في رحلة عائلية إلى ولاية وسكانسن للقاء بعض أفراد العائلة هاجمني الجمالُ بغتة من مقبرة على الطريق. هتفتُ: ماأجملها! إنّها تدعونا إلى الموت هنا. ثمّ تذكّرتُ كم هو قاسٍ وبشع الموت في الغربة!. قال واحدٌ منّا: إنّ نقلَ الجثمان إلى الوطن يحتاجُ ثروة... وقال آخر: والموتُ المحترم هنا له شروطه أيضاً... لايحقّ لك أن تموتَ إن لم تكن غنيّاً. ردّ ابنُ أخي القادم من الإمارات: لاعليكم! لقد أعلن الرئيسُ بشار أنّ شركة الطيران السورية مستعدة لنقل جثمان كل سوري يتوفى في المغترب... ضحك الآخرون وقالوا: لكنّ الطيران السوري لايصل إلى الولايات المتحدة. حزنّا وضحكنا قليلاً... ثمّ نسينا ونحن نتشرّب جمال الطبيعة الجبلية في شمال الولايات. فتننا الامتدادُ اللانهائي للأخضر بكلّ درجاته. الجبالُ والتلال كلها مغطّاة بأشجار حراجية كثيفة بينما تتغاوى السهول بمروجها النضرة. الينابيع والبحيراتُ في كلّ مدينة وضاحية وحيّ. الغزلان السارحة ترعى باطمئنان وتناوشُ أطرافَ الأغصان في أشجار قلوبنا. ورائحة الصنوبر والنرجس تثيرُ أحاسيسنا تارة وتخدّرها تارة أخرى... يتخلّلها شذىً ناعمٌ من الأزهار البرية أو المزروعة على جوانب الطرقات بكثرة، ورائحة تراب مبلّل بالمطر... أم هي أحلامنا ورغباتنا راحت تتلألأ بالندى؟ مؤلمٌ هذا الاندياحُ الجمالي. يسكنُ العيون. يغمرُ القلب. ويلتفّ حول الروح كوشاح راقصة حريريّ. لا أعرف لِمَ شعرتُ بالأسى وأنا أتذكّرُ وطني الصغير! ذاك الطفلُ الرائع الذي توقف عن النموّ منذ دهور، وراحت تضمرُ أطرافه.
في اليوم التالي لوصولنا عرفتُ قصّتين. الأولى أنّ البحيرة التي تبعدُ ثلاثة دقائق سيراً على الأقدام من بيت ابن أخي تحرسها بطّة بيضاء كبيرة... توهّمَت مع الزمن أنّها صاحبة البحيرة فراحت تهاجمُ كلّ الأغراب بشراسة وطنية مضحكة. والقصة الثانية أو الخبر الذي قرأته في الانترنت هو وفاة الشاعرة العراقية نازك الملائكة قبل يوم. كان يمكن أن يمرّ كغيره من أخبار الموت المستمرّ في بلادنا... فموتُ رائدة الشعر الحديث في عقدها التاسع ليس أهمّ من قتل بلدها العراق بصواريخ أمريكا ولعنة الطوائف، وليس أهم من ذبح القضية الفلسطينية بسيفي حماس وفتح، لكنّ معلومتين بسيطتين وردتا في سياق لمحةٍ عن حياتها أثارتا مشاعري. لقد كانت نازك هنا في وِسكانسن، ودرست الماجستير في الأدب المقارن. فجاءة صارت غيرَ ميتة، وسكنتني مشاعرها. بدأتُ أرقبُ المكانَ بعينيّ إحساسها. أعبّ الخضرة اللانهائية، وأصغي لزقزقة العصافير...وصدى صوتها يتردّدُ ملائكياً عذباً:
على قمّة من جبال الشمال كساها الصنوبر
وغلّفها أفقٌ مخمليّ وجوّ معنبر
وترسو الفراشاتُ عند ذراها لتقضي المساء
وعند ينابيعها تستحمّ نجومُ السماء
هنالك كان يعيشُ غلامٌ بعيدُ الخيال
وكان غلاماً غريبَ الرؤى غامضَ الذكريات
وكان يطاردُ عطرَ الربى وصدى الأغنيات
وكانت خلاصة أحلامه أن يصيدَ القمر
ويودعه قفصاً من ندىً وشذىً وزهر
وفي ذات صيفٍ تسلّلَ هذا الغلام مساء
حفيفَ الخطا، عاريَ القدمين، مشوقَ الدماء
إلى آخر قصيدتها شجرة القمر..
ماأثارَ شجوني أيضاً هو وفاتها ودفنها في مصرَ بعيداً عن بلدها الذي غادرته أوائلَ التسعينات عقب هجوم أمريكا عليه. تذكّرتُ خالتي.. وكانت امرأة قوية الشخصية والعواطف. لم تفتها متابعة نشرة أخبار منذ دخلَ المذياع والتلفاز حياتنا. لكنّها يوم سقطت بغداد عام 2003 أطفأت التلفازَ، وتوقفت عن متابعة نشرات الأخبار، وتوفيت بعد عشرة أيام بقرارٍ عاطفيّ رأيته في عينيها. ولعلّ نازك نازعَت مرّاتٍ وهي تسمعُ أنباءَ جراح وطنها، وانتظرت أن يتدفق الفراتُ ودجلة خيراً عميماً كسابق عهدهما..لكنّ طولَ الانتظار أمات قلبها.
أحزنني أنّ بطّة بيضاء في وسكانسن تحرسُ بحيرتها بإصرار يثير إعجابَ الجميع، بينما تقذفُ الصواريخُ الأمريكية بشعرائنا وآلاف الطامحين البؤساء إلى مقابر الغربة... أكانت صدفة أن آتي في يوم وفاة نازك إلى الولاية التي درست فيها الأدبَ المقارن منذ خمسين عاماً، وأن نتحدّث في الطريق عن الموت في الغربة؟ أم أنّ روحها- وقد غادرت جسدها- طافت مودّعة كلّ الأماكن التي سكنتها قبل أن تصعدَ إلى السماء؟ أكان صوتُ روحها الأخير ماأيقظَ أحزاننا وهي تغنّي:
عُد بنا ياقطارُ
فالظلامُ رهيبٌ هنا والسكونُ ثقيل
عُد بنا فالمدى شاسعٌ والطريقُ طويل
والليالي قصار
عد بنا فعلى المنحدر
شبحٌ مكفهرّ حزين
تركت قدماه على كلّ فجرٍ أثر
كلّ فجرٍ تقضّى هنا بالأسى والحنين
شبحُ الغربة القاتلة
في جبال الشمال الحزين
عد بنا ياقطارُ، سئمنا الطواف وطالَ البعاد
عد بنا، عد إلى الأذرع الحانية
في ظلال النخيل..
في اليوم التالي منعتنا أمطار حزيران الغزيرة من أي نشاط، فرحتُ- واقعة تحت سطوة نازك- أتخيّلُ حالَ شاعرة رومانتيكية آتية من بلاد الشمس والنخيل إلى ولاية أمريكية تكثرُ فيها الأعاصيرُ، وتغطّيها الثلوجُ طوال الشتاء الطويل، وينسدلُ الضبابُ الكثيفُ فوق صباحاتِ ربيعها وصيفها حاجباً الأخضرَ والأصدقاء...لكنّي لم أستطع الحزنَ إلاّ قليلاً..فالمطرُ يغسلُ روحي ويبعثُ شهيتي للحبّ والحياة. وقد أحببتُ هذه الشاعرة، وأحببتُ لقائي بها عند المقبرة وسفوح الجبال وضفاف البحيرات. هذه النخلة العراقية التي ارتوت من ماء اللغة والأدب العربي حتى سمقَت وعلَت في السماء. ثمّ ذاقت طعمَ غيومٍ حبلى بالتغيير، وتشمّمت رياحَ الثورات، وسمعت رنين الزمن، فأعطت رطباً جديدَ المذاق..على صدرها نما للشِعر أجنحة ملائكية فحلّقت وغرّدت:
اغضب أحبك غاضباً متمرّداً في ثورة مشبوبة وتمزّق
أبغضتُ نومَ النار فيك فكن لظى
كن عِرقَ شوقٍ صارخٍ متحرّق
مرّ في خاطري احتمالٌ غريبٌ أو سخيف: أنّ لنازك أصدقاءٌ في المقبرة الجميلة التي أثارت إعجابي، فجاءت تزورهم بعد أن تحررت من وطاة الدم واللحم والعظام! ولعلّها زرعت صوتها بين هذه الورود النبيلة تغطّي القبور،و تجمّلُ وحشة الموت، فعزفَت الوترَ الأخير:
وإذا ماهبّت رياحُ الردى يوماً
وهزّت كفُّ القضاء الشراعا
فابسمي للأمواج، مغمضة العينين
وقولي ياأغنياتُ وداعا.
في وسكانسن التقيتُ بنازك الملائكة.... أمل عريضة

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية