من غير المنطقي، بل من العبث العقلي والإسفاف الفكري، أن ينتقد أحدهم تسمية شخوص ما يُسمى بـ"الوزارات السيادية" في مجتمع لا تزال الفصائلية إحدى أكبر سلبياته، إضافةً إلى السلاح المنفلت الذي يُعجز أكثر من شيكاغو والمكسيك.
عزيزي الناقد، إن كنت مثلي عاجزًا عن ضبط طفلك الصغير ومنعه من استخدام مسدس الخرز الذي كسر زجاج نوافذك وعطّب تلفازك، فمن باب أولى أن تعي استحالة ضبط جارك الذي يمتشق بندقيته منذ أشهر، فكيف بمحيط مسلّح بأسره؟ لا أجد في الطرح الذي تتبناه سوى نزعة نرجسية حالمة لا تتحقق حتى في أفلاطونية منام وردي، وهنا أجزم أن نقدك أقرب إلى الاعتراض لأجل الاعتراض منه إلى التقويم.
إن كنت لا تعلم، فدعني أخبرك أننا، منذ أكثر من أسبوع، كنا نعيش أخطر اللحظات، وكانت المؤشرات تُنذر بحدث أمني يوازي هجوم الفلول في الساحل، حيث حيكت المؤامرات ورُصدت تحركات أمنية كبيرة لم تكن تعنيك، لأنك كنت منشغلًا فقط بالنقد وتصيّد الأخطاء. كنا نراقب الساعات تمضي بقلق، مع إلغاء زيارات وفود أجنبية لسوريا وتحذيرات أمنية متتالية، ما يشير إلى الضرورات الأمنية للمرحلة وقيادتها من قبل مجموعة قوية ومنسجمة تمثلت بالوزارات السيادية.
هذا لا يعني أنني أرى في التشكيلة الوزارية الجديدة نخبة النخبة، فأنا أعلم جيدًا أن هناك ضباطًا انشقوا وشرفاء أكثر خبرة ودراية، لكن كما أسلفت، فإن مقتضيات المرحلة، والفصائلية، والواقع الراهن، رجّحت كفة الشخصيات المُعينة حاليًا كضامن أساسي، نظرًا لسيطرتهم على أكبر الكتل العسكرية وقدرتهم على ضبط الأمور واحتواء حالة المجاميع العسكرية ودمجها وسحب السلاح وجمعه. أما أنت، فقد تكون حينها قد نجحت فقط في ضبط تصرفات ابنك ومنعه من إطلاق الخرز من مسدسه الملوّن من جديد.
عزيزي الناقد، كمهجر سوري، وجدت عزاءً في عدم تعويم وجوه العار وأزلام النظام ضمن التشكيلة الوزارية، رغم الأخطاء التي أبقت بعض فلوله في مناصبهم سابقًا. كنا نخشى أن ينسحب ذلك على الوزارات، لكنه لم يحدث، وكان لكل وزير تقريبًا تاريخ ثوري واضح، ما يبشّر ببدايةٍ لمرحلة عدالة انتقالية وإقصاء شركاء الجريمة.
عزيزي المتذمّر من الأسماء الوزارية، قد سمعت معي وزير الثقافة الجديد، أصدقك القول، إنني تذكّرت حينها "المستحاثة" نجاح العطار، التي كانت تذكرني بزوجة الأب، بوجهها الوديع الملائكي وشعرها المنساب شلال طفولة، والتي ورثت الوزارة كابرًا عن كابر.
لا أخفيك أيضًا أنني كنت أخشى أن يحافظ وزير الصحة على منصبه وأن نسير باتجاه تكريس العائلية، لكنه غادر، رغم جهوده الملحوظة.
لا ينكر عاقل أن العديد من الوزراء يحملون شهادات عليا وخبرة ليست بالهيّنة، وقد قرأت سير أغلبهم. لذا، عزيزي الناقد، إن كنت تتحدث عن دولة المواطنة وحكومة الكفاءات، فلا تربكني أو تربك نفسك بالحديث عن نسبة الطوائف في التشكيلة، لأنك بذلك تناقض نفسك، فالدولة تقوم على الأجدر، لا على الدين أو العِرق، وهذا ما صدّعتَ رأسي به.
انتقد ضعف كفاءة أي وزير، وسنكون معك، لكن لا نريد "لبنان" آخر، يصارع الرمال منذ عقود ولم ينجح في الخروج من محاصصة أهلكت "سويسرا الشرق" وحولتها إلى "صومال" جديد، حتى في صغائر تفاصيله.
في النهاية، إن تجاوزنا النقد الموضوعي إلى النقد القائم على المناطقية والطائفية، فأنا ابن درعا، مهد العلم والثقافة، حيث تناغم الماضي مع الحاضر كتناغم صفوف المدرج الروماني في بصرى. درعا، التي كانت شرارة الثورة، كُسرت فوق صخورها كل ألوان الظلم عبر العصور، وكان لأهلها السبق في الكلمة والصمود والفعل.
لم يضرّني أو يضرّها أن الإعلان الوزاري جاء دون ذكر اسم لأي من أبنائها، لأن العنوان الذي يعنينا اليوم هو "سوريا" بكل مدنها، ونجاح هذا العنوان هو هدف كل سوري.
درعا لم تبقَ سمكة في مياه ضحلة ليصطادها عابث، فلا ترموا شباككم في المياه العكرة، لأنها ستعود فارغة الوفاض، لأننا في حوران، كما في كل سوريا، نرى في نجاح أصغر وزير نجاحًا لسوريتنا التي دفعنا مهرها غاليًا.
فدرعا، بوابة الجنوب وبيضة قبان الوطنية، لن تقبل إلا أن تكون على العهد، كيف لا وعند أعتابها تُكسّرت قواعد اللغة، فلا تُجرّ الكلمات مهما سبقها، بل تبقى مرفوعة دائمًا، شأنها شأن مبادئنا التي لا تخضع للأنا وحب الذات، كأي سوري مخلص يلتحف عباءة الأحلام لبناء وطن جديد مزدهر.
بالتوفيق للوزراء الجدد، ولن نقبل بأي فساد أو محسوبية، فالوطن يستحق الأفضل.
وما بين يديكم أمانة لشعب دفع ملايين الشهداء على مذبح الحرية.
وأختم بما قاله وزير الثقافة:
لقد صمنا عن الأفراح دهرًا
وأفطرنا على طبق الكرامة
فسجّل يا زمان النصر سجّل
دمشق لنا إلى يوم القيامة
دمشق لكل أبنائها
وكل عام وأنتم بخير.
المهندس محمد رافع أبو حوى - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية