نص اللقاء ·
الدكتور عطية ما هي العين التي تحب أن يُنظر بها إلى العلمانية, و كيف ترى شروط تحققها في مجتمعنا اليوم؟ العلمانية بشكل عام مسألة معيارية, و المعيارية في العلمانية تعني أنها المثال, و التطبيق يتحدد صوابه من عدمه بمدى القرب أو البعد عن هذا المثال, و العلمانية في الحقيقة نمط حياة يعتبر أن الإنسان قادر على أن يحل مشاكله بنفسه على كل الصعد, و ليس بحاجة إلى أي قوة غيبية كانت أم غير غيبية كي توجهه في حياته على هذه الأرض, و فصل الدين عن الدولة مبدأ من مبادئ العلمانية, و ليس كل العلمانية, و لكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا الاستفادة من الدين و من تجارب التاريخ الأخرى في هذا المجال. من جهة أخرى عندما نجبر مجتمعا ما على اتباع العلمانية, تصبح عندها هذه العلمانية في جملة الأديان و المذاهب و الاثنيات و التقسيمات الأخرى الموجودة بكثافة في مجتمعاتنا, و بدل من أن تخفف من العبء الملقى على عاتق المجتمع تصبح هي بدورها عبئا إضافيا عليه. و عندما يسعى العلمانيون إلى إلغاء الآخرين من أجل أن يسيطروا هم؛ تقع العلمانية في مطب الشمولية, مثلها في ذلك مثل أي أيديولوجيا في العالم, كالأيديولوجيا الشيوعية أو الفاشية أو اليمينية الدينية بشكل عام, لذا علينا أن نعي دائما أن العلمانية بطبيعتها منفتحة, و تسمح لكل الناس بأن يمارسوا حياتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة ضمن إطار القانون. و انطلاقا من أن لكل مجتمع من المجتمعات خصوصيته و ظروفه الخاصة التي تنبع من وضعه السياسي و الاجتماعي و الثقافي, فإن هذه الظروف تحتم على الفاعلين المجتمع أن يفتشوا عن الأولويات التي عليهم أن يشتغلوا عليها للوصول إلى ما يمكن أن يحقق طموحاتهم على مختلف المستويات, لهذا السبب عندما تتوتر العلاقات المجتمعية السياسية, و يكون هناك نوع من الانقسام على المستوى الاثني أو المذهبي, تصبح الأولوية لطرح مسالة العلمانية أولوية متأخرة و تتقدم عليها اعتبارات أخرى. و برأيي أن العلمانية لا يمكن لها أن تحظى بالاهتمام اللازم إن كان على مستوى المجتمع أو على مستوى مؤسساته إلا عندما يكون هذا المجتمع مستقرا و يتمتع بنوع من الهدوء, نظرا لحاجة هذه القضية إلى معالجة هادئة كونها مسألة (مصنوعة), و نظرة بشرية إلى الإنسان و الله و المجتمع, و الآخر باعتباره مساويا لنا على كل المستويات, مثلها في ذلك مثل الديموقراطية, و هما أي العلمانية و الديموقراطية صنوان و من أساسيات الدولة و المجتمع الحديثين. و إذا كانت دولة ما ترفض العلمانية, فهي إنما تفعل ذلك بغرض المحافظة على الشكل(!) الذي يحفظ وجودها, و على مؤسسات المجتمع في المقابل أن تضغط على هذه الدولة أو ذاك النظام لتطبيق المبادئ العلمانية و الديموقراطية. أنا شخصيا لا أفهم كيف يمكن أن يصنف أحد الناس باعتبار مذاهبهم و طوائفهم, و ينسى أنهم ينتمون بداية إلى الإنسانية و يتمتعون بالمواطنة نفسها التي يتمتع بها. لهذا لا يمكن مناقشة الموضوع العلماني و لا يمكن لأي كلام فيه أن يكون فاعلا ما لم يكن المجتمع مهيئا لهذا عمليا على مختلف المستويات, و علينا ألا نغفل هنا أيضا أهمية العامل الاقتصادي, فأي ثمرة ترجى من الحديث في هذا الموضوع إلى شخص مشغول بالحصول على رغيف الخبز, ففي هذه الحالة بالذات تكون العلمانية مجرد ترف فكري. و في كل الأحوال يقع على عاتق الأحزاب و التنظيمات و المؤسسات الأخرى بشكل عام مسؤولية فهم مجتمعها بشكل صحيح و بالتالي وضع مسألة العلمانية ضمن أولويات تحركها السياسي و الاجتماعي. · تقول في طرحك (أننا لسنا بحاجة إلى قوى غيبية), ألا ترى في هذا شيئا من الاستفزاز للمتدينين؟ تنظر العلمانية نظرة إنسانية راقية إلى الله باعتباره شأنا حضاريا, و شأنا يستحق أن يتوجه إليه الإنسان في خلوته و روحانيته, وهي نظرة تجل الله عن الدخول في المسائل السياسية التي نعتبر أنها مسائل ملوثة بالدوغما و البراغماتية و المصالح الشخصية و الفردية. و كلنا يعلم اليوم ممارسات ما بعد الرأسمالية, و تلك الإمبراطورية التي تقودها الولايات المتحدة مجردة عن الروح الإنسانية, والروحانية بشكل عام, متوسلة الحروب من أجل أن تحافظ على استمراريتها الذاتية, لهذا السبب و غيره فإن تخلي الغرب عن روحانيته فيه تخل عن إنسانيته. و نحن كعلمانيين في العالم العربي و العالم الإسلامي نعتز بإيماننا الروحي أيا كان ذلك الدين الذي ننتمي إليه, و عندما نطالب بأن تنفصل السياسة عن الدين؛ فهذا ليس حطا من شأن الدين, بل على العكس, هو يدخل في باب تشريف الدين عن المسائل السياسية, إذ طالما استفادت السياسة من الدين, بيد أن الدين لم يستفد يوما من السياسة, و لنا في التاريخ شواهد على هذا منذ اجتماع (السقيفة) و حتى وقتنا الراهن. غير أني لاحظت في هذا المؤتمر مسألة غاية في الأهمية, و هي أن العلمانيين لا يرون أنفسهم إلا في مقابل الدينيين, و أن الدينيين لا يرون أنفسهم إلا في مقابل العلمانيين! لا يلتفت العلمانيون إلى ذواتهم و هواجسهم بشكل كاف من أجل أن يطوروها و يعملوا عليها, و بدلا عن ذلك تراهم ينطلقون في النظر إلى أنفسهم من موقع من ينظر إليهم من الدينيين, و الدينيون بدورهم يقومون بالشيء ذاته, دون أن يحاولوا فهم مشاكلهم الخاصة و تحليلها, و ينظرون إلى واقعهم بمنظار الآخرين الذي يمثل العلمانية سواء من داخل المجتمع الإسلامي و العربي أو من الخارج الأوروبي و الغربي بشكل عام, و لهذا السبب بالذات أنا لا أقول أننا لسنا بحاجة إلى الدين, الدين مسألة سامية, و بلادنا هي مهبط الديانات السماوية في العالم, و هذه المسألة هي مصدر غنى لنا. لا بأس أبدا على الإنسان العلماني أن يستمد أفكاره من الدين, لكن بشرط استعمالها كإنتاج إنساني, فيسهل عليه في المستقبل أن يطورها و يغير فيها بما يتوافق و تطورات العصر, أما التعامل معها على أنها إنتاج إلهي فذلك سيجعلها عصية على التطور, باعتبارها لامتغيرا و ثابتا دينيا. و أنا عندما أمارس سلطتي كدولة أو كمجتمع؛ فإنني أقوم بذلك من منطلق أنها سلطة إنسانية خاضعة للنقاش, والتعديل, والمعارضة, والتداول, و هي شروط أساسية في أي سلطة سليمة. و هنا يحلو لي أن أضرب مثلا بدولة أوروبية هي فرنسا, و التي تعتبر من بين (أقسى) الدول علمانية إن صح التعبير, هذا إن لم تكن أقساها على الإطلاق, ومع هذا فأن ألحظ في فرنسا ذاتها أن كثيرا من قوانينها مستمدة من الدين, إنما تخضع في النهاية لغايات الإنسان, و تخضع لتطوير الإنسان, و يتم التعامل معها باعتبارها مصادر أخلاقية, و مصادر تشريع قيمية, لا أحكاما إلهية, نظرا إلى أن كل ما يتعامل معه الإنسان يصبح في المحصلة إنتاجا إنسانيا, و بالتالي قابلا للنقاش, و الأخذ منه و الرد عليه. · ما الذي يجعل من العلمانية ضرورة مجتمعية راهنة, وفق ما يطرحه العلمانيون؟ لكل مجتمع سلطة تحكمه, وهي بطريقة ما قيـّمة على شؤونه, غير أن السلطة القائمة على مبدأ أيديولوجي عام عادة ما يفكر أصحابها أول ما يفكرون بالكيفية التي تضمن لهم استمرار سلطتهم. وهنا يأتي دور القانون أو الدستور, ليحفظ مسألة تداول السلطة, وهنا يأتي كذلك دور الديموقراطية التي لا تسمح للسلطة أن تتأبد بيد أناس بعينهم, و انطلاقا من هذين العنصرين يحكم من هم في السلطة لفترة زمنية محددة, و بعد عدد من السنوات -يطول أو يقصر- ينتقل نظام الحكم و مؤسساته إلى أيد جديدة, وعليه فإن على المجتمع أن يدافع عن حقه في النظر إلى المستقبل بعين تغييرية دائما. ذلك أن السلطة عندما تنطلق من فكرة أن وجودها على رأس الحكم هو قدر أبدي؛ فإن كل ما ستفعله سيكون مسخرا لتأمين هذه الاستمرارية, و على حساب اعتبارات أخرى مهمة. فلزام على كل مجتمع إذا أن ينظر في المشاكل التي يعاني منها, وعندما تكون هذه المشاكل متأتية عن تعدد الطوائف والمذاهب و تنوع الفئات و الاثنيات فيه, فعلى المجتمع إذا السعي بطبيعة الحال للتفتيش عن نظام يتجاوز هذه المشاكل انطلاقا من وعيه بما يمكن أن تقود إليه من نتائج و عواقب. و أنا لا أخفي اعتقادي بأن الحل لمشاكل أي مجتمع يمتلك تعدديات من هذا النوع؛ هو بأن يحتوي دستور هذا المجتمع و قانونه على مبادئ و آليات تتجاوز كل هذه الانتماءات الفرعية, بحيث تقوم السلطة بتنظيم مشاركة الجميع فيها على اختلاف هذه الانتماءات, شرط ألا يكون التشارك مبنيا على نوع توزيع الحصص و الغنائم على هذه الفئات, أو أن ينظر إليها باعتبارها و حدات اجتماعية, أو وحدة اهتمام بتعبير علم الاجتماع , بمعنى ألا يتم بأي شكل تكريس مبدأ تذويب الفرد في المجموعة التي ينتمي إليها. و للأسف فإنّ جلّ ما قد نعرفه عن معظم المجموعات الموجودة بين ظهراني مجتمعاتنا؛ لا يعدو تعريف المجموعة الطائفية, و ليس كما ينبغي من مجموعات النقابات أو الأحزاب أو الجمعيات الأهلية أو أي نوع من المؤسسات التي يستطيع المواطن أن ينتمي إليها بالاختيار لا الوراثة. وبهذا الاعتبار-أعني عندما يكون المجتمع منقسما إلى فئاته الاثنية و الطائفية وتكون حصص السلطة فيه موزعة على هذا الأساس- تمسي محاصصات النفوذ متغيرة تبعا لتغير مواقع الطوائف نفسها, و هو السائد في هكذا نوع من الأنظمة, وهو عمليا ما يحصل عندنا في لبنان. فعندما تقوى طائفة لسبب ما على بقية الطوائف, لا تعود راضية بما هو موجود بين يديها من سلطة, فتسعى مباشرة لزيادة مكتسباتها, و بالتالي فان على أحد ما -طائفة أخرى من بقية الطوائف حتما- أن يتخلى عن جزء من حصته, و هذا ما لا يمكن أن يتم بسهولة, عندها نشهد بروز التوترات و التراشق بالغبن والظلم و سوء توزيع الوظائف, إلى آخر ما هنالك مما نرى و نسمع بين حين و آخر, و أمثال هذه الاحتجاجات تبدأ هكذا, و لا تنتهي إلا بالكوارث, وهذا كما نعلم ثابت في تاريخ لبنان منذ ما يربو على الـ(200) سنة, عاش فيها لبنان حالات حروب داخلية و أهلية أكثر مما عاش حالات استقرار, و هذا سبب كاف برأيي ليحرص الجميع على ألا يتعمم هذا النموذج على بقية البلدان العربية, إذ علينا ان نستفيد من التجربة اللبنانية من أجل نقل السلطة ككل, و ليس مجرد توزيعها بـ(العدل) على الطوائف, و هذه مسألة يتعين التعامل بها بحذر بالغ, وما يقلقني أكثر هو أنني سمعتها من بعض المتداخلين بين الحضور في هذا المؤتمر, بمعنى أنه عندما نرضي طائفة معينة بحصص أكثر في النظام عندها يمكننا أن نوفر استقرارا اكبر, ونحصل على تعاون اكبر مع هذه السلطة. و هذا كما لا يخفى كلام على جانب كبير من الخطورة لأننا عندها سنكون قد وقعنا في المطب الذي وقع فيه النظام اللبناني من قبل منذ سنة 1920, وأنا أقترح في هذا المجال و بكل تواضع؛ أن يكون التعدد السياسي في سوريا هو البديل عن أي تعدد آخر, وهو وفق ما أراه تعدد لا يستقيم تحت مظلة النظام أو تحت مظلة الحزب الحاكم في سوريا, يجب أن يكون هناك استقلالية في العمل السياسي, و تنشيط الحركة السياسية في سوريا هو وحده الكفيل بأن يعدّل من موازين القوى و يجعل النظام في سوريا أكثر ديموقراطية و عدالة, فالتعدد الحزبي و السياسي في هذا البلد هو خشبة النجاة في المستقبل. و أنا شخصيا سعدت في هذا المؤتمر على امتداد يومين و أنا أسمع المثقفين السوريين و هم يتحدثون و يتناقشون, و أعجبت بكون طروحاتهم مبنية على أساس الانتماء إلى الإنسان و الوطن, و الانتماء إلى الفكر الموضوعي لا الطائفي, و سررت جدا بالنـَفس العلماني الموجود في دمشق خاصة و سوريا عامة, بعد أن استمعت لآراء أشخاص أتوا من محافظات عديدة, و بمعرفتي بوجود أحزاب سورية تضع العلمانية في مقدمة أدبياتها, و ينتمي إلى عضويتها و يترأسها شخصيات من الطوائف الاسلامية. هذا يعني أن العلمانية نجحت في الوصول إلى المسلمين, لأن العادة درجت على اعتبار الإسلام كما هو سائد في الأدبيات الاسلامية (دين و دنيا), و هناك من يصر أكثر على اعتباره (دينا و دولة), و وجود مسلمين كثيرين يؤمنون بالعلمانية كأحد عوامل الخلاص للمجتمع السوري يعد بادرة خير يستشف منها مستقبل مشرق للبلد. · ما هي في رأيك آفاق (الاجتهادات) العلمانية في هذا الجزء من العالم اليوم إن جاز لنا التعبير, على التناظر مع الإصلاحي الديني المستجد و الذي هو عمليا تحت المجهر في الغالب الأعم؟ فيما يخصني شخصيا, أنا تكلمت في ورقتي التي ألقيتها في المؤتمر عن الاختلاف في المسألة العلمانية, وقمت في الوقت ذاته بالتطرق إلى الاختلاف في المسألة الاسلامية, و شهدنا جميعا تلك الجلسة الدسمة التي حضرها جمهور واسع, وقدمها الدكتور عزيز العظمة, و ما أعقبها من نقاشات دارت حول هذه الورقة, و وجدنا أن ما قاله العظمة يتناول الناحية المظلمة من التاريخ الإسلامي, في حين عرض الدكتور محمد حبش الجانب المضيء من هذا التاريخ, و المحاضرتان في النهاية تكملان بعضهما بعضا. غير أنى لا أملك أن أدفع عن نفسي التساؤل عن السبب الذي يجعلنا دائما ننتظر وجود مرجعيات إسلامية منفتحة و متنورة بيننا من أجل أن نعيش في وئام داخل هذا المجتمع على مستوى العلاقات بين الطوائف أو بين مذاهب الطائفة الواحدة, و عما إذا كانت تتوافر لنا ضمانة من أي نوع كي يبقى هذا المستنير مستنيرا, و ألا يتحول بعد وفاته مثلا إلى مرجعية أخرى أشد قسوة و ظلامية على يد بعض من مريديه. هذه إشكالية في المشترك بين الدين و السياسة, و هي زاوية خطيرة جدا, لأننا و بالطريقة نفسها التي نجد في السرد التاريخي أن أبا حنيفة كان من المنفتحين؛ نجد في الوقت ذاته أن ابن تيمية كان من المتشددين, و نحن نتكلم هنا عن الإسلام نفسه, لا بل عن المذهب السني ذاته, إذا يوجد دائما من هو متنور و من هو ظلامي, ضمن الفئة الواحدة حتى, و بالتالي فالإسلام مسألة معيارية, فيما التعاطي معه مسألة إنسانية, انفتاحا و انغلاقا, و لكل انعكاسه على المجتمع إن خيرا فخير و إن شرا فشر. و الأمر ذاته ينسحب على مستوى الإسلام الشيعي, إذ ليس هناك إسلام شيعي واحد, فمن الشيعة من يؤمن بأن ولاية الفقيه توصل المجتمع إلى بر الأمان, و في حين يعتبر بعض آخر أن الإسلام الشيعي في الحقيقة مبني على فكرة ولاية الأمة على نفسها, كون المرجعية الشيعية (غائبة أو مغيبة), و أن على المسلمين أن يتدبروا معاشهم بالطريقة التي يرونها أنسب لذلك بانتظار عودة الغائب, و هاتان من جديد نظرتان مختلفتان في المذهب الواحد, و قس على هذا ما لدى الدروز من فقه و أسلوب تعاط مع المسائل الدنيوية. إذا هناك إسلام متعدد , و من الطرف الآخر هناك علمانية متعددة, و ما نراه نحن على مستوى العلمانية المطبقة في العالم خير برهان على ذلك. فالعلمانية الفرنسية التي سبق لي و أشرت إليها جاءت نتيجة مخاض طويل في علاقتها مع المجتمع الفرنسي, حيث ينظر الفرد هناك إلى أن كل شيء يجب أن يكون في خدمته, و ما استتبع هذه النظرة من انتقال الدولة من دولة الشرطي و القاضي؛ إلى دولة الرفاهية. و العلمانية المطبقة في تلك البلاد لها موقف من الدين, فالراهبة مثلا لا يحق لها التعلم في جامعة فرنسية رسمية ما دامت ترتدي زي النسك و الرهبنة. على أن هذه العلمانية تتعرض اليوم لنوع من المناقشة, و هناك احتجاجات في فرنسا ضد العلمانية الفرنسية بالصورة التي هي عليها الآن, و هو أمر يمكن ان يدفع بالسلطة الفرنسية إلى أن تعيد النظر في علمانيتها على نحو يجعلها أكثر (هدوء) من تلك التي لا تزال تطبقها حتى هذه اللحظة. أما على مستوى تركيا , فيوجد لدينا هناك دولة مسلمة في حين أن نظامها السياسي ليس إسلاميا, بل على العكس, يملك الأتراك بدروهم نظاما علمانيا متشددا ضد الدين. كذلك الأمر في الاتحاد السوفييتي السابق الذي طبق عمليا دينا جديدا هو (الشيوعية الملحدة), و التي أقفلت الكنائس و الجوامع و دفعت الناس إلى الصلاة سرا, و يمكن القول أن علمانية السوفييت تلك أضرت بالعلمانية بالمعيار الذي نقصده أكثر مما أضر بها أي دين من الأديان. و إذا عدنا إلى العالم العربي نجد أن تونس مثلا دولة مسلمة كذلك , بيد أن نظامها علماني , إنما هي علمانية مطبقة سلطويا, و لما تدخل بعد إلى ثنايا المجتمع و نسيجه, لهذا السبب بالذات يعيش جزء كبير من المجتمع التونسي في واد, في حين تعيش سلطته العلمانية في واد آخر. و نلحظ أن رد فعل المجتمع التونسي و خصوصا في طبقاته الفقيرة و الشعبية؛ كان اتباع طريق الاحتيال على النظام السياسي, فالتونسي يتزوج مرتين, غير أنه لا يسجل سوى واحدة من الزوجتين من دون أن يسجل الثانية, كون النظام العلماني يمنع على المسلم أن يتزوج أكثر من مرة واحدة, و قد ترتب على ذلك -كما يمكن لأي منا أن يحزر- مشاكل اجتماعية كبيرة , حيث أصبح للتونسي أولاد شرعيون و أولاد غير شرعيين, و نتج عن هذا الأمر عواقب جدية تحص مسألة تعليم هؤلاء الأطفال و تسجيلهم في المدارس و القيد المدني (النفوس), و قضية توريثهم, و ما إلى هنالك من مشاكل لا تنتهي. في مصر -كبلد عربي آخر- لا يعتبر النظام فيها نظاما إسلاميا, و على الرغم من أن هذا النظام يأخذ من القانون الوضعي الكثير؛ غير أن الشريعة الاسلامية مصدر مهم لتشريعاته, و مع هذا كله لم تعدم مصر أناسا مصريين يوجدون بين ظهراني المجتمع, و يرفضون الجمهورية المصرية اليوم, و يعيشون منعزلين حالة (التكفير و الهجرة), لا يتزوجون إلا من بعضهم, و ينجبون دون أن يسجلوا أبناءهم في دوائر الدولة الرسمية, و ينظرون إلى باقي فئات مجتمعهم نظرة تأثيمية مكفّرة. إذا في واقع الأمر نحن محكومون بأن علينا أن نقتنع في دواخلنا أولا بما نريد, و يجب أن نكون على يقين بأن هذا الاقتناع لا يأتي بالسليقة و لا بالوراثة. الاقتناع يجب أن يكون مبنيا على دراسة, و على أساس معاينة المعاصر اليومي في هذا العالم من حولنا, و عندما يترسخ الشعور لديك بأن جارك قد يكون أقرب إليك من أخيك البيولوجي البعيد على مستوى الحياة اليومية؛ عندها فقط تشعر بأهمية مصلحتك في الحياة بسلام و احترام مع ذلك الجار, بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الطائفي أو الاثني, مدعما تلك القناعة بالتجربة, و مستفيدا من مساعدة الدولة في ترسيخ هذا المفهوم على مستوى التنشئة الاجتماعية و الوطنية و مناهج التربية, بل وحتى في إطار العائلة مع كل هذه الأدبيات الدينية التي تتحدث عن أهمية الجار و منزلته. و مبدأ المصلحة الإنسانية هذا مسألة علمانية بامتياز, لهذا السبب يحاول الدينيون و الطائفيون دائما أن يخلقوا لأنفسهم مجتمعات مشتركة داخل فئاتهم, ويسعون لأن تكون المصالح التي تجمع بين المنتمين إلى طائفة واحدة و مذهب واحد دورة حيايتة مستمرة, بغرض أن يبقوا على هؤلاء الناس ضمن إطار السيطرة, و الرهان ضد هؤلاء مبني على كون المجتمع المدني المعاصر مجتمعا مفتوحا دائما على احتمالات أوسع فأوسع, مما يجعل من هؤلاء الناس الذين يراد عزلهم طائفيا على احتكاك ببعضهم الآخر من خارج مذاهبهم, متعايشين بشكل يومي, مدفوعين إلى تبادل الخبرات و المصالح بشكل يرسخ مسألة العلمانية تطبيقيا, إذ أن قضية الممارسة اليومية تهيئ الإنسان لأن يفهم العلمانية لاحقا على المستوى النظري و الفكري و دائما بما يناسبه هو. فالعلمانية في العموم فكر نخبوي, غير أنه لا ينبغي لها أن تبقى في إطار النخبة, و على النخبويين أن ينزلوا من أبراجهم و يشتركوا مع الناس في الهم اليومي من خلال جمعيات أو مؤسسات شعبية تهتم بالشأن العام في المدن و القرى و المناطق المختلفة. العلمانية تفرض على كل أن يتحمل نتيجة أفعاله و تصرفاته, لأن مؤسسة الدولة ستحاسبه في النهاية وفق القانون, و هنا و على هذه الأرض, إذ من غير المقبول أن ينتظر المرء لاسترجاع حقه مآلا أخرويا بعيدا, و ذلك الأمر بالذات شأن آخر منوط بالإنسان و ما يعبد, و هو شأن فردي محض, أما هنا فالدولة هي صاحبة القول الفصل, و الدليل على ذلك أنه في كل الأديان لا يمكن لأي إنسان أن يتوسط أو يشفع لشخص آخر للتخفيف مما جنت يداه, إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى) في الإسلام, و في المسيحية يحاسب المسيحي باعتباره فردا واحدا لا من ضمن جماعة أو عائلة, فالعلاقة الدينية في هذا المعنى هي علاقة فردية, و أما الشأن الدنيوي فعلاقة (اجتماعية) لكل حق و على كل واجب. و أنا في واقع الحال فوجئت بمدى الإقبال على الندوات في المؤتمر, وأعطاني هذا مزيدا من الأمل بشأن مستقبل العلمانية في بلاد الشام و لبنان, و إن كانت في لبنان تعيش حالة من الانحسار نتيجة الاصطفاف الطائفي و المذهبي و التوتر السياسي الموجود, لكني وجدت أن العلمانية في سوريا بخير, و أرجو لها ظروفا مؤاتية اكثر, سواء على مستوى النظام السياسي أو الأحزاب الموجودة. فالتوجه الحثيث و الواعي للعلمانية في سوريا يمكن أن يوصلها إلى أماكن أكثر تطورا, و قد لفتني العنصر النسائي أثناء المشاركات و بخاصة المحجبات منهن, كذلك الإسلاميون الذين كانوا حاضرين, و قد فاجئني موقفهم عندما طرح أحدهم -وهو صاحب موقع في السلطة السياسية في سوريا- أنه مع فصل الدين عن الدولة, فهذه مسألة هامة جدا ومتقدمة بالنسبة لي, و هذا دليل أنه ثمة قواسم يمكن أن تجمع بين الإسلاميين المتنورين في سوريا و بين العلمانيين, وهي نقطة مشتركة يمكن أن توصل إلى نقاط مشتركة أخرى. لقد طرحت ضمن مداخلتي أنه قد يكون هناك حاليا نوع من التحالف بين السلطة الدينية و السياسية, و إن كان ذلك مؤقتا, و ضمن إطار الحدود التي تحفظ لكل منهما مجاله, بحيث يحصل نوع من تبادل الخدمات و المنافع, و هو أمر يمكن أن يستمر طالما ظل واضحا و محددا, إلى أن يصل الوقت المناسب الذي يصار فيه إلى الفصل بينهما, فتحتفظ السلطة الدينية بقيادتها على المستوى الأخلاقي و القيمي, و تواصل الدولة قيادتها للمناحي السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في البلد. أنا أعتقد أن سوريا مهيأة لأن تلعب هذا الدور في المستقبل القريب, و أن يكون هناك نوع من الوضوح في الحدود بين السلطتين الدينية و السياسية, تمهد لاستقلال السياسي عن الديني. و هذه الأجواء المنفتحة تشجع على استمرار الحوار في هذا الإطار, وصولا في المستقبل إلى أن يعيش السوريون بكل انتماءاتهم معا علمانية منظورة و مأمولة.
التقاه خالد الاختيار [email protected]
* عاطف عطية: أستاذ جامعي وباحث لبناني, يحمل دكتوراه دولة في علم الاجتماع عضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع مدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الفرع الثالث له مؤلفات عديدة في سوسيولوجيا المعرفة والسياسة والدين، منها: (المجتمع، الدين والتقاليد), (الصحافة بين الدين والسياسة), (الدولة المؤجلة، دراسة في معوقات نشوء الدولة والمجتمع المدني في لبنان), (في الاجتماع اللبناني، جدلية الوحدة والتعدد) و غيرها.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية