أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"يوميات لاجئ".. حتى أنت يا "ديغول"!

لأن زراعة "لو" أهم مهنة تراثية لدينا، اسمحوا لي أن (أنكش) من محصول "ياليت" الاستراتيحي أمنية بائدة أيقظها مصيري الذي رمى بي في فرنسا، فياليت القدر انتظر وما انتصر!!

القصة وما فيها إن غزارة دموعي لم تنفع بإقناع إدارة المدرسة الإعدادية في القرية المجاورة للتراجع عن نتائج القرعة التي انحازت إلى لغة "موليير" على حساب لغة "شكسبير" في الصف الأول الإعدادي (السابع).

مازال جوابي على السؤال الأول ممزوجا بملوحة الدمع الذي ابتلعت في حصة اللغة الفرنسية ,.......je m'appelle.

ولكن القدر انتصر لدموعي للأسف، فكان درس الفرنسية الأول والأخير، بعد موافقة الحكومة على افتتاح مدرسة إعدادية في قريتي، حيث لا قرعة ولا خيار، أمام جبروت الإنكليزية ذات الأولوية وسعة الانتشار.

لكن خلال لجوئنا الاقتصادي إلى بلاد "سواربينا" ما قصر الجيران اللبنانيون بترسيخ عبارات يرطنون بها يوميا مع خليط من الفرنسية، العربية، و(الفينيئية)  "بونجور، اورفوار ميرسي"، وهذا كل رصيدنا حين وصلنا بلاد الغال. 

أحببت أن أتعلم الفرنسية، ‏لكن يبدو أن حبي لتلك اللغة جاء من طرف واحد.

‎‏في كل مرة أحاول التحدث بالفرنسية، أتلعثم محتارا بين أكثر من عشرين صيغة وزمنا وذاكرتنا أكل عليها الزمن! فضلا عن الضياع في دهاليز مخارج ومداخل الحروف الفرنسية التي تمر عبر البلعوم واللسان والشفتين وبقية الأسنان بلطف ولين.

‎‏يتطلب نطقها سيولة واسترخاء وتناغم عضلات الوجه، بينما وجوهنا متوترة بالتعاون بين الغريزة والاكتساب في بلد المنشأ!

نعم لغتك ليست سهلة يا سيد "موليير"، وأرجو ألا أكون مثل "طبيب رغما عنه" الذي استغل جهل العصور الوسطى لممارسة السحر على الناس. هل سيقودني جهلي بالفرنسية إلى أن أصبح "صحفياً رغماً عني"!

تائه بين المؤنث والمذكر، الجمع والمفرد ومجموعة الحروف المهضومة في أواخر الكلمات.

لكن، مثل الغريق الذي يتمسك بالقشة، وجدت طريقة للتغلب على حواجز اللغة.

‎‏أفكر بلغتي الأم، وأترجم في رأسي وأعبر عن نفسي بالفرنسية.

‎‏بعض أصدقائي الفرنسيين يعتبرون هذه الطريقة عملية كحل مؤقت حتى أستطيع أن أفكر بالفرنسية وأعبر عن نفسي أيضاً، لكن إلى متى؟

‎‏أكّد لي أكثر من صديق أنني يجب أن أحلم وأنا أتكلم الفرنسية.

‎‏هذا يعني أن هذه هي بداية الطريق للتفكير والتعبير عن نفسي بهذه اللغة.

بدأت أعدّ الأيام والليالي، أنتظر الحلم الفرنسي.

‎‏وأخيراً جاء..! حلمت أنني التقيت الرجل الأعظم في تاريخ فرنسا الحديث، الجنرال "شارل ديغول" ‏في الحلم كنت أقفز من الفرح أمام الجنرال، ياااآه.. وأخيراً سأفكر وأعبر عن نفسي باللغة الفرنسية، في نفس الوقت.

كان "ديغول" صامتاً مبتسماً وكأنه يسأل نفسه: ما بال هذا الأحمق الذي يرقص أمامي ! ثم كسر الصمت، وكسر قلبي أيضا، عندما خاطبيني، ولكن بالعربية الفصحى: "قصتك يا سوري تتلخص بثلاثة حروف، (ح ر ب) فهروب من الظلم، (ب ح ر) وركوب البلم، (رح ب) استقبلوك بها في "بلاد الحلم"، ثم (ح ب ر) سيلزمك الكثير منه لمتابعة العلم".

ولم أستفق من صدمة فصاحته المدوية، حتى عاجلني الجنرال برصاصة الرحمة مقهقها "ما زال أمامك الكثير من الأحلام"!!!

جودت حسون - زمان الوصل
(36)    هل أعجبتك المقالة (29)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي