أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

استقووا بالشعوب لا عليها!.... د. فيصل القاسم

 

تقول إحدى النكات الساخرة من العجز والهوان العربيين إن رئيساً أمريكياً اتصل ذات مرة بزعيم عربي أثناء انعقاد مؤتمر القمة في إحدى الدول العربية. وقد لاحظ الزعماء العرب الآخرون الذين كانوا جالسين إلى جوار ذلك الزعيم أنه لم ينطق خلال المكالمة الهاتفية مع الرئيس الأمريكي إلا كلمة  "نعم" نعم، نعم،نعم، نعم، نعم، بشكل متكرر، لكنهم لاحظوا أيضاً أنه  تجرأ خلال المكالمة ولفظ فجأة كلمة "لا"، فأعجبوا أيما إعجاب بشجاعته الفائقة، والنادرة، وعنفوانه الشديد، وبأسه العتيد، فسألوه: "كيف تجرأت على أن تقول "لا"  للرئيس الأمريكي"، فأجابهم الزعيم العربي: "لقد سألني سيادتة أطال الله في عمره وعمر الذين خلفوه وسيخلــّفهم: ألم تتعب من قول كلمة نعم؟ لقد كررتها لي أكثر من خمسين مرة حتى الآن، فقلت له: "لا" لم أتعب يا سيادة الرئيس. هذا كل ما في الأمر".

 

وقد ذهب الفنان القطري غانم السليطي في التهكم على ضعف الأنظمة العربية أبعد من ذلك، فقد قدم  في إحدى مسرحياته الكوميدية مشهداً يصور عدداً من وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم في الجامعة العربية. وبينما كان "السادة" الوزراء يتناقشون فيما بينهم وإذا بجرس الهاتف يرن، فرد عليه أحدهم، لكنه سرعان ما أغُمى عليه، فأخذ السماعة وزير آخر، لكنه سرعان ما فقد السيطرة على أعصابه، فتركها مرعوباً. أما بقية المجتمعين فقد صورهم السليطي في وضع محرج للغاية، حيث لم يستطيعوا التحكم بوظائفهم الفيزيولوجية أثناء المكالمة. كل ذلك نتيجة اتصال هاتفي من وزيرة الخارجية الأمريكية التي كانت على الطرف الآخر من الخط في واشنطن.

لماذا أصبحت الحكومات العربية أكثر حكومات العالم خضوعاً وخوفاً من السيد الأمريكي؟ لماذا لا تستطيع أن ترفض له طلباً؟ لماذا تخضع لضغوطه وتدخلاته بلمح البصر؟ لماذا لا تستطيع أن تقول له "لا" ولو على سبيل المزاح؟ لماذا ترتعد أوصالها من مجرد سماع صوته؟ لماذا تنهار عزائمها من مكالمة هاتفية من البيت الأبيض؟ السبب بسيط جداً: لأن ليس لها أي سند شعبي في بلدانها يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الخارج، فأصبحت عبداًً ذليلاً للأجنبي؟

معظم دول العالم تستند إلى قواعد شعبية صلبة تحميها وتدافع عنها وتذود عن حماها. معظم حكومات العالم دوائرها الانتخابية داخلية، بمعنى أنها مختارة ومدعومة من شعوبها. أما معظم الأنظمة العربية فدوائرها الانتخابية خارجية بكل أسف، حتى تلك التي تدّعي "الاستقلال الوطني"، فهي مختارة خارجياً رغم كل أكاذيبها الإعلامية وعنترياتها المفضوحة والمخصصة للاستهلاك المحلي، وبالتالي عليها أن تخدم ناخبيها الخارجيين أكانوا في البيت الأبيض أو في الكنيست الإسرائيلي أو في عشرة داوننغ ستريت أو في قصر الإيليزيه أو في أي مكان ذي نفوذ عالمي.

معظم حكومات العالم تخشى من شعوبها لأن الأخيرة هي التي ترفعها إلى سدة الحكم، وهي التي تنزلها من خلال انتخابات حرة ونزيهة. أما عندنا فأنظمتنا تخشى فقط من الذين يدعمون بقاءها من الخارج، ولا تخشى من شعوبها أبداً،  لأنها جاءت إلى الحكم عن غير طريقها، وهي بالتالي ليست مدينة لها بأي شيء، أو مسؤولة أمامها.

معظم دول العالم تستقوي بشعوبها وأوطانها على الآخرين إلا أنظمتنا العربية، فهي تستقوي بالخارج على الداخل أو بالأجنبي على المواطنين، وهو ما لم يحدث في أسوء حقب التاريخ. معظم زعماء العالم يتسلحون بشعوبهم لمواجهة الضغوط الخارجية إلا حكوماتنا العربية، فهي أسقطت الشعوب من حساباتها تماماً، لا بل إن الكثير منها يعرض خدماته على الخارج أو يتواطئ معه لقمع الشعوب وإذلالها وإبقائها تحت النعال، وكأن هناك اتفاقاً سرياً بين أنظمتنا ورعاتها الخارجيين يقضي تحديداً بتضييق الخناق على الشعوب مقابل حماية حكوماتنا وإبقائها على عروشها. وكم كان بعض الحكام العرب يتفاخر أمام سادة البيت الأبيض بأنه وضع شعبه في جيبه. وقد أكد هذا الكلام وزير الخارجية الأردني الأسبق حازم نسيبة الذي قال بالحرف الواحد إنه سمع زعماء عرباً كثيرين وهم يطمئنون الأمريكيين من أن لا عليهم من الشعوب العربية، فهي تحت السيطرة وفي الجيب الصغير.

ليس صحيحاً أبداً أن الأنظمة العربية جبانة بالفطرة وتموت من الخوف من شيء اسمه أمريكا. لا أبداً، فهي تعرف تماماً ماذا تفعل وماذا تريد. صحيح أنها تبدو كلاعبي السرك وشخوصه الأخرى ما أن تسمع ضربة سوط المدرب حتى تنفذ أوامره بحذافيرها، فتمشي على الحبال، وتقوم بحركات بهلوانية غريبة عجيبة، لكنها ليست مغلوبة على أمرها كما يتصور البعض، بل إن العديد منها  اختار بمحض إرادته أن يكون لاعباً في سيرك يديره الآخرون دون أن يعلم أن الارتهان للشعب أسهل وأقل كلفة بعشرات المرات من الارتهان للأجنبي. لكنها مع ذلك تختار الطريق الأصعب. لا أدري لماذا يخجل الحاكم العربي من النزول عند رغبة الشعب، بينما لا  تهتز له شعرة خجل واحدة عندما ينبطح كالمجند الـُغر أمام السيد الأجنبي؟

لماذا لا تتعلم أنظمتنا العربية من تجارب الآخرين وتتعظ بها؟ لماذا استطاع النظام التركي مثلاً أن يمنع عبور القوات الأمريكية عبر الأراضي التركية لمهاجمة العراق؟ لأنه كان مسلحاً بأغلبية برلمانية ساحقة كانت ترفض ذلك رفضاً قاطعاً. والبرلمان في البلدان التي تحترم نفسها وتحترم شعوبها يمثل رأي الشعب ومواقفه. فلو كان النظام التركي نظاماً غير مسنود شعبياً لامتثل للضغوط الأمريكية بسرعة البرق، لكنه قال لهم "لا" بالفم الملئان. وهكذا فعلت الفيلبين عندما ضربت بالضغوط الأمريكية عُرض الحائط وسحبت قواتها من العراق. لقد فعلت ذلك تحت الضغط الشعبي واستجابة له، وكانت أكثر خوفاً على نفسها من شعبها منه من الأمريكيين، لأنها مسؤولة أمامه. ولا ننسى أن الحكومة الإسبانية كانت أول من استجابت للضغط الشعبي وسحبت قواتها من العراق. ولم يستطع الأمريكييون معاقبة الحكومات الفيليبينية أو التركية أو الإسبانية بل قبلوا قراراتها مجبرين. لماذا لم يحاولوا ابتزاز تلك الحكومات؟ لأن الأمريكيين يعرفون أن وراءها رأياً عاماً وقوى شعبية عظيمة تستطيع أن تحميها وتقيها شر الضاغطين.

إن من الصعب جداً تخويف وابتزاز حكومات منتخبة شعبياً ولها سند داخلي. ومن السهل جداً ابتزاز الأنظمة العربية لأنها بلا سند شعبي داخلي. كيف لا وهي مفروضة على الشعوب بقوة الحديد والنار، وجاءت رغماً عن أنوف الجماهير. لهذا السبب نرى الإدارة الأمريكية هذه الأيام تأخذ كل ما تريد من الحكومات العربية دون استثناء لأنها تعلم جيداً أنها حكومات ضعيفة لا تمثل إلا نفسها. والحكومات ذاتها تعي أن الود مفقود تماماً بينها وبين الشعوب، لهذا فهي تطأطأ رؤوسها بسهولة أمام الغرباء، وتقدم لهم كشوفات حتى بسكاكين المطابخ وملاعقه، فما بالك بأسلحتها السرية. وبالرغم من أن بعض الحكومات العربية تتفاخر بدعم جماهيرها لها في وسائل الإعلام، إلا أنها في واقع الأمر تعرف أنها تكذب على نفسها، ولو كانت تحظى بعشرة بالمائة من دعم الشعب لما انبطحت كالشاة المذبوحة أمام الطلبات الأمريكية التعجيزية.

متى تتعلم الأنظمة العربية أن ملاذها الأخير هو شعبها لو أحسنت معاملته وتحالفت معه، فهو الذي يستطيع أن يصد عنها الغزاة، ويحمي كرامتها إذا ما تعرضت لسوء. هل انتبه بعض الزعماء العرب المنبوذين من شعوبهم إلى التجربة الفنزويلية؟ لقد حاولت أمريكا بكل جبروتها وأجهزتها الرهيبة النيل من الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، ورتبت له كل أنواع الخوازيق والمقالب والمؤامرات، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في إزاحته، وهو الذي يحكم بلداً يقع في حديقتها الخلفية. ففي المرة الأولى رتبت له انقلاباً كبيراً، فأعاده الشعب إلى الحكم خلال أيام. ثم حاولت أن تقصيه عن سدة الحكم من خلال التلاعب بالانتخابات الفنزويلية، لكن الشعب قال كلمته وانتخب شافير بأغلبية ساحقة وليس بنسبة تسعة وتسعين السخيفة المفبركة في أقبية وزارات الداخلية العربية. ولو كان الرئيس الفنزويلي مثل بعض الزعماء العرب وأراد الأمريكيون التخلص منه لكان قد طار من منصبه في ليلة ليلاء، وأصبح الآن مزروباً في أقبية قصوره.

وما دام الحاكم العربي غير منتخب شعبياً عبر عملية ديموقراطية حقيقية سيبقى "ملطشة للي يسوى وما يسواش". فقيمة أي حاكم من قيمة شعبه، ولا قيمة لأي زعيم إذا كان شعبه مهاناً ذليلاً جائعاً فقيراً يئن تحت نير القمع والفاقه وأنياب كلاب الصيد، كما سماهم الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، وقصد بهم طبعاً أجهزة القمع والمنع. فلماذا تسير الأنظمة العربية ضد منطق التاريخ والإنسانية؟ أليس حرياً بها أن تتقرب من شعوبها وتلتحم بها فعلياً وتكون منها وإليها بدلاً من أن تكون منها لكن في خدمة الغير؟

(189)    هل أعجبتك المقالة (203)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي