أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

يوميات لاجئ... حياة مشفرة

كاريكاتير من شبكة الانترنت

"مضيع جحشة خالتو" كان هذا المثل السوري العريق كلمة سر تداولناها مرة أثناء إحدى نوبات الحرس الليلي خلال الخدمة العسكرية. لم أستطع حفظها رغم قصرها وظرافتها، كنت أرددها بصوت قوي كي لا أنساها، بل كنت أغنيها بألحان ربما وصلت حدود العدو الغاشم، وربما أطربت مسامع جنوده على بعد مئات الكيلومترات!

طبعا، كيف لعسكري كان يضيع القبعه العسكرية (السدارة) ست مرات بالأسبوع أن يتذكر كلمة السر؟ كنت أظنها مثبتة على رأسي بحكم العادة، لكنها كانت تسقط إما بسبب الرياح، أو بسبب كثرة هز الرأس لتحت كإشارة إجبارية على الموافقة كون (لا) كلمة محظورة في حياتنا العسكرية!

في الحياة المدنية يمكننا ـ طبعاـ أن نقول بعض كلمات (لا) مثل "لا حياة في هذا الوطن إلا للتقدم والاشتراكية"!

يوم من الأيام كان العسكري المذكور يمشي مسرعا كي لا يتأخر عن الاجتماع الصباحي، وألحت عليه نفسه الأمارة بالسوء للتدخين، أخرج سيكارته الأخيرة من علبة الدخان، وفشل بإشعالها لأنه يواجه رياحا قوية، فاستدار إلى الوراء وأشعل سيكارته، وتابع مسيرته عائدا من حيث أتى، ونسي أنه ذاهب إلى الاجتماع الصباحي وتحية العلم!!

بعد 25 عاما، التاريخ يعيد نفسه في فرنسا، لكن بهجوم كاسح لرموز كلمات السر المطلوب حفظها كشرط لا مفر منه لمتابعة أي معاملة في هذه البلاد.

أتذكر كم طربت آذاننا لكلمة "الأتمتة" في جمهورية شعارات التحديث والتطوير؟ في حين أن الأتمتة في هذا البلد تكاد تحول البني آدم منا إلى رجل آلي يخزن المعلومات ويتقيأها بمجرد الضغط على الزر ! فلم يبق إلا أن يطلبوا كلمة سر ِلتتمكن من فتح عينيك لتدخل صباح يوم جديد!

أيام العسكرية في قمة عنفوان الشباب والطاقات المتفجرة حيوية ونشاطا، كنا نجهد لحفظ كلمة سر وحيدة، وبعد ربع قرن يتوجب على ذاكرة تتسكع بين آلام الماضي وآمال المستقبل، أن تستوعب عشرات كلمات السر لحسابات تتعلق بمؤسسات الدولة، وخدمات الحياة البشرية للحاضر والماضي والمستقبل!!

هي كلمات ليست كالكلمات لدينا، مثل "مضيع جحشة خالتو" وأمثالها، هنا أنت في حضرة الشاشة، حيث يجب التقيد بوضع حروف كبيرة، حروف صغيرة وأرقام ورموز...! وعند أصغر خطأ ستضطر لتعيين كلمة سر جديدة لن يكون لها مكان في ذاكرة تكافح لتثبيت مواعيد الأطباء الماراثونية، مفردات جديدة للغة الجديدة، وأشياء أخرى لا يمكن عدها، ليس آخرها كلمات السر..! 

جودت حسون - زمان الوصل
(27)    هل أعجبتك المقالة (20)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي