كشفت دراسة جديدة أن الأفيال الأفريقية لديها فعالية كبيرة في ترشيد الطاقة أثناء سعيها المستمر لتلبية احتياجاتها من الغذاء، حيث أظهرت البيانات التي تم جمعها من خلال أجهزة التتبع لأكثر من 150 فيلا أن هذه الحيوانات الضخمة تختار مسارات الحركة اعتمادا على كمية الطاقة التي تستهلكها في السير ومدى توافر الموارد التي تحتاجها مثل الغذاء والماء.
وأظهرت الدراسة التي أجراها فريق بحثي من جامعة أوكسفورد البريطانية والمركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي وجامعة فريدريش شيلر ينا في ألمانيا على مدار عقدين من الزمان اعتمادا على بيانات أجهزة التتبع بواسطة نظام تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية (جي.بي.إس)، وأوردتها الدورية العلمية Journal of Animal Ecology المتخصصة في علوم الحيوان أن الأفيال تتخذ قرارات استراتيجية مثيرة للدهشة لتوفير الطاقة، حيث تختار السير في الأراضي المنبسطة الغنية بموارد الغذاء، وتتجنب المناطق الوعرة، وبخاصة أثناء التحرك بسرعة.
ويقول الباحثون إن هذه النتائج لا تعيد صياغة نظرتنا لذكاء الأفيال وقدرتها على التأقلم فحسب، بل تسلط الضوء أيضا على معايير بالغة الأهمية لاستراتيجيات الحفاظ على الأنواع الحية من حيث ضرورة مراعاة عوامل كفاءة الطاقة وسلوكيات الكائنات والتغيرات المناخية السريعة. ويؤكد الباحثون أن حياة الأفيال تنطوي على تحديات كبيرة، حيث تضطر إلى قطع مسافات واسعة كل يوم من أجل أن تقتات على الأعشاب ذات السعرات الحرارية المنخفضة، ولكن أحجامها الضخمة التي تزن عدة أطنان تعني أيضا أنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة في سعيها وراء الغذاء، حيث أن كل خطوة تقطعها في الأحراش والمناطق الوعرة التي تعيش فيها تأتي على حساب رصيدها من الطاقة.
وقام الفريق البحثي بتثبيت اجهزة تتبع على 157 فيلا أفريقيا في شمال كينيا على مدار 22 عاما خلال الفترة ما بين عامي 1998 و2020، مع تحليل خطوط سير الأفيال في البيئة التي تعيش فيها. وتم توفير هذه البيانات من خلال منظمة "انقذوا الافيال"، وهي جماعة بريطانية معنية بالحفاظ على الأنواع الحية مقرها في كينيا. وتوصل الباحثون إلى أن الأفيال تفضل السير على الأراضي المنبسطة بسرعات منخفضة من أجل ترشيد الطاقة التي تستهلكها في الحركة، حيث تبين أن 94% من الأفيال التي شملتها الدراسة تتجنب المنحدرات الحادة والأراضي الوعرة، وهو ما يشير إلى أنها ملمة بالبيئة المحيطة بها وتتخذ قرارات واعية من أجل اختيار طرق تحقق أقصى كفاءة لاستهلاك الطاقة أثناء السير.
وتحرص الأفيال أيضا على اختيار المناطق ذات الغطاء النباتي المرتفع باعتبارها مصدر للغذاء، حيث اتضح أن 93% من الأفيال تميل إلى المناطق ذات الموارد الغنية. وتلعب المياه دورا مهما في تحديد اتجاهات الأفيال، وإن كانت بعض هذه الحيوانات الضخمة يكون لديها سلوكيات فردية في هذا الشأن. ففي حين تسعى الأفيال للتواجد قرب مصادر المياه، فإن بعضها تتجول لمسافات بعيدة، مما يشير إلى أن اختيار اتجاهات السير لدى الأفيال هي أكثر تعقيدا من مجرد التوجه نحو أقرب نهر أو بحيرة.
واتضح من خلال متابعة سرعات الأفيال أثناء السير أنها تحرص على اختيار السرعات التي تتوائم مع فكرة ترشيد الطاقة أثناء الحركة حسب طبيعة الأرض، فقد اتضح أن 74% من الأفيال تتجنب المناطق الوعرة أثناء السير ببطء، وتتجنب 87% من الأفيال المناطق الوعرة أثناء السير بسرعات متوسطة، فيما تبتعد 93% من الأفيال عن الأراضي الوعرة أثناء التحرك بسرعة، وهو ما يشير إلى أن هذه الحيوانات تحرص على إحداث التوازن بين المجهود وترشيد الطاقة لاسيما أثناء قطع رحلات طويلة. ويقول الباحثون أن سلوكيات الأفيال تشبه إلى حد ما النهج الذي تتبعه بعض الطيور التي تعتمد على تيارات الهواء الساخنة للوصول إلى ارتفاعات عالية أثناء التحليق من أجل خفض مجهودها أثناء الطيران.
واعتمد الباحثون على نمط حسابي مبتكر يطلق عليه اسم Energscape في إجراء هذه الدراسة من خلال تقدير حجم الطاقة التي يستهلكها الحيوان اعتمادا على قياس كتلة الجسم ودرجة انحدار الأرض أثناء السير. وتم دمج هذه المدخلات مع بيانات الأقمار الصناعية بشأن مدى توافر الموارد الغذائية والمياه في المناطق التي ترعى فيها الأفيال، بهدف فهم الدوافع وراء القرارات التي تتخذها الأفيال أثناء تحديد مسارها. واستخدم الباحثون معادلة إحصائية اطلقوا عليها اسم "وظائف اختيار الحركة" وتهدف إلى تقييم طريقة اختيار الأفيال لمسارها عن طريق مقارنة المناطق التي توجهت إليها الأفيال بالفعل بالمناطق المجاورة التي كان يمكن أن تتجه إليها ولكنها لم تفعل، بحيث يستطيع الباحثون تحديد العوامل البيئية وراء حركة الأفيال أثناء السير. وفي المستقبل يهدف الباحثون إلى تنقيح نتائج الدراسة عن طريق إضافة عوامل ومعايير أخرى للتجربة مثل التغيرات الموسمية والتغيرات الناجمة عن تدخلات البشر وتأثير تغير المناخ على حركة الأفيال.
ويقول رئيس فريق الدراسة إيميليو بيرتي من جامعة فريدريش شيلر ينا في تصريحات للموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الابحاث العلمية: "هذه النتائج لها انعكاسات مهمة من أجل تقييم إجراءات حماية البيئة لاسيما في المسارات التي تتحرك من خلالها الأفيال. ويضيف زميله فيرتز فولراث من جامعة أوكسفورد: "في حين يتعين إجراء مزيد من الدراسات التفصيلية لفهم كيفية اختيار الأفيال لأماكن معيشتها، فإن هذا البحث يؤكد على عامل رئيسي وراء اتخاذ الأفيال قراراتها أثناء السير ألا وهو: ترشيد الطاقة كلما كان ذلك ممكنا".
د ب أ
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية