أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معرض السيارات باللاذقية: شم ولا - تدوق-.... نضال نعيسة

كنت أحملق في وجوه زوّار المعرض، أكثر الأوقات، لا في موديلات السيارات، ومعظمهم من المواطنين البسطاء العاديين، لا من سليلي الحسب والنسب وأبناء الذوات المنزّلين ممن لا تليق بمقاماتهم مثل هذا المعارض الشعبية والموديلات الرخيصة ويأنفون القدوم أصلاً، إلى مثل هذه الأماكن المزدحمة، لأن سيارات "الهامر" والبورش الإمبريالية الخرافية صارت من منسياتهم، وقد بدت الخيبة، والحسرة، والانكسار على سِماه المواطنين وهم يجوبون معرض السيارات الذي أقيم الأسبوع الفائت على أرض المدينة الرياضية في عاصمة الساحل السوري اللاذقية.

وكانت تلك الأمواج البشرية تعود أفواجاً أفواجاً، مطبقة المثل الشعبي "تيتي تيتي" بحذافيره، بعد أن تصطدم بتلك الأسعار الكاوية والحارقة المحلقة، مقارنة بدخلها المتواضع، وبتلك الشروط التعجيزية والقاسية، وهي خالية الوفاض، مهيضة الجناح، إلا من حسرة مكبوتة، ودمعة محبوسة في مآقيها الحزينة. وكانت صغيرتي الحلوة تشير علي أن اشتري هذه السيارة، أو تلك يا بابا، لاعتقادها بأن ابيها مافيوزي كبير أو سليل المغفور له أوناسيس، أو كأنها تشتري علكة، أو قطعة بسكويت بخمس ليرات من عند جارنا السمّان، الذي ما زال يركب الطرنزينة حتى اللحظة ويشفط بها في الشوارع والحارات، وغير مدركة أن أطناناً من التعقيدات الروتينية، وجبالاً من الصعوبات المالية، وأكواماً من الاستحالات اللوجيستية والقراقوشية تقف حائلاً بينها، وبين حلمها الوردي الصغير.

 ولا تدرك، لبراءتها الفطرية والعذرية، حقيقة ما يضمره فقهاء الثورة، وأساطين النضال القومي الميامين من بلاشفة الإفقار والتدجين والجباة الإنكشاريين، و ما لديهم من رؤى جهنمية، ومتاهات أيديولوجية وألغاز اصطلاحية مبهمة حيال امتلاك هذه السلعة التي أضحت مطلباً ملحاً وحاجة يومية للعائلات كالملح، والماء، والطحين وأمام استراتيجيتهم الجهادية المعلنة، والمبنية على مبدأ الحرمان العام وإبقاء السيارة، وكل بحبوحة ورفاهية، حلماً مستحيلاً لبسطاء السوريين وفقرائهم. موديلات عدة، وعادية جداً بالمقاييس البورجوازية من السيارات الصينية، والماليزية، والكورية، وحتى اليابانية والألمانية. ولكن الجامع الوحيد في ما بينها، هو غلاؤها غير المبرر مقارنة بالسعر العالمي ودول الجوار، إضافة لتلك الضريبة المؤلمة والموجعة، وغير المبررة، لا أخلاقياً، ولا مفهومة وطنياً، والمسماة ضريبة الرفاهية والتي تبلغ في بعض الحالات، وعلى بعض الموديلات، عشرات الآلاف من الدولارات الأمريكية. إلا أنه لا يمكن تصنيفها، وفي مختلف الحالات، إلا تحت بند الجزية، والخوة، والأتاوة التي يمارسها قطاع الطرق الساديين، وليس مؤسسات تتعامل مع مواطنين بررة من المفترض أن تقدم لهم الخدمات على طبق من ذهب، وبأبسط التكاليف، ودون حلب جيوبهم واستنزاف دخولهم المتواضعة أصلاً. فالسوري هو المواطن الوحيد في العالم الذي يدفع ثمن السيارة مرتين، ويتعرض، علناً، وقانونياً، للازدواج الضريبي المقونن والصريح، تلك المخالفة المالية الواضحة والمحرّمة في المعايير الاقتصادية العالمية.

 وهذا لا يجوز أبداً ومهما كانت المسوغات والأعذار والتبريرات. إن ركوب سيارة محترمة، يعتبر، فعلاً، عملاُ كمالياً في معايير النضال الثوري الاشتراكي لمنظري الحلم القومي العربي العتيد مقارنة مع الطنابر، وباصات الهوب هوب، والطرنزينات التي ميزت مواكبة المواطن السوري للعولمة والعصر الحديث، ومن هنا فإن كل من تسول له نفسه الآثمة التخلص من ذاك الإرث الثوري، عليه أن يدفع الثمن غاليأً عبر ضريبة قراقوشية لا يتصورها عقل ولا خيال. وسوريا هي البلد الوحيد في العالم الذي لا يعتبر فيه الازدواج الضريبي جريمة، طالما أن هدفه وغايته هو إفقار وإنهاك المواطن، وطبعاً كل ذلك تمهيداً لإعداده للمعركة الكبرى والفاصلة مع الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني الشرير، وأمام تحقيق حلم المواطن السوري المنشود في الوحدة العربية، أمل العرب من الخليج الفارسي والهندي حتى المحيط الأمازيغي والبربري، وحيث سيصبح المواطن السوري عندها، مع مواطني

 جزر القمر والصومال ودارفور وجبال النوبة، أبناء دولة واحدة ينعمون بالفردوس القومي الموعود. ولذلك فكل شيء يهون أمام ذاك الحلم الوردي العظيم. ولذا تبدو معضلة امتلاك السيارة شيئاً تافهاً جداً ولا يجب التوقف عنده، بتاتاً. ولا أدري في الحقيقة كيف تفتقت عبقرية الثوار والاقتصاديين الملهمين السوريين عن هذه الضريبة القراقوشية التي لا يهضمها عقل سوي، ولا يصدقها أحد، وحتى

 لو روتها شهرزاد لشهريار في لياليه الرومانسية العذبة الملاح. ولو كان الأمر بيدي، لوجهت تهمة إضعاف الشعور الإنساني، وتبديد الأحلام الوطنية، وإثارة النعرات المالية، وتحريض العداوات الطبقية، وإنهاك القدرات الشرائية، وإفقار المجموعات البشرية، وقتل الأفراح الطفولية ضد مسؤولي الجمارك، والضرائب والاقتصاد والمالية لأنهم يراكمون عوامل انفجار دماغي، وتجلط قلبي، وهذيان عقلي لعموم المواطنين، وما لذلك من أثر كبير على صعيد الأمن الوطني العام.

 حتـّام يبقى التعامل مع تلك السلعة، ومع غيرها، بذاك النوع من النكد، والمناكفة، والكيدية، والصد والمنع والتشويق؟ وهل يجب أن يبقى السوري، ليكون سورياً نموذجياً في العُرف الثوري، محشوراً كالمكدوس والسردين في وسائط نقل مخجلة لا تناسب ولا تليق؟

 ولم لا يتم "تدليل" المواطن السوري، فعلاً، عبر إجراءات سهلة، وأقساط مريحة، وأسعار مقبولة، ورفع الضرائب الباهظة والمرهقة عن كاهله؟ فهو الوحيد الذي يعوّل عليه في النهاية، وهو مصدر قوة الوطن الحقيقي عند النوازل والملمات، لا أولئك السماسرة غير المبالين، والجشعين، والتجار والوكلاء النهمين، وبعض المسؤولين المتعجرفين واللا كفؤ، وغير المؤهلين حتى لإدارة اقتصاد منزلي.

(188)    هل أعجبتك المقالة (202)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي