأكثر ما صار ما راح يصير ، هم قصيرو النظر ستتجاوزهم الأحداث مثلما تتجاوز الرصاصات الطائشـة أضلاع الغافلين، فسذاجاتهم التخطيطية النظرية ستجلب الكوارث علي البلاد والعباد... ذاك ان إيهام الناس بأن الحرب ستكون وطنية ديمقراطية شعبية تشترك فيها الطوائف المنقسمة علي نفسها سياسياً لن يكون له المصداقية المزعومة من قبلهم علي الواقع. أقوي عنصر جامع بشكل عام وان كان سلبياً يبقي العامل الطائفي، لأن الأحزاب اللبنانية بالمفهوم الغربي لم تتجذر في هذه البلاد كما أن العلمانية التي يكررونها كالببغاوات لا يفهمها الناس ولا يُبالون بها كما هو الوضع في تركيا، ولئن ارتدت الصراعات أحياناً الطابع الاقتصادي او الوطني الا انها سرعان ما تنقلب الي صراعات طائفية كالنيران في الهشيم، نظراً لقصر النفس عند الأحزاب العقائدية وطوله عند الطائفيين والاعتياد عليه من قبل العامة كالماء والهواء، ولذلك سيخطيء أصحاب النهج الخطابي أو الديمقراطي الخادع

 فيقعون في مطبات الموالاة والمعارضة والدولة الواحدة والشعب الواحد باعتبارهم يركبون الطائرات والمركبات الفضائية في الوقت الذي لا يزالون فيه ذهنياًً يركبون البغال والنوق والحمير، كما أن أكبر الأخطار يتجسَّد في تصور البعض بأنه يمثل أمة من المحيط الي الخليج او من المحيط الي المحيطات وعليه يقع الحمل الأكبر والدور الأول لتحرير القارة الأوسع المتشعبة علي سطح الكرة الأرضية، اذ مهما انتفخت النملة فانها لا يمكنها أن تحمل فيلة علي ظهرها وتسير بها الي ما لا نهاية.

هناك مدي محدود ومحدد في أي كائن تجاه أي كائن آخر.

 غير أن لبنان منذ أن كان من آلاف السنين في توحّده وتعدده ـ كان يلعب فيه لاعبون لعبات أكبر بكثير من مستوياتهم وامكاناتهم. والغريب انهم ما تعلموا من الكوارث التي وقعوا فيها وما زالوا يتوارثون الهزائم والمجازر ولا يعتبرون. فكما اعتبر الرئيس السابق شارل حلو (1964ـ1970) الصحافيين اللبنانيين في وطنهم الثاني لبنان وليس في وطنهم الأول الذي ليس سوي المصلحة حتي ولو كانت في الصين، فان نفس المفهوم قد لا يكون بعيداً عن السياسيين (باستثناء البعض منهم) ومن هنا تتحدد النقطة المحورية في تاريخ هذا البلد التي تحتم عدم حرمة واستقلالية الرجل السياسي وعجزه بالنتيجة في أخذ القرارات الكبري بالإضافة إلي نرجسيّة الكثيرين وتنطحهم المرضي الي الرئاسات العليا التي يلوح السيف بها وعليها من الخارج. ومن هنا ليس من المستغرب أن ينام البعض رئيساً ويستيقظ في قرنته كيساً، وإن أي اتفاق قد لا يدوم ساعة بعد إبرامه. ولذلك تعرف الحروب متي تبدأ ولكن لا تعرف متي تتوقف. وكما ان الحزبية لا تصنع صحيفة، فان المركنتيلية لا تبني وطناً، فالوطن بحاجة الي المال والرجال معاً وللوطن الأولوية المطلقة.

وهذا ما لم يكنه إلا نادراً جداً ولأمد قصير في تاريخ هذا البلد اليائس التعيس الميؤوس منه. عندما يغدو الوطن سلعة للبيع والشراء فان كل شيء آنئِـذٍ يصبح في مهبّ الريح. كثرة الزعماء في السوق السياسية اللبنانية أكثر بكثير من الذي توفره الفرصة لأية دولة غنية قادرة للتدخل والاعتماد علي أصدقاء، فكأنما اقتصاد البلد ليس التجارة والزراعة والصناعة والاصطياف والعلم والطب والسياحة، بل الاسترهان للدول الوافدة وذلك في وضع المئات والآلاف من العاطلين عن العمل والفقراء طوعياً تحت تصرفهم للقتال وفي أي مكان وضد أي انسان كان... وليس من الغريب والحالة هذه أن تكون عبارة حبيبي نافعني هي القاعدة الأولي المتوارثة بين الناس في بلد الأرز حتي أيامنا. ولا يزال الاستقواء حتي ولو بالشيطان هو القانون المستمر منذ القدم، فالهزيمة ممنوعة ... وإن كان لا بد منها فلتكن مع الموت حتي لا يري صاحبها انتصار غريمه. وجه لبنان السياسي الفعلي حكماً ومعارضة يتمثل بالحريري، جنبلاط، جعجع، الجميل وأنصارهم، ومن جهة ثانية، بنصر الله، عون، ارسلان، فرنجية ومشايعيهم، وهؤلاء الزعماء من الفئتين لهم وزنهم الطوائفي ولئن غلفته الأردية الحزبية المرسومة عليها الشعارات والمفردات كالحرية والديمقراطية والاشتراكية والعلمانية والأمل والله.

 يأتي بعد ذلك الوجه العربي المؤثر:

(السعودية ومصر) والعربي الاسلامي: (سورية وايران)

 يتلوهُ الوجه الأوروبي الغربي:

(فرنسا، انجلترا، المانيا ،ايطاليا واسبانيا) والأميركي: الولايات المتحدة. فالصراع يتجسد اذن بين جانبين علي طاقين او ثلاثة. والحل لا يكمن ان يتأتّي إلاّ من خلال الحوار والتنسيق بين طرف كل طاق مع طاق الفريق الآخر وبموازاته وبمشاركة الأطراف الغربية مع الفريقين لتقريب وجهات النظر وان لا فسنبقي ندور في الحلقة الجهنمية المفرغة.

ومن هنا لا تزال تفشل كل الاجتماعات علي الصعيد المحلي والعربي ، فالمسألة لبنانية اقليمية دولية والحل بأيدي أصحاب العلاقة المتصارعين فكل مؤتمرات الجامعة العربية أو (المانعة من الجمع) و بظهرها مؤتمر مكّة باءت بالفشل والولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح بنجاحها وهذا ما أشار إليه السفير الأميركي في بيروت بطريقة أو بأخري، وهذا ما يُشبه ما حصل بين أمريكا وفرنسا في حرب السبعينات اللبنانية ـ اللبنانية بالقرن العشرين حينما علّق المندوب الفرنسي في مجلس الأمن الدولي بقوله: ان المشروع الأميركي لا يختلف في جوهره عن المشروع الفرنسي فأجابه المندوب الأميركي: علي الفرنسيين أن لا يتدخلوا فيما لا يعنيهم.

 إنها لغة المُعطيات القووية علي الأرض وليست مسألة مزاج أو حبّ أو كره اذ يستحيل أن يكون حلّ دون رضا سورية أولاً وإيران ثانياً، وان لا فالمحنة ستسمر، ومن سيكون الحلّ علي حسابه، فانه لن يكون مستعجلاً اطلاقاً علي توفير شروط النصر للخصم فهو من أنصار دوام الأزمة. سيكون اجتماع جديد في باريس للبنانيين تحت الرعاية الفرنسية في منتصف تموز لمحاولة ايجاد حلّ للمعضلة والرابح فيها سيكون دون أدني شك ـ السياحة الفرنسية

 كما كان نفس الوضع في سويسرا بجنيف و لوزان قبل مؤتمر الطائف، وكي لا يضيع الوقت وقبل أن يتصحر الوطن أو يحترق) يجب أن لا ننسي المناورات الاسرائيلية في الجولان والنّقب ودور باراك المحتمل في حرب إسرائيلية قادمة علي حزب الله وسورية وايران بالتنسيق ـ علي الأرجح ـ مع الولايات المتحدة، فاسرائيل لا تستطيع ان تنام علي هزيمة لأنه سينكفيء مبرِّر وجودها القائِم علي الزخم المندفع في جميع الاتجاهات. فالاستكانة او السلام يعني الموت الكامن لإسرائيل. علينا مواجهة الواقع وجهاً لوجه لا مجانبته. فوجوب عقد المؤتمر المقترح في أية عاصمة كانت هو ضرورة لا غني عنها للخروج بحل يحفظ الكرامة للجميع قبل فوات الأوان وانخساف المكان.

 الحلّ يبدأ في دمشق وحدها لا سواها، فلبنان مفتاح المنطقة، أما سورية فهي بابها... حتي ولو استلزم ذلك تأخير اقامة المحكمة الدولية بعض الوقت واجراء بعض التعديلات الممكنة عليها... لأنّ مواقف النظام السوري تؤكد أكثر فأكثر ما أكدته البارحة وقبلها بأن المحكمة الدولية تشكل باب جهنم بالنسبة لنظامها، وكل ما صدر منها من تصريحات وتلميحات وتمويهات وتشكيل لجنة تحقيق برئاسة إمرأة ثم ابدالها برجل دون الوصول الا الي الفراغ، وكذلك عدم قيامها بكشف أية عملية كعملية الحريري (في الوقت الذي كانوا مسؤولين فيه عن الأمن في لبنان) ناهيك عن التهديد (علي مستوي رئاسي) بتجسير النار بين المتوسط وقزوين.

كل هذا لا يبشـِّر إلاّ بكسر العظم بين الحريرييـن والأسديين. كما أن هناك أطرافاً تسعي بلا شك الي الحسم القاتل باسم القانون الدولي وباسم الثأر الشخصي أو العائلي المعتمد علي القانون. مؤتمر عالمي (علي هذه الصورة) لن يكون عاجزاً عن تأمين حلّ عبقري لتنسيق العلاقات التي لا بدّ منها بين سورية ولبنان لتجنيب البلدين فوضي جهنمية تأكل الأخضر واليابس...

 لأن التاريخ يُرينا دائماًً توفر الحلول اذا ما توفرت النوايا الصادقة. كما أنه يجب أن لا يغيب عن الأذهان بأن سورية كدولة منذ قيامها لا تستطيع ان تتصور وجود قوات دولية أو حتي لبنانية علي طول الحدود بينها وبين الدولة اللبنانية، ولئن وافقت عليها في عام 1958 فلأن الضغوط الدولية لم تدع لها مجالاً من التنصّل، ولكن هذا ما منعها من استمرار التنسيق بينها وبين اطراف ما يُسمـي ثورة 58 الوطنية

وتأمين ما يحتاجونـه كأن شيئاً لم يكن، فالتداخل بين البلدين الأراضي والبشري وطول الحدود (مئات الكيلومترات) تطلب عشرات الآلاف بل مئاتها من الجنود والمعدات والطائرات بالاضافة الي ميزانية ليست بالبسيطة في وقت تعاني فيه الأمم المتحدة من العجز والدين الماديين اللذين لا يتوقفان. أما اذا كان هناك قرار استراتيجي أميركي ـ اسرائيلي متخذاً بعرقنة المنطقة إلي أمد غير مسمي في حمي فوضي خلاقة توفر عليهما استخدام القنابل النيترونية للسيطرة علي المنطقة بعد أن تكون فرغت من شبانها عبر العقدين القادمين) فان كل أصوات العقل في العالم ـ في حالة كهذه ـ ستكون عاجزة عن منع حصول المواجهات العبثية في المنطقة التي تكون قد انتقلت من نظرية كيسنجر الحروب العربية ـ العربية بين الدول بعد حرب التحرير عام 1973 وانتقالها الي حرب الطوائف والعشائر فيما بينها وضمن هيكلية الدولة الواحدة. وفي حالة كهذه ستضيع وتتضعضع الممانعة أو المقاومة الوطنية لهذا السيناريو الرَّهيب. وإذا كانت السياسة فـنّ الممكن، فلماذا نريد من النظام السوري المستحيل الذي لا يستطيع تقديمه؟ إنها ليست المرة الأولي التي نتهم فيها سورية

 (بغضّ النظر عن صحة الاتهام أو عدم صحته) فلقد كانت اليد التي أهدت الي الشهيد انطون سعاده مسدسها هي نفس اليد التي سلمته الي راميهِ بالرصاص قبل الفجر.

كذلك علينا ان لا ننسي موت الشهيد الآخر فرج الله الحلو تحت التعذيب في أواخر الخمسينـات وتذويب جسده المقطع بالأسيـد لإخفاء معالم الجريمة التي وضعت عبد الناصر العظيم أمام الأمر الواقع الذي لم يأمر به ولكنه اضطر الي نفيه رغم الإحراج ـ كرجل دولة ـ بشكل متواصل، لأنه ـ شاء أم أبـي ـ يعتبره الجميع المسؤول الأول، ولا نريد أن نطيل السرد فانتحار أو استنحار الزّعبي كرئيس وزراء سوري سابق وغازي كنعان كحاكم سابق للبنان ووزير الداخلية في سورية ما زالا حديثي الزمن.

والخبر الأخير (الذي يضع كل حقيقة أمام التساؤل)، وقع علينا منذ يومين وهو الاستجابة لإعادة محاكمة الليبي عبد الباسط المقراحِي المُدان بتفجير طائرة البانام فوق اللوكربي باسكوتلنـدا عام 1988 والتي عرفت تحقيقات لا نهاية لها ومحاكمة ملحمية شهيرة عام 2001 قضت بتبرئة زميله وحكمه هو بالمؤبَّـد مع التعويض النقدي الي الـ 270 راكباً بثلاثة مليارات دولار أميركية من قبل الدولة الليبية. وقد بدأت تتراكم المُعطيات ببراءة الرجل بعد استئنافه الثاني المقبول مما بدا يُشكِّل عبئاً ثقيلاً علي القضاء البريطاني والدولي وكذلك علي الرأي العام البريطاني والعالمي.

وهذا ما يدعونا الي التأمل والاعتبار بأن محاكمة قتلة الحريري لن تكون سهلة وقصيرة علي الاطلاق، بل الأرجح ستكون حبلـي بالمفاجآت التي شهدناها في قضية اغتيال كندي عام 1961 التي لن تتوصل الي نتيجة نهائية عادلة حاسمة. وها هـي الوثائق الأميركية الخارجة من الاعتقال تخبرنا بمحاولة الولايات المتحدة الأميركية كدولة اغتيال كاسترو عن طريق المافيا وهذا ما هو ممنوع في الدستور الأميركي ولا نريد أن نذهب أبعد من ذلك بالإشارة الي لُغز إحراق وإسقاط بُرجيْ منهاتن عام 2001 والذي ليس من المُستبعد أن يكون لطرفٍ ضليعٍ فيه ضلعٌ في مصرع الشهيد الحريري لأن المستفيد أو المستفيدين الأوّلين هما أنفسهما بالذات... فلماذا لا يُحاكم كاسترو أميركا في محكمة لاهاي الدولية لدورها المتعمِّـد في مشروع اغتياله. إننا قد نصير في عين العاصفة او قلبها التي تصورها الرئيس السوري اذا ما قامت قيامة المحكمة الدولية من علي منصّة البند السابع أي في معمعة الفوضي الخلاقة العنيفة التي أرادوها لنا بينما هم يغرفون البترول العربي المحيطي الفيّاض الذي نحن في غنيً عنهُ لانشغالنا بتصفية بعضنا البعض ببربرية لا نُحسـد عليها.

 إننا نصرّ علي عقد هذا المؤتمر الذي اقترحناه لأن أصحاب القرار سيكونون حاضرين من كل الأطراف المحلية والاقليمية والدولية التي قد يُستحسن اضافة روسيا والصين وتركيا إليها، وفي حال صدور القرارات ستكون القرارات ملزمة لكل الأطراف، لأن اللبنانيين لا يعرفون الاتفاق فيما بينهم، ولئن اتفقوا فسيكون اتفاقهم ترقيعياً مؤقتاً سرعان ما يتفتق بعد قليل ... انهم تعوّدوا السماع الي الأجانب وتنفيذ القرارات التي تأتي من فوق فالفرنجـي عندهم برنجـي.

لقد قال أحد المهاجرين اللبنانيين في منتصف القرن العشرين. ما أتعس الحكم في لبنان وما أسعد السكن فيه ، ونحن نضيف بدورنا: ليس أتعس من الحكم في لبنان سوي السكن فيه. فكأن الآذان صبَّت من رصاص أمام صرخة البطريرك: لنتفق قبل أن يتفقوا علينا فيجيب نفسه يائساً حزيناً: من بأيديهم الحلّ والربط ليسوا في لبنان. تقول السانداي تايمـز البريطانية منذ أسبوعين : إن الحرب المقبلة ستكون كونيّة تبدأ في الشرق الأوسط بخلاف الحربين العالميّتين السابقتين اللتين بدأتا في شرق أوروبا. فهل يسمع أهل الغرب أصواتهم هُـم قبل فوات الأوان أم معنا سيكون الي مجاهل المجهول سائرين؟

 ذلك هو السؤال الذي ستجيبنا عليه الأيام أو الأشهر القادمـة. 

القدس العربي
(192)    هل أعجبتك المقالة (189)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي