أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"الإبحار دون سفينة"....د.رانية كاسوحة

عندما رآها لأول مرّة كان قلبُه طائراً ذا جناحٍ ذهبي.. كان يغرِّدُ ملءَ السماء.. تتغلغلُ النسماتُ بين ريشاته.. وتهبُّ الحياة ُ من تحته.. لكن بعد مضيِّ سنة أصبح قلبُه طائراً مكسورَ الجناح.. حبيساً داخلَ قفص ِ الأوهام.. مسجوناً في سجنها وحدها.. لم تسلبْه الحرية َ فقط.. بل ربّما سلبته الحياة..

صار يذهبُ إلى عمله بذاكرة مخدَّرة، وأعضاء مسيَّرة، مبرمجة على روتين يومي مملّ..

واليوم.. كان بإمكانه أن يكونَ مجرَّد يومٍ عاديٍّ آخر لو لم تلمع فجأة ً أمامه كنجمةٍ ترسلُ نورَها في عتمةِ حياته.. بريقها أيقظ حواسه النائمة، وأشعلَ لهيبَ ذاكرته المخدَّرَة، خلال ثوانٍ عبرتْ فيها الطريق دون أن تراه..

لقد ظنَّ أنَّ حبَّها نامَ وانتهى، لكن صدفة صغيرة غير متوقـَّعَة قادرة على زعزعة نومه وزلزلةِ هدوئه..

يحبُّها.. نعم يحبُّها.. أكثر من ذاته.. لكن ربما لم تلحظ حبَّه، وربما لم تقبل به، لأنه لا أحدَ غبيٌّ للدرجة التي لا يحس معها بنظرةِ حبٍّ ولهفة من شخصٍ آخر..

لقد قطعت السبيلَ عليه بكلماتها الناعمة، والتي تحملُ في طيّاتها خنجراً جارحاً: "أنتَ مثلُ أخي.. أعزّك كثيراً.. ومكانتُكَ عندي كبيرة جداً.."

لكن هل هذا الكلام يطفئ حرة عاشقٍ مكتوٍ بحبٍّ جارف؟..

عرفَ أنها لا تحبُّه ولا تبادله الشعورَ ذاتَه.. لذلك قرر أن يكتمَ حبها في قلبه.. وأن ينسحب بهدوءٍ من حياتها رغم كلِّ البراكين الحارقة التي أشعلتها في نفسه..

كان يحسّ أنه لم يأتِ إلى هذا العالم إلا بحثاً عنها.. وإذا به يجدها أمامه.. لكنها لا تشعر به ولا تدركُ مدى حبِّه..

ما هي نسبة الصدف التي بإمكانها أن تجمعه معها مجدداً -إن آمنَ فرضاً- أنَّ هناك حيواتٍ أخرى، وأنَّ الأرواحَ تتقمّص في الأجساد، وترحل عبر السنين باحثة ً عن أقرانها؟..

وجَدَها، لكنها لم تجدْه، لا يوجد أكبر من هذا العذاب، لم تعرفه لأنها لم تنظر يوماً إلى داخله.. إلى روحه ورقـَّته.. اكتفتْ فقط بالمظهر الخارجي لتصدرَ حكمَها القاتلَ عليه، وعلى حبِّه..

يا للغرابة!.. كيف يمكن أن تُختصرَ حياة ٌ كاملة بمجرد ثوانٍ معدودة.. للقاءِ شخصٍ ما.. وبانتظارِ صدفةٍ جميلة تجمعه مع هذا الشخص..؟

هل يمكن أن يحصل على فرصة أخرى للقائها ليلتقيا في ذاتِ المكان، وذاتِ الزمان؟ ربما في حياةٍ أخرى تجعله أكثرَ قرباً منها.. وأكثر شبهاً بها.. إن كان حبُّهما المتبادَل في هذه الحياة شبهَ مستحيل..

مضى في طريقه، يملؤه إحساسٌ غريب ممزوجٌ بين بهجةِ لقائها، وحرقةِ البعدِ عنها، مكتفياً بما تحمله له الحياة من الصدف الجميلة، التي تجعل شمسَها تشرقُ عليه ولو لثوانٍ قليلة، قادرة على أن تحييه لأيامه القادمة..!!

(188)    هل أعجبتك المقالة (195)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي