تمثل ظاهرة تسلط المذيعات علي العمل البرامجي والاداري في كواليس التلفزيون السوري، والتي اضمحلت في السنوات الأخيرة نسبياً، جزءا من صورة عامة يختلط فيها العمل الاعلامي بقيم الوساطة
والمحسوبيات، والاستقواء الأمني الذي غالبا ما يضرب عرض الحائط كل قواعد المهنة! والذي يجعل من مقولة (كل زمان دولة ورجال) مقولة عفي عليها الزمن بعد أن أضحت المقولة السائدة لسنوات طوال في التلفزيون السوري (لكل زمان دولة ومذيعة).
منذ حوالي سبع سنوات، وفي عهد وزير الاعلام الأسبق عدنان عمران الذي اشتهر بمتابعته الدقيقة لشؤون المذيعات علي كبر، كلفتني ادارة التلفزيون باعداد برنامج (مجلة التلفزيون). اتفقت علي كل شيء مع الادارة حينها، فخيرتني في نسف كل الشكل القديم للمجلة أو الابقاء عليه، وفي اختيار الموضوعات التي أراها مناسبة، بل وفي اختيار المخرج الذي أحب أن أتعاون معه، والتدخل في الطاقم الفني الذي سيعمل تحت أمرته أيضا، لكن شيئا واحدا... لم تستطع أن تترك لي خيارا فيه، ولا أن تبت هي به: اختيار المذيعة التي ستقدم البرنامج الذي كانت تطمح للظهور به معظم مذيعات التلفزيون السوري، لأنه كان يبث في سهرة الخميس التي كان يتسمر فيها الناس أمام شاشة التلفزيون السوري، قبل أن تنهار أسعار أطباق الاستقبال الفضائي، ويصبح في مقدور أي متسول أن يشتري طبقا ويستغني كلية عن مهانة وعذاب مشاهدة التلفزيون السوري.
المهم وبعد أسبوعين من العمل لاطلاق البرنامج ونفض عنه الغبار، استقر رأي الادارة، أن يتم تسجيل نسختين من الحلقة، واحدة بمذيعة يفضلها الوزير، وأخري بأربع مذيعات احداهن يفضلها مدير التلفزيون، وأخري المدير العام، والرابعة مذيعة جيدة لا يفضلها أحد.
طبعا لم نتمكن من تنفيذ الاقتراح لضغط الحاجة الي الاستوديوهات، لأن هناك ظاهرة في التلفزيون السوري العريق، وهي أن المكاتب تمددت علي حساب الاستوديوهات بدل أن يحدث العكس... وبالتالي صورت الحلقة بنسخة واحدة من أربع مذيعات، وظهرت غاية في الارتباك، قبل أن أحاول أن أصل الي حل وسط مع الادارة، وهو تقسيم المذيعات الأربع علي فريقين يتناوبان بالظهور أسبوعا بأسبوع لتحقيق رشاقة وانسجام أكبر في التقديم.
بعد أشهر عديدة، استدعاني مدير التلفزيون، وأخبرني أن هناك مذيعة خامسة من الفئة التي لا يستطيعون أن يرفضوا لها طلباً، تريد المشاركة في برنامج (مجلة التلفزيون)!! أعلنت تمردي التقليدي علي القرار، وخصوصا أن المذيعة اياها، قالت أمام حشد من زميلاتها (أنها تريد المجلة وستأخذها).... لكن مدير التلفزيون، الذي كان يشفق لحماقتي المهنية، قال لي بنبرة ودودة وحازمة: (لي في التلفزيون ربع قرن، وأعرف أن كل فترة هناك مذيعة تتحكم بالشاشة وتفرض رأيها علي الادارة... يعني كل مذيعة الها يومين... كلمتها فيهن بتمشي علي الكل، فلماذا تخسر كل الجهد الذي بذلته في البرنامج، من أجل أن تقاوم شيئا لا قدرة لك ولا لي علي مقاومته؟).
تحليتُ بقدر من الواقعية في التعامل مع متطلبات مهنتي، وقبلت بالمذيعة الخامسة التي كانت تعاني من عيب لفظي بسيط: وهو أنها تشهق مع بداية كل جملة، وكان الحل بالنسبة لي تقصير مدة ظهور المذيعات، وزيادة عدد التقارير الميدانية التي تعتمد التعليق الصوتي... وفي المونتاج كان علي المونتير أن يصرف علي كل حلقة، أكثر من ساعة مونتاج اضافية، لمحو هذه الشهقات في عملية مضنية حقا!
وقد حدث لزميل لي، انه كان يعد حفلة مباشرة علي الهواء منقولة من احد الفنادق الكبري، وتأخرت المذيعة فوصلت بعد ربع ساعة من بداية البرنامج علي الهواء عوضا عن أن تكون هناك قبل البث بساعة، فقرر منعها من المشاركة في التقديم، وهو أبسط اجراء يمكن أن يتخذ لحماية احترام العمل في هذه الحال، لكن المذيعة التي كانت تربطها علاقة ما بالوزير، أخبرته أنها ستدخل وتقدم ، غصبا عنه وعن رأس من خلفّوه، وبمكالمة واحدة من موبايلها كان لها ما أرادت!
أما أحد مخرجي الدراما اللامعين في سورية، فقد قرر الامتناع عن المشاركة في امتحان قبول المذيعات الجدد، الذي يجريه التلفزيون السوري كلما اقتضت الحاجة، والسبب ليس التدخل في عمل اللجنة.... فاللجنة يحق لها أن تفحص وتسأل، وتضع التقييم الذي تراه بكل حرية، لكن المشكلة أن المذيعات اللواتي ينجحن بعد كل هذا التعب، هن من خارج قوائم الناجحين التي تصدرها اللجنة، أو من ذيل تلك القائمة في أحسن الأحوال!
نعم... لقد سار التلفزيون السوري لسنوات طويلة علي وقع صراعات المذيعات وارتباطاتهن الادارية والأمنية النافذة، وقد مرت علي التلفزيون في السنوات العشرين الأخيرة، أكثر من مذيعة كانت ترتبط بصلات وطيدة بضباط جيش أو مخابرات، تبدأ من الزواج الشرعي ولا تنتهي عند الزواج السري... وكان مخالفة هذه المذيعة أو تلك، أو رفض اعطائها الحيز الذي تريد لاظهار مفاتنها وقوتها النافذة، مدعاة لوجع الرأس... الذي عادة ما كانت تسارع ادارات التلفزيون لازالة مسبباته... قبل أن يصل هذا الوجع الي رؤوسهم نفسها!
وقد مر علي تاريخ التلفزيون، مذيعات تسببن باقالة مدراء أو نقلهم، أو توبيخهم من الوزير ومن فوقه... ناهيك عن اجبارهم علي لحس قراراتهم، واعطائهن الفرصة المطلوبة، والتي لم تعد تقتصر علي التقديم فقط، وانما تعدتها في السنوات الأخيرة الي امتهان الاعداد أيضا، من دون أن يقوي أحد علي المحاسبة، أو التدقيق في الصياغة والمضمون والسوية!.
ولم تسلم بعض الادارات التلفزيونية نفسها، من علاقات الغرام والانتقام التي كانت ترفع هذه المذيعة عند هذا المدير اليوم، ثم تنزلها أسفل السافلين غدا... فتغدو مبررات حشرها في كل البرامج ومهمات السفر، هي نفسها مبررات تهميشها واقصائها عن الشاشة!
أيام سوداء... كانت بعض المذيعات فيها جزءاً من عقبات التطوير... ثم تحولن بقدرة قادر الي ضحية له... فقد صدر قبل نحو ثلاثة أعوام قرار من وزير الاعلام السابق، بابعاد كل المذيعات البدينات أو اللواتي تجاوزن سنوات الشباب الأولي عن الظهور علي الشاشة، وخصوصا فيما يفترض أنه (أوقات ذروة) وقد ظن الجميع حينها، أن المذيعات المتنفذات سيمسحن هذا القرار بكعب حذائهن كالعادة، لكن الأيام مرت... والوزير الذي أصدر القرار لم يتراجع عنه، وفجأة... انهارت دولة المذيعات في التلفزيون السوري بين ليلة وضحاها، وصار متاحا لأي معد أو مخرج أن يناقش في اختيار هذه المذيعة أو رفضها... دون أن تهدده بالأمن، أو تضرب بيدها علي صدرها متوعدة بأنها ستريه وتربي المبني فيه.
أكثر من ذلك: لجأت احدي المذيعات التي كانت عنوانا من عناوين الواسطة والمحسوبية في الحصول علي الفرص وكيد العزال، الي مجلة خاصة لتشتم ادارة التلفزيون، وتعرّض بالوزير الذي أصدر القرار... بعد أن كان المنع في الصحافة السورية يشمل أحيانا الكتابة عن هذه المذيعة أو تلك، لأنها مقربة من وزير الاعلام، وتستطيع أن تخرب بيوتنا حتي حين نكتب عنها في الصحافة، وليس فقط حين نعمل في التلفزيون فقط.
في المحصلة لم يتمخض انهيار دولة المذيعات عن تطوير يذكر في عقلية التلفزيون أو في أدائه، ولم يتراجع حجم النفوذ الأمني الخارجي، والفساد الاداري الداخلي، وانما ارتقي الي جوانب أخري، لم يكن يغفلها بطبيعة الحال من قبل، لكن اعتبر التراجع عن دعم دويلة المذيعات، هو نوع من الهامش الضروري لاحداث التطوير المرتقب في الاعلام السوري... لكن هذا الهامش في حقيقة الأمر كان أشبه بازالة تشوه بسيط في ضاحية عشوائيات مليئة بالتشوهات والتجاوزات وقلة احترام المهنة. وللحق أقول... كانت هناك مذيعات من نوع آخر، مجتهدات، يبحثن عن تطوير تجربتهن، يحترمن فرصة الاطلالة علي الشاشة، لكن هؤلاء كان صوتهن خافتا، وحظوظهن ضائعة، شأنهن شأن التلفزيون السوري كله اليوم... وثمة الكثير من هؤلاء أتيحت لهن فرصة العمل في محطات أخري شهيرة، بلا دعم أمني ولا محسوبيات ادارية، ومع ذلك أصبحن من الوجوه البارزة بقوة... لأن الاعلام والابداع يستمدان سلطتهما من داخلهما ومن الاخلاص الحقيقي للمهنة واحترامها، وليس من أي شيء آخر علي الاطلاق!
حذف غير لائق!
وبما أننا نتحدث عن الاحترام، وقلته... فلا بد أن نعتبر أن طريقة تعامل قناة (ام. بي. سي) مع شارات أو (تيترات) الأعمال الدرامية العربية، هو حالة من قلة الاحترام، حيث تقطع الشارة بعد نهاية الحلقة مباشرة، ويحرم العاملون من فرصة ظهور أسمائهم علي الشاشة التي تعرض تلك الأعمال!
الأمر ليس بسيطا او صغيرا، بل هو صورة لعقلية تري أنني مادمت قد دفعت لك فلوساً، ثمن عرض عملك... يحق لي أن أفعل ما أشاء، وان أعتدي علي حقوق العاملين المعنوية كيفما أشاء.
والمشكلة ليست في (أم. بي. سي) وحسب... بل في شركات الانتاج العربية التي تقبل هذا الاعتداء، من أجل بضعة دقائق اعلانية علي خارطة البث!
المشكلة في الخطاب!
في حلقة برنامج (الاتجاه المعاكس) التي عالجت قضية: هل الاستبداد هو سبب انكسة حزيران؟ بدا الصوت القومي المدافع ضد هذه الفكرة، مضجراً حقاً، فهو يجتر نفس الكلام القديم، والتبريرات الشعاراتية نفسها والتي لم تعد تقنع أحدا، بعد ما وصلنا اليه من هزائم!
هذا ليس كفرا بالقومية العربية، لكن بطريقة التفكير بها، وبهذه النوعية من التنظير الذي يعيد من دون أن يفيد!
في كل شيء يبدو (دوام الحال من المحال) الا في خطاب القوميين العرب... لا شيء يلوكونه سوي محاولتهم المستحيلة لبعث شعاراتهم القديمة، التي تغض الطرف عن الفساد الأخلاقي والقيمي لبعض الأنظمة القومية والثورية نكاية بالطهارة!
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية