أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

صمود درعا واختبار العقلانية في مواجهة العدوان

ما يجري على تخوم درعا، وتحديدًا في محيط مدينة نوى، يعكس تحوّلًا خطيرًا في المشهد السوري، مع تقدّم قوات الاحتلال الإسرائيلي وسقوط شهداء وجرحى من أبناء المنطقة الذين تصدّوا لهذا التوغّل. 

وبينما تتصاعد الأصوات الغاضبة وتعلو الدعوات للتصعيد، من المهم التوقّف عند هذا المنعطف بعقل بارد ونظرة استراتيجية شاملة.

فالمشهد السوري لا يحتمل الانجرار إلى مواجهة مفتوحة وغير محسوبة مع الاحتلال، لا سيّما في ظل هشاشة الوضع الداخلي وتعدّد خواصر البلاد الرخوة: من السويداء المأزومة، إلى الشمال الشرقي المتقلّب، وصولًا إلى الساحل الذي ما يزال في مرحلة تثبيت الاستقرار. وأيّ انخراط مباشر للجيش في مواجهة مع إسرائيل سيُفسّر دوليًا كعودة لـ"النموذج الجهادي"، وسيوفّر ذرائع جاهزة لإعادة تدويل الملف السوري، بما يضعف السلطة الناشئة ويقوّض استقرارها الهش.

الدعوة إلى التظاهر الشعبي هي خطوة ضرورية ومشروعة، شريطة أن تبقى ضمن الإطار الوطني الجامع، وأن تتبنى خطابًا سياسيًا عاقلًا ضد العدوان، داعمًا لصمود درعا، من دون الانزلاق إلى شعارات انفعالية قد تُستثمر ضدنا.

ويمكن للحكومة، بدلًا من التورّط في عمل عسكري مباشر، أن تدعم جيوب المقاومة الشعبية داخل درعا، من خلال توفير مقوّمات الصمود المادي والمعنوي، بما يكرّس معادلة ردع شعبية فاعلة دون أن تدخل الدولة نفسها في مواجهة مفتوحة. وقد لجأت مصر عبد الناصر إلى تكتيك مشابه خلال العدوان الثلاثي عام 1956، حين حرّكت الجبهة الداخلية لدعم الصمود، دون الانجرار إلى حرب تقليدية شاملة.

على قادة الرأي والناشطين اليوم أن يوجّهوا ضغوطهم في الاتجاه الصحيح: تثبيت الموقف السياسي الرافض للعدوان، وحماية القرار الوطني من أي ابتزاز إقليمي، لا سيّما من بعض القوى التي تحاول جرّ سوريا إلى مواجهة لا تملك لها لا التوقيت ولا الأدوات. وفي مقدّمتها مساعي تركيا لبناء قواعد عسكرية في الداخل السوري، والتي حفّزت التصعيد الإسرائيلي الأخير.

ختامًا، لا ينبغي أن يتحوّل الغضب الشعبي إلى عبء على الدولة. المطلوب حكمة، لا مراهقة سياسية. والمطلوب دعمٌ مدروس لصمود الجنوب، لا زجّ البلد في حرب قد تُفقدنا ما تبقّى من التماسك الوطني.

خالد أبو صلاح - ناشط سوري
(10)    هل أعجبتك المقالة (5)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي