لعبت في الثلج بالزبداني وتعلمت السباحة ببردى...
أثق بقدوم غد تنتصر فيه سورية على قاتلي أبنائها، وتسترد كرامتها وتنال حريتها
هي الآن، على ما أرى، في الهزيع الأخير من الليل، ولم يعد يفصلها عن الفجر سوى بضع أغنيات جديدة في جنازات بضعة شهداء جدد
هوليود نفسها لا يمكنها أن تنتج يومياً مئات من مقاطع الفيديو المختلقة أو المفتعلة
("ماجد عبدالهادي".. أهلاً بك.. تفضل جواز سفرك السوري، أنت منا، صوتك خفف من نزف جراحنا، "عبدالهادي".. سنستقبلك بشقائق النعمان، واللوز، سنهديك الغاردينا التي استقرت فوق قبور شهداء الثورة السورية، هل تذكر الشهيد غياث مطر وحمزة الخطيب، بالتأكيد فقد حفروا بداخلك -كما بقلوبنا- نفقاً من القهر والوجع.. سيزول كل هذا مع سقوط النظام ومحاكمة القتلة.. سنزرع سوريا قربك يا فلسطين.. فالدم واحد وإن اختلف الجلاد).
ما تقدم غيض من فيض مقدمات وردت لـ "زمان الوصل" بمجرد إعلان يوم الخميس 15/3/2012 موعداً لنشر حوار "زمان الوصل" مع الإعلامي ماجد عبدالهادي، بمناسبة إكمال الثورة السورية عامها الأول..
زمان الوصل: ما هو موقفك الشخصي من الثورة السورية خاصة، والثورات العربية؟.
ماجد: سؤالك يجعلني أحس كما لو أنك تنظر إلي على أنني مراقب بعيد وغريب عما حدث ويحدث في العالم العربي منذ أكثر من عام، غير أن الحقيقة ليست كذلك تماماً، فأنا قبل أن أكون صحفياً أو مشتغلاً بالشأن السياسي وبعده، واحد من ملايين الفلسطينيين الذين انتظروا دونما جدوى نصرة العرب لقضيتهم الوطنية على مدى ستين عاماً، ولم يكن في وسعي وأنا أرى رياح التغيير تهب على هذه المنطقة، سوى أن أكون معنياً إلى حد كبير بتفاعلاتها المرئية المتعلقة بصراع الثائرين مع أنظمة الحكم من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أو باللا مرئي بعدُ من هذه التفاعلات، أعني تلك المرتبطة بأحلام العرب كأمة وأثر الثورات على مستقبل الصراع مع إسرائيل.
بهذا المعنى يمكنك القول مجازاً أني مصري عندما يتعلق الأمر بمصر، وتونسي عندما يتعلق الأمر بتونس، ويمني عندما يتعلق الأمر باليمن، وسوري عندما يتعلق الأمر بسورية، وفلسطيني في كل الحالات طبعاً، مع ملاحظة أخرى مهمة وهي انشدادي شخصياً لما يحدث في سورية، وهي أني عشت فيها بعضاً من أجمل سنوات طفولتي وشبابي، وأعرف ناسها ومعاناتهم، ولي بينهم أصدقاء كثر، مثلما أعرف تفاصيلها الجغرافية، ومدنها، وقراها، وشوارعها، ومقاهيها، وحتى باعة الشاورما والفلافل في بعض أزقة دمشق العتيقة.
لذلك أيضاً تبدو أحلام السوريين بالنسبة لي أحلاماً شخصية، وأحس بآلامهم كأنها آلامي الخاصة، لا بل إن هذا الذي يحدث لهم من ذبح وتقتيل كثيراً ما يوقظ ذكرياتي غير الدفينة، فلا يمكن مثلاً حين تتعرض الزبداني للحصار والقصف والتدمير والأسى سوى أن أستحضر بلوّعة بالغة أيام كنت ألعب بالثلج هناك، وأتعلم السباحة في نهر بردى، وأشرب من مياه عين الفيجة.
لقد أطلت في إجابتي، ولكن دعني أقول إن كل تلك العوامل والتفاصيل تسهم معاً في تشكيل موقفي الشخصي من الثورة السورية، بل من سورية والسوريين عموماً.
زمان الوصل: بعد انتصار الثورة في تونس ومصر، هل توقعت انتفاض الشعب في سوريا؟
ماجد: نعم ولا. نعم بمعنى أني كنت متيقناً من أن رياح التغيير التي هبت في تونس ابتداء، ومرت في مصر، وليبيا، واليمن، لن تستثني بلداً مهماً ومحورياً في العالم العربي كسورية. وأذكر هنا أن تقاريري الإخبارية التلفزيونية على شاشة الجزيرة عندما كانت الثورة المصرية في بداياتها، لم تخل من بعض تحليل يبشر بثورة عربية كبرى، ويستشعر "قابلية مياه بردى للاشتعال مثلما اشتعلت مياه النيل" كما قلت حرفياً آنذاك. في الوقت نفسه أيضاً وجوابا عن السؤال عما إذا كنت قد توقعت الثورة السورية، أقول لا، ولا هذه تعني هنا التوقيت أو درجة الترتيب في تسلسل الثورات. زمنياً. كنت أتوقع أن يتأخر اندلاع الثورة السورية إلى ما بعد انتصار الثورات في عدد كبير نسبياً من البلدان العربية، وذلك بحكم ما هو معروف عن القبضة الحديدية لنظام الحكم، والضعف الشديد الذي طالما عانت منه المعارضة بفعل ذلك.
زمان الوصل: البعض يعتبر الإعلام السوري الرسمي "محرضاً"، والبعض الآخر يتهم إعلام الثورة بـ "الفبركة"، كيف تنظر إلى الأمر؟
ماجد: الإعلام الرسمي السوري يدافع عن نظام الحكم بكل ما يستطيع من قوة، وهذا طبيعي ومتوقع، لكن مشكلته في ظني هي أنه يحاول اللحاق بركب الإعلام الحقيقي بعد نصف قرن من الترهل والغرق في الدعاية الحكومية البليدة والمتخلفة، فتراه يتوه بين الحالتين، وغالباً ما يتعثر ويسقط سقطات تثير الرثاء، منها مثلاً هذا الذي يردده التلفزيون الرسمي والقنوات الأخرى الموالية عن "فبركة مقاطع الفيديو التي توثق أحداث الثورة"، وهو ادعاء لو سأل مسؤولو هذه المحطات بعض مرؤوسيهم عن مدى دقته، لعرفوا أن هوليود نفسها -وهي مركز الإنتاج السينمائي الأكبر في العالم- لا يمكنها أن تنتج يومياً مئات من مقاطع الفيديو المختلقة أو المفتعلة.
زمان الوصل: ما هو أكثر حدث في الثورة السورية أثر بك على الصعيد الشخصي، وما هي الصورة التي تتذكرها دوماً؟
ماجد: مقتل الطفل حمزة الخطيب تحت التعذيب كان الفاجعة الإنسانية الأولى التي هزت كياني ومشاعري في مسلسل مآسي المواجهة بين الثورة السورية ونظام الحكم. يومها، وحين شاهدت الفيديو الذي يوثق بشاعة التنكيل بجسد حمزة، لم أستطع سوى أن أرى فيه واحداً من أطفالي، وقد زاد من ألمي ذلك الفرق الهائل بين صورة الطفل الجميل البريء على الجدار وصورة جثته المنتفخة والمشوهة على أرض الغرفة، فكتبت في مستهل تقريري قائلاً: "هكذا كان الولد، هكذا صار الولد"... ومنذ تلك الساعة لم تفارق الصورتان ذاكرتي إلا لماماً.
زمان الوصل: هل هناك يوم في الثورة السورية علق بذهنك، ولماذا؟.
ماجد: ليس هناك يوم محدد، وإنما أيام كثيرة ويصعب حصرها، هي التي باتت تفرض نفسها على ذاكرتي وذاكرة كل الإعلاميين والسياسيين، وعلى تاريخ سورية وتاريخ المنطقة كلها. أهم هذه الأيام قطعاً هو اليوم الذي اندلعت فيه الثورة، اليوم الذي خرج فيه فتية كبار من درعا ليكسروا الصمت ويدقوا جدران الخزان.
زمان الوصل: هل هناك مؤامرة "كونية" على سوريا، وهل الرئيس بشار الأسد هو الحل أم المشكلة، وما هو تصورك لوضع حد لنزف الدماء السورية؟.
ماجد:أرجو أن تسمح لي ابتداءً بالتحفظ على كلمة "كونية"، لأني لا أعلم شيئاً عن وجود مخلوقات فضائية أو أجهزة مخابرات ودول استعمارية وإمبريالية في المريخ والقمر لتستهدف نظام الحكم السوري. أما على سطح الكرة الأرضية فأقول: نعم إن هناك مؤامرات، لا مؤامرة واحدة على سورية، كما أن هناك مؤامرات على أي بلد آخر في المنطقة والعالم. أنا لا أشك لحظة في أن السياسة هي تعبير عن مؤامرات دولية، أو ترجمة لها بشكل من الأشكال، وعلى هذا الأساس أعتقد فعلاً بوجود قوى دولية وإقليمية تخطط وتتآمر للاستفادة مما يحدث في سورية، ولكن السؤال الأهم كيف؟. هنا ثمة تقارير وتحليلات تقول إن من مصلحة إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية أن يبقى نظام الحكم السوري، وهي لا تريد إسقاطه، بل إضعافه، كي تحصل منه على شروط تعايش سلمي وخدمات أمنية أفضل من تلك التي وفرها خلال أربعين عاماً. هذا معناه ببساطة شديدة أن المؤامرة الأخطر، المؤامرة الحقيقية الفعلية، هي التي تتعرض لها الثورة السورية، وهذا يفسر أيضاً سبب التخلي العالمي عن السوريين وهم يواجهون القتل الجماعي اليومي على مدى سنة كاملة.
في ما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك، فالسوريون هم من يملكون الحق في تحديد مصير الرئيس بشار الأسد، وهم بما لديهم من إرث إنساني حضاري وخبرة كفاحية تاريخية سيتمكنون من الوصول ببلادهم إلى شاطئ الأمان، رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة التي تواجههم.
زمان الوصل: صوتك يعني الكثير للثوار، وشخصك له مكان بقلوبهم، ما هي المدينة التي تود زيارتها أولاً لو حطت طائرتك في "سوريا الجديدة"؟.
ماجد: حينذاك سأتمنى لو أستطيع الوصول إلى دمشق وحماة وحمص ودرعا وحلب ودوما والزبداني وإدلب ودير الزور في لحظة واحدة. سأتمنى لو ألتقي أهل داعل وعتمان وجرجناز وكفر نبودة وطيبة الإمام وباب هود في الوقت نفسه، لكن ولأن هذه الأمنية ليست ممكنة، فسأختار الذهاب إلى حمص أولاً، وهذا اختيار يعود إلى المكانة العليا التي تبوأتها هذه المدينة في لوحة الفداء والمقاومة على مدى شهور؛ لقد عايشت شخصياً -وإن عن بعد- آلام الناس وأمسياتهم الثورية ومقاومتهم، وما تعرضوا له من ذبح في بابا عمرو وباب سباع ودير بعلبة والإنشاءات، ولم يكن في وسعي سوى أن أزداد دهشة كل يوم من قدرتهم -وقدرة السوريين عموماً- على الغناء للحرية حتى وهم يشيعون جنازات أبنائهم.
زمان الوصل: هل تعرضت للتهديد من جانب الشبيحة، أو جهة مجهولة.. وما هي التفاصيل؟
ماجد: نعم حدث ذلك مرات عدة، واتخذ غالباً شكل رسائل عبر البريد الإلكتروني، أو تعليقات على "فيس بوك" يتوعد كاتبوها بقتلي وقتل أولادي، أو ينصحونني بأن أعود إلى ما يسمونه الصف القومي والوطني، لكن الأوضح من بين كل هذه التهديدات جاء للأسف من جهة "إعلامية" -إن جاز اعتبارها كذلك- حيث بثت إحدى قنوات التلفزة الموالية للسلطة الحاكمة تقريراً تتهمني فيه بسفك دم السوريين، وتتوعدني بفاجعة تصيب أقرب المقربين لي.
زمان الوصل: كلمة أخيرة
ماجد: كل الدم المسفوح، وكل الضحايا، وكل الدمار، يبدو لي استثناءً خارجاً على مألوف الحياة والجمال والحب في سورية. لذلك أحلم مع ملايين السوريين، بل أثق بقدوم غد تنتصر فيه سورية على قاتلي أبنائها، وتسترد كرامتها وتنال حريتها. هي الآن، على ما أرى، في الهزيع الأخير من الليل، ولم يعد يفصلها عن الفجر سوى بضع أغنيات جديدة في جنازات بضعة شهداء جدد.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية