كان غريبا بالنسبة لي أن أستنتج من مقالة الأستاذ حسام جزماتي أن الإسلاميين يتأففون من مساهمات العلمانيين الفكرية فما أعرفه أن الإسلاميين يكفروا العلمانيين و يعاملونهم على أنهم حملة طاعون مميت و خلصت أما أن يكتشف الإسلاميون العلمانيين اليوم بل و يبدؤوا بالتأفف منهم فأجد من الصعب التصديق أن هذا بسبب شعبية خطاب اليسار أو العلماني المنافس للإسلاميين , التفسير الوحيد هو أن قضية الديمقراطية سواء فيما يتعلق بالتعددية أو قبول الآخر تضغط اليوم بشدة على الإسلاميين و هذا ما يعطي مداخلات العلمانيين تلك الأهمية التي لفتت انتباه الإسلاميين و هذا ايجابي بشكل من الأشكال..هناك موقف أساسي عمل الإسلاميون على تغذيته في مواجهة اليسار أو الماركسية أو العلمانية ألا و هو وصم كل هؤلاء بالكفر..يعتبر الإسلاميون هذا التكفير موقفا شعبيا "أصيلا" سواء أكانوا هم وراءه أم كان "عفويا" و بالتالي فهو موقف يرتبط بالفطرة التي فطر عليها الله كل هؤلاء البشر ما عدا اليساريين و العلمانيين بالطبع..هكذا اختصرت العلمانية و اليسار إلى مجرد إنكار وجود الإله و اختصر الإنسان إلى فطرة تجعله طوع خطابات تكفر أي آخر مخالف و بالتالي حسم أمر اليسار تماما في نظر الإسلاميين و انتفت الحاجة لأي فهم أو حوار أبعد من هذا الموقف..من الغريب بل و الممتع إذا أن يتهم الأستاذ حسام جزماتي العلمانيين بممارسة التكفير تجاه الإسلاميين..لكن التزاما بالواقع لا بد من التأكيد أن محاكم التفتيش ليست إنتاجا دينيا بحتا و لو أن الأديان و منها الخطابات الإسلامية لا يمكنها أن تتنكر لمسؤوليتها عنها , لقد نصبت أيضا محاكم للفكر عقدها المكارثيون و الستالينيون و نازيون صغار جاءت بهم الدبابات على عروش بلادنا باسم علمنة وعي المجتمع و سيق إليها الكثير من الإسلاميين في ممارسة قمعية تعبر عن حالة سلطوية سياسية تستخدم العلمانية على أنها الضد النوعي للأصولية دون أن تعني عقلنة السياسة أو العلاقات داخل المجتمع في ظل تسلط أقلية عائلية أو نخبوية على كل شيء..كانت عبارة عن حاجة مؤقتة للقضاء على خطر داهم لتكريس الأمر الواقع..على النقيض من ذلك الاستخدام البراغماتي لصالح السلطة تفترض العلمانية عقلنة السياسة و أنسنتها أي إعادة تشكيل العالم و المجتمع بحيث يكون الإنسان بوضعيته الواقعية و في تجربته الوجودية التي تسعى لبناء عالم أفضل أو في سعيه العقلاني لحل ألغاز الوجود مركز هذا الوجود و مصدر و محور شرعية السياسة أو السلطة و مرجعيتها..لكن العلمانية كدوغما أو عقيدة قد تستخدم كما استخدمت الأصولية في وقت سابق لخدمة مصالح هذه الحالة السلطوية..من الضروري لفت النظر هنا أنه خلافا لما يزعم من وحدانية تمثيل المقدس فإن الإسلام الواقعي نفسه لم يقدم أجوبة واحدة لأسئلة السياسة و الاجتماع الإنساني و استوعب على امتداد فترات طويلة مصالح اجتماعية و مقاربات فكرية مختلفة بل و متناقضة..على الطرف الآخر فقد بدأ سقوط ضحايا الفكر بيد "التكفيريين" قبل ظهور العلمانية المعاصرة بقرون طويلة..الوسيلة الأساسية لمعاقبة قدامى الهراطقة كانت السلطة نفسها بوضعيتها شديدة المركزية..في الحقيقة قد لا نحتاج للسؤال عن بعض الهراطقة الخارجين على السائد كجهم بن صفوان أو الجعد بن درهم أو ابن المقفع إذا ما عرفنا أنه قد أمكن لهذه السلطة أن تضرب الكعبة بالمنجنيق و تستبيح مدينة الرسول الكريم و تقتل حفيده و تصلب ابن الزبير و تقتل سعيد بن جبير و تعذب الإمام أبي حنيفة النعمان و سعيد بن المسيب و غيرهم من التابعين و تابعيهم دون أن تعتبرها المؤسسة الدينية خارجة عن الإسلام كما فعلت بحق هؤلاء الهراطقة و بقيت المؤسسة الدينية تعتذر لها و تجرم الطرف المعارض المضطهد و لو كان صريح الإسلام بل و من السابقين فيه..هكذا تحشر شعوبنا في ثنائية طرفيها السلطة المطلقة و المؤسسة الدينية ثنائية يصر طرفها الأول على الأقل إن شئتم على تهميش الإنسان و قمعه و أزعم أن الطرف الثاني يستخدم سلطة التكفير لإبقاء الناس في وضعية مهمشة أمام مقدس تمثله مؤسسة بعينها تقوم أساسا على "تطهير" المقدس من الهرطقة..الاعتراض على هذه الثنائية لا يعني إلغاء المؤسسة الدينية بقدر ما يعني إعادة الاعتبار للإنسان في مواجهة أي قمع سياسي أو فكري واقع عليه من أي طرف و تحت أية مبررات..أنا لا أعتقد أن هدف العلمانية المباشر هو إلغاء المؤسسة الدينية و خطابها ( و إن كان من حق العقل البشري أن ينتقد بل و يرفض أي فكر دون أية قيود مفروضة عليه ) بل المطلوب هو أن تخضع هذه المؤسسة و السلطة معها لمرجعية الإنسان لمرجعية المجتمع..أنا أفترض أن الأستاذ جزماتي يرفض محاكم التفتيش يرفض محاكمة الأفكار و تكفيرها أو محاولة تغييب و إقصاء الإنسان و إنكار حق العقل البشري في مقاربة الواقع أو التعبير بحرية عن أفكاره..على الرغم من أن الأستاذ جزماتي عارض العلمانية السورية بفهم "سوري" خاص للإسلام و حاول عزل هذا الفهم عن الخطاب الإسلامي السائد لكن الإسلام ليس نتاج سوري خالص و مع ملاحظة بسيطة لوضعية طرفين يدعي أولهما أنه يمثل المقدس المطلق و الآخر يعتبر نفسه ممثلا للإنسان المهمش اليوم و المقموع حتى درجة الاستباحة الكاملة و القتل المادي و من قراءة ما يجري حولنا لا بد من القول أن احتمال ظهور أنظمة ظلامية قائمة على إلغاء العقل و ربما الإنسان قائم و احتمال انعقاد محاكم تفتيش "للهراطقة" قائم و احتمال أن يضحي الأصوليون بهراطقة جدد على مذبح المقدس قائم و أن تستمر أنظمة كهذه لبعض الوقت و ربما لوقت أطول من المتوقع قائم ( و لنا المثل في الأنظمة الجاثمة اليوم على صدورنا ) هذا كله ممكن..إنني أجزم أنه بإمكان أية قوة أصولية اليوم أن تقضي في وقت قياسي على الهراطقة في البلاد الإسلامية و معهم فرق الغلاة إن شئتم و تطهر بلاد الإسلام من الكفار إن شئتم..هذا لن يكون صعبا فالمجازر هي جزء أصيل من تاريخ شعوبنا القديم و المعاصر بل من تاريخنا الأشمل كبشرية و سيدفن الضحايا دون حتى دمعة وداع..هذا ممكن بالفعل إذا أمكن توظيف كمية القهر و القمع التي تعرضت لها الجماهير مع كمية تكفير الآخر الموجودة اليوم..قد يظن البعض أن أفكار اليسار أو العلمانية عليها اليوم أن تلجأ إلى المشروع الأمريكي الذي يبدو مطلق القوة خاصة مع اهتمامه الهائل اليوم بمنطقتنا و اعتباره الصراع ضد الأصولية الإسلامية جوهر الصراع الدائر..لكني و بعيدا عن المزايدات أجد نفسي ببساطة أرفض فكرة "الحليف" الأمريكي الذي أباح في الأمس دماء المفكرين الأحرار لشتى أنظمة و قوى القمع السياسي و الفكري و الذي يريد تماما كأنظمة القمع الفردية أن يثبت وحدانيته و تسلطه على شعوبنا أرى أن المخزن الحقيقي للفكر الإنساني الحر هو الإنسان نفسه , نعم الإنسان القاتل للآخر أو ضحية الكراهية و التكفير..أنا أزعم أن قتل مجموعة من البشر غير صعب لكن استئصال العقل البشري كشرط أساسي لحرية الإنسان مستحيل فما لم ينتهي الإنسان ككائن عاقل و يستبدل بروبوتات مثلا و ما لم يمكن اكتشاف الترياق الخاص بالتفكير الحر الذي لا يقر بمحرمات و قيود أية سلطة دنيوية أو دينية ستبقى جرثومة التفكير الحر تهدد في نهاية المطاف بالقضاء على كل أشكال الاستبداد الفكري و السياسي..
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية